الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

«التفاوض تحت النار: لبنان وغزة وهرمز في هندسة التفاهم الأمريكي الإيراني الجديد!!؟

السفير د. معاوية التوم


السفير.د.معاوية البخاري

تتحرك المفاوضات الأمريكية الإيرانية هذه الأيام على أرضية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فبينما تبدو الخلافات الفنية حول التخصيب والعقوبات قابلة للمعالجة عبر التفاوض، تبرز ملفات أخرى أكثر حساسية تتعلق بالأمن الإقليمي وتوازنات القوة ومصير ساحات الصراع الممتدة من مضيق هرمز إلى غزة ولبنان.
ولعل أبرز ما يميز المرحلة الحالية هو أن الأطراف المختلفة لم تعد تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها مسارات منفصلة، بل باعتبارها أجزاء من معادلة واحدة تتداخل فيها المصالح والضغوط والرسائل العسكرية والسياسية.

الذاكرة الإيرانية ومعضلة الثقة
رغم الأجواء التي توحي بقرب التوصل إلى تفاهم، فإن طهران ما زالت تنظر بحذر شديد إلى المقترحات الأمريكية. فالقيادة الإيرانية تستحضر باستمرار تجربة الاتفاق النووي السابق وما أعقبها من انسحاب أمريكي أحادي الجانب، وحرب ال ١٢ يوما ، الأمر الذي جعل الثقة العنصر الأكثر ندرة في المفاوضات الحالية.
ومن هذا المنطلق، لا تبحث إيران عن اتفاق مؤقت بقدر ما تبحث عن ترتيبات تمنحها شعوراً بأن التنازلات التي ستقدمها لن تتحول لاحقاً إلى أوراق مجانية في يد واشنطن أو حلفائها.
ولهذا السبب تحرص طهران على ربط أي تفاهم نووي أو اقتصادي بمجموعة من التفاهمات السياسية والأمنية التي تمنع العودة السريعة إلى مربع المواجهة.

هرمز: الورقة التي لا تغيب
رغم انحسار الحديث الإعلامي عنه أحياناً، يبقى مضيق هرمز حاضراً في خلفية كل جولة تفاوض.
فالمضيق لا يمثل مجرد ممر ملاحي عالمي، بل يشكل أحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي الإيرانية. وأي تفاهم مستدام مع واشنطن يعني عملياً ضمان استمرار انسياب التجارة والطاقة العالمية بعيداً عن احتمالات الإغلاق أو الاستهداف أو التهديد.
ولهذا تدرك الولايات المتحدة أن نجاح المفاوضات لا يرتبط فقط بمستويات تخصيب اليورانيوم، وإنما أيضاً بتأمين الممرات البحرية وحماية أسواق الطاقة العالمية من الصدمات المفاجئة.
وفي المقابل تدرك إيران أن استقرار هرمز يمنحها ورقة قوة إضافية، لكنه في الوقت نفسه يوفر لها حافزاً اقتصادياً وسياسياً للاستفادة من أي انفراج محتمل.

غزة: الحرب التي لم تغادر الطاولة
على الرغم من تراجع حضورها الإعلامي مقارنة بالأشهر الأولى للحرب، فإن غزة ما تزال أحد الملفات المؤثرة في المفاوضات الجارية.
فإيران تعتبر أن أي ترتيبات إقليمية جديدة يجب أن تراعي مآلات الحرب في القطاع، بينما تسعى واشنطن إلى منع تحول غزة إلى ساحة تفجر أي تفاهمات أوسع.
وقد أظهرت التجربة خلال العامين الماضيين أن التصعيد في غزة سرعان ما يمتد تأثيره إلى لبنان والبحر الأحمر والعراق وسوريا، وهو ما يجعل من الصعب الفصل بين المسار الفلسطيني وأي ترتيبات إقليمية أخرى
لذلك فإن أي تهدئة طويلة الأمد في غزة ستشكل رافعة مهمة للمفاوضات، بينما قد يؤدي انهيارها إلى إعادة المنطقة بأكملها إلى دائرة التصعيد.

لبنان: العقدة الأصعب
إذا كانت غزة تمثل البعد الرمزي والسياسي للصراع، فإن لبنان يمثل اليوم البعد الأمني الأكثر حساسية.
فإيران تنظر إلى استقرار لبنان باعتباره جزءاً من استقرار البيئة الإقليمية التي يفترض أن تنشأ بعد الاتفاق، بينما تسعى إسرائيل إلى منع تحويل الساحة اللبنانية إلى منطقة محصنة سياسياً بفعل التفاهمات الدولية التي تجري.
ومن هنا يمكن فهم محاولات تل أبيب المتكررة لإبقاء الضغط العسكري قائماً، في مقابل الجهود الأمريكية الرامية إلى منع توسع المواجهة.
إن جوهر الخلاف هنا لا يتعلق بلبنان وحده، بل بالسؤال الأكبر حول حدود القوة الإسرائيلية في مرحلة ما بعد الاتفاق المحتمل.

الوساطة القطرية الباكستانية: هندسة الجسور الهادئة
وسط هذا التعقيد برزت الوساطة القطرية الباكستانية بوصفها أحد أهم المسارات الموازية للمفاوضات الرسمية.
فالدوحة تمتلك قنوات اتصال فعالة مع مختلف الأطراف، كما أنها راكمت خبرة طويلة في إدارة الملفات الحساسة وتدوير الزوايا بين الخصوم.
أما إسلام آباد، فتمتلك رصيداً خاصاً لدى طهران وواشنطن في آن واحد، وتستفيد من موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتوازنة للمساهمة في تخفيف التوترات وتوفير مساحات للحوار غير المباشر.
وتبدو مهمة هذه الوساطة اليوم أبعد من مجرد نقل الرسائل؛ إذ تسعى إلى بناء شبكة تفاهمات متوازية تمنع انهيار أي اتفاق بسبب تطورات مفاجئة في لبنان أو غزة أو الخليج.

بين الحرب واللا حرب

المشهد الراهن لا يشير إلى اقتراب حرب إقليمية شاملة، كما لا يشير إلى ولادة سلام شامل ومستقر.
فالمنطقة تعيش حالة وسطية يمكن وصفها بأنها “توازن ردع تفاوضي”، حيث تستخدم الأطراف المختلفة أوراق القوة العسكرية لتحسين شروطها السياسية دون الوصول إلى نقطة الانفجار.
وفي هذا الإطار تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية أقرب إلى عملية إعادة تنظيم للصراع منها إلى عملية إنهاء له.
فالهدف المباشر ليس إنهاء جميع الأزمات، وإنما ضبطها ضمن حدود تمنع تحولها إلى مواجهة واسعة تهدد المصالح الأمريكية والإيرانية والإقليمية في آن واحد.

خاتمة
لم تعد المفاوضات الأمريكية الإيرانية تدور حول أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب فقط، او اعادة صياغة بنود الاتفاق من طرف واحد، بل أصبحت تدور حول شكل النظام الإقليمي نفسه. فمضيق هرمز، وغزة، ولبنان، والبحر الأحمر، والوساطات الإقليمية، جميعها تحولت إلى عناصر في معادلة واحدة.
ولهذا فإن نجاح التفاهم لن يقاس فقط بتوقيع مذكرة أو إعلان اتفاق، وإنما بقدرته على الصمود أمام أول اختبار ميداني في غزة أو أول غارة كبيرة على الضاحية الجنوبية أو أول أزمة أمنية في الخليج. فهناك، وليس في قاعات التفاوض وحدها، سيتحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو استقرار نسبي أم نحو جولة جديدة من إعادة
انتاج الأزمات.فيما تبقى الاحتكاكات والضربات المحدودة المتبادلة بين الطرفين مؤشر مهدد لوقف إطلاق النار.
—————-
٣ يونيو ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!