بقلم هلال تشانغ
القاهرة 4 سبتمبر 2026 (شينخوا) في عالم اليوم، تتشابك التغيرات والاضطرابات، ولا تزال فجوة التنمية قائمة، ومع تسارع التحولات العالمية التي لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ قرن من الزمان، تتساءل العديد من دول الجنوب العالمي: كيف يمكن تحقيق المنفعة المتبادلة من خلال التعاون، وأخذ زمام المبادرة في التنمية بأيديها على نحو أفضل، والعمل معاً من أجل زيادة صوت الجنوب العالمي؟
على ضفاف نهر النيل، يقدم التعاون الصيني المصري نموذجاً حياً لذلك. وخلال زيارة الدولة التي أجراها إلى مصر الأسبوع الجاري، توصل الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى توافقات مهمة بشأن زيادة تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين وبناء هيكل أمني جديد في منطقة الشرق الأوسط. كما أصدر الجانبان بياناً مشتركاً، ووقعا عدداً من وثائق التعاون في مجالات تشمل البناء المشترك للحزام والطريق والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والعلوم والتكنولوجيا.
فمن تعميق الثقة المتبادلة وتوسيع التعاون العملي، وصولاً إلى تعزيز التنمية المشتركة ودعم السلام والعدالة، يواصل التعاون الصيني المصري الارتقاء بجودته وتوسيع نطاقه، ليصبح نافذة نموذجية للتعاون بين دول الجنوب العالمي.
— إرساء نموذج للتعاون متبادل المنفعة
في عام 1956، أصبحت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، وعلى مدى 70 عاماً، وبغض النظر عن تغير الأوضاع الدولية والإقليمية، ظلت الصين ومصر ملتزمتين بالاحترام والثقة والمساعدة المتبادلة والتعامل على قدم المساواة، لتحقق العلاقات الثنائية قفزة تنموية، مع استمرار توسع حجم التجارة، وتكامل المزايا الصناعية بدرجة كبيرة، والتوسع السريع في مجالات التعاون.
وتعكس الأرقام زخم التعاون الصيني المصري، فقد ظلت الصين أكبر شريك تجاري لمصر على مدى 14 عاماً متتالياً، ليبلغ حجم التجارة الثنائية 20.79 مليار دولار أمريكي في عام 2025، كما تعد الصين من أكثر الدول نشاطاً وأسرعها نمواً في الاستثمار في مصر خلال السنوات الأخيرة، إذ تجاوزت الاستثمارات الصينية في مصر 10 مليارات دولار، فيما يزيد عدد الشركات الصينية العاملة في مصر على 3000 شركة، وفقاً لإحصاءات الجانب المصري.
وفي السنوات الأخيرة، وفي ظل تعمق مواءمة البناء المشترك للحزام والطريق مع بناء “الجمهورية الجديدة” و”رؤية مصر 2030″، أسهمت الشركات الصينية العاملة في مصر في تحقيق عدد من الإنجازات التي تعد الأولى من نوعها في إفريقيا، منها إنشاء أعلى مبنى وأول قطار مكهرب في القارة الإفريقية، وإنشاء أكبر قاعدة لإنتاج الألياف الزجاجية في إفريقيا، وبناء أكبر مركز لتخزين اللقاحات في مصر وحتى إفريقيا، فضلاً عن مساعدة مصر على أن تصبح أول دولة إفريقية لديها قدرات تجميع وتكامل واختبار الأقمار الصناعية.
وفي مايو من هذا العام، بدأت الصين تطبيق سياسة الإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية لصالح 53 دولة إفريقية تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين، فيما جرى تخليص 516 طناً من البرتقال المصري الطازج بسرعة عبر جمارك شانغهاي، لتكون الدفعة الأولى من الواردات الإفريقية المستفيدة من هذه السياسة.
وتتوافق هذه السياسة بصورة وثيقة مع هدف مصر المتمثل في زيادة صادراتها وتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للتجارة، ولن تكون عاملاً مساعداً على تحقيق توازن أكبر في التجارة الثنائية فحسب، بل ستتحول أيضاً إلى عامل جذب يساعد مصر على استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية. وبالنسبة إلى المستهلكين الصينيين، ستكون فوائد هذه الخطوة ملموسة أيضاً، إذ ستتاح للبرتقال والمانجو والقطن والكتان وغيرها من المنتجات المصرية عالية الجودة فرص أكبر لدخول حياة الشعب الصيني.
وبرأي رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، فإن قيمة التعاون الصيني المصري لا تكمن فقط في اتساع حجمه، وإنما أيضاً في الارتقاء بطبيعته، إذ يتميز التعاون بشكل متزايد بالكثافة المعرفية والتوجه التكنولوجي، ويتوسع من مجالات تقليدية مثل البنية التحتية والتجارة إلى مجالات ناشئة تشمل الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.
وفي معرض إشارته إلى أن استمرار الصين ومصر في تعميق التعاون في ظل البيئة الدولية المضطربة والمتغيرة يضيف مزيداً من اليقين إلى التنمية في المنطقة والعالم، قال خالد البدري، مدير التحرير السابق لوكالة أنباء الشرق الأوسط في مصر والخبير في شؤون الشرق الأوسط، إن هذا النموذج من التعاون، القائم على التكامل بين المزايا والتركيز على التنمية بعيدة المدى، يقدم مرجعاً مفيداً لدول الجنوب العالمي في السعي إلى تعاون يحقق الكسب المشترك.
— تمكين القدرة على التنمية المستقلة
إن التعاون المستدام بين دول الجنوب العالمي لا يقتصر على تنفيذ المشروعات وإنجازها، بل يكمن الأهم في تنمية المواهب، ونقل التكنولوجيا، وتشكيل السلاسل الصناعية، بما يمنح القدرة على التنمية المستقلة.
وفي السياق ذاته، أولى التعاون الصيني المصري خلال السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً ببناء القدرات وإرساء أسس أوسع للتنمية، فقد أسهم حفر أكثر من 680 بئراً في المناطق الصحراوية المصرية في تحويل أراضٍ قاحلة إلى أراضٍ صالحة للزراعة، كما ساعد القمر الصناعي “مصر سات-2” في تعزيز قدرات مصر على إدارة الموارد ومكافحة التصحر، فيما دعمت مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التحول الأخضر في مصر.
وعند دخول مصنع شركة ((جيلي)) الصينية لصناعة السيارات، الواقع في مدينة السادس من أكتوبر بمصر، يمكن رؤية العمال المصريين على خط الإنتاج وهم يعملون بمهارة على تركيب هياكل السيارات والمقصورات الداخلية وأنظمة الدفع، فيما تتشكل سيارات جديدة واحدة تلو الأخرى. وباعتباره أول مصنع لشركة ((جيلي)) في الشرق الأوسط وإفريقيا يعتمد نظام التجميع من أجزاء مفككة بالكامل، تبلغ قدرته الإنتاجية التصميمية 20 ألف سيارة سنوياً، بينما تتجاوز نسبة توطين المكونات 45 بالمئة.
وقال محمد زكريا، مدير عام الشركة البافارية للسيارات، التي تدير خطوط إنتاج المصنع، إن الشركة الصينية جلبت تقنيات متقدمة في صناعة السيارات ومفاهيم إنتاج عالية الكفاءة، ما ساعد صناعة السيارات المصرية على اتخاذ خطوة راسخة في توطينها.
وامتد هذا النوع من التعاون، القائم على نقل المهارات وبناء القدرات، إلى مجال تنمية المواهب، حيث وفرت ورشة لوبان، التي أنشأتها الصين في مصر، التعليم والتدريب المهني لأكثر من 7400 شاب محلي، مما فتح أمامهم آفاقاً جديدة لإيجاد فرص العمل وريادة الأعمال.
وأشار رشاد إلى أن هذا الامتداد هو السبيل إلى إحداث أثر مستدام للتعاون، لافتاً إلى أنه بالنسبة لدول الجنوب العالمي تظل البنية التحتية مهمة، غير أن تنمية المواهب المحلية وتعزيز قدرتها على تحقيق التنمية بصورة مستقلة يمثلان مفتاح التنمية المستدامة.
وعلى ساحل البحر الأحمر، أصبحت منطقة تيدا السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر بمحافظة السويس شرق القاهرة، التي بدأ إنشاؤها عام 2008، مشروعاً نموذجياً لمواءمة مبادرة الحزام والطريق و”الحزام الاقتصادي لممر قناة السويس” لمصر.
وبمجرد دخول المنطقة، تتوالى أمام الأنظار مشاهد تنبض بالحيوية: آلات تعمل بلا توقف، وتجري في ورش جديدة اختبارات وتشغيل لمعدات وصلت من الصين، بينما تنذر قطع الأراضي المحددة بقرب تشييد مصنع آخر.
وحتى يونيو الماضي، استقطبت المنطقة أكثر من 200 شركة، وبلغ إجمالي الاستثمارات التي جذبتها أكثر من 4.7 مليار دولار أمريكي، كما وفرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة، وأسهمت بصورة غير مباشرة في توفير عشرات الآلاف من فرص العمل، لتصبح منصة مهمة للتعاون في مجال القدرات الإنتاجية بين الصين ومصر، وتقدم إسهاماً كبيراً في زيادة الصادرات المصرية والارتقاء بالصناعات المحلية.
وذكرت وي نا، مساعدة المدير التنفيذي لشركة تيدا للتطوير، أن عدد الوفود الزائرة من دول مثل الأردن ولبنان وروسيا يتزايد عاماً بعد عام، كما يتم تصدير بعض المنتجات المنتجة في مصانع المنطقة إلى إفريقيا والأمريكتين وأوروبا.
وفي هذا الصدد، رأى خالد أن مصر تقع عند مفترق الطرق بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وبالاستفادة من هذه الميزة الجغرافية، قد تجاوز التعاون المصري الصيني النطاق الثنائي، ومن المتوقع أن يوسع نطاق الاستفادة من فوائد التنمية ليشمل مناطق أوسع من خلال تعزيز التكتل الصناعي والترابط الإقليمي.
— زيادة صوت دول الجنوب العالمي
لا يمكن للتنمية أن تتحقق بدون سلام واستقرار، وفي ظل تصاعد حالة عدم اليقين في الأوضاع الدولية الراهنة، أصبحت دول الجنوب العالمي التي تتشارك المصير والمصالح، أكثر حاجة إلى تعزيز التواصل والتنسيق، وبناء التوافق في الآراء وتضافر الجهود في القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك بؤر التوتر الإقليمية والحوكمة العالمية.
وفي مواجهة استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، ولا سيما المخاطر الأمنية والاقتصادية الناتجة عن الحرب بين إيران والولايات المتحدة التي اندلعت في 28 فبراير الماضي، عززت الصين ومصر التنسيق للدعوة إلى تسوية الخلافات عبر الحوار والمفاوضات، وتجنب امتداد الصراع وتصعيد التوتر، حيث عملت الصين بنشاط على دفع الأطراف المعنية إلى العودة إلى مسار الحل السياسي، فيما اضطلعت مصر، بما تتمتع به من تأثير إقليمي، بدور في جهود الوساطة والحفاظ على الاستقرار في المنطقة.
كما حافظت الدولتان على تواصل وثيق بشأن القضية الفلسطينية التي تظل جوهر قضية الشرق الأوسط، وعملتا على الدفع نحو وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، وتخفيف حدة الأزمة الإنسانية، وتنفيذ “حل الدولتين”، بما يهيئ الظروف لاستعادة السلام وتحقيق التنمية في الشرق الأوسط.
وبصفتهما عضوين مهمين من دول الجنوب العالمي، تقف الصين ومصر دائماً على الجانب الصحيح من التاريخ، وتنسقان بشكل وثيق في أطر متعددة الأطراف، من بينها الأمم المتحدة ومجموعة بريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون ومنتدى التعاون الصيني-العربي ومنتدى التعاون الصيني-الإفريقي، وذلك من أجل الحفاظ على النظام الدولي، وممارسة التعددية، وتعزيز نظام حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً، الأمر الذي يجسد مسؤوليتهما في السعي نحو قوة دول الجنوب العالمي من خلال الوحدة والالتزام بالعدالة والإنصاف.
ولفت طارق الخولي، عضو مجلس النواب المصري، إلى أن دعم الصين لانضمام مصر إلى آلية تعاون بريكس وفر منصة مهمة أمام مصر لتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي الدولي، كما ضخ زخماً جديداً في التعاون بين دول الجنوب العالمي والتنمية المشتركة.
وفي السياق ذاته، قال رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر أحمد قنديل، إن مصر والصين تتبنيان مواقف مشتركة إزاء عدد من القضايا، من بينها احترام تنوع النماذج التنموية، ودعم التعددية القطبية في العالم، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، مشيراً إلى أن مبادرة الحزام والطريق ومبادرة التنمية العالمية اللتين طرحتهما الصين تتيحان لدول الجنوب العالمي خيارات أكثر في مجالات التمويل والتكنولوجيا والاستثمار.
من جانبه، قال أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر صلاح الدين فهمي إن التعاون المصري الصيني يمضي نحو مرحلة جديدة من التحول النوعي، الأمر الذي لا يسهم في تعزيز المكانة الدولية للبلدين فحسب، بل من شأنه أيضاً زيادة صوت وتمثيل دول الجنوب العالمي على الساحة الدولية.
وأضاف أن أهمية الشراكة بين مصر والصين ستبرز بشكل متزايد في مواجهة التحديات العالمية، ومنها تغير المناخ، وتقلبات أسعار الطاقة، وأمان الممرات الملاحية، ومخاطر سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية.■





