
ألفا كولومبي شغلوا مسيّرات المليشيا والمدفعية.. مرتزقة
كيانات ووسطاء ومجندين من الإمارات .. دعم لوجيستي
المجتمع الدولي أمام الاختبار.. تحويل الأدلة لعقوبات

الرواية الاولى – تقارير
تقرير _ محمد جمال قندول – الكرامة
مع صباح كل يوم، تتلقى مليشيا الدعم السريع صدمة جديدة، وإلى جانب هزائمها العسكرية وخيباتها السياسية، فإن القناع عن داعميها ينكشف أكثر وأكثر، وليس آخرها تقرير بعثة تقصي الحقائق، والتي أفصحت عن شبكات دعم خارجية تسهم في تأجيج الحرب بالسودان.
فضح أبوظبي
ووثقت البعثة الأممية في تقريرها نشر ما يصل إلى ألفي متعاقد عسكري كولومبي سابق، حيث شارك هؤلاء بشكل مباشر في تشغيل الطائرات المسيّرة القتالية والمدفعية والأسلحة المتطورة إلى جانب وحدات الدعم السريع في إقليمي دارفور وكردفان.
وكشفت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، عن تورط دولة الإمارات العربية المتحدة في تجنيد أفراد أجانب وتمويل شبكات الدعم الخارجي، الأمر الذي يسهم بشكل مباشر في تأجيج الصراع الدائر ويخلف عواقب كارثية ومدمرة على المدنيين الأبرياء في مختلف مناطق البلاد.
وخلص التقرير إلى وجود أسباب معقولة تدعو للاعتقاد بأن كيانات خاصة ووسطاء لوجستيين ومجندين يعملون انطلاقًا من بلدان، من بينها دولة الإمارات وكولومبيا، استخدمت نقاط عبور حيوية تشمل تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال، لتيسير إيصال الأفراد والتدريب والأسلحة والإمدادات اللوجستية إلى قوات الدعم السريع في السودان.
وفي تقرير صدر أمس، وثقت البعثة ضلوع كيانات عابرة للحدود الوطنية، تنشط في عدد من البلدان في تجنيد أفراد أجانب وتدريبهم ونشرهم لدعم قوات الدعم السريع، فضلًا عن تيسير نقل الأسلحة والذخائر والتكنولوجيا العسكرية وتقديم الدعم اللوجستي لها.
وقالت البعثة إن شبكات دعم خارجية تسهم في تأجيج الحرب في البلاد، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات “ليس فقط ضد من يخوضون هذه الحرب، بل أيضًا ضد الأفراد والكيانات والشبكات التي تمكن من استمرارها”.
وقال رئيس البعثة محمد شاندي عثمان: “إن المدنيين هم من يتحملون عواقب هذا الدعم الخارجي على أشدها. فهذا الدعم الخارجي لم يجلب مزيدًا من الحماية للمدنيين، بل إن المدنيين يدفعون الثمن من خلال الهجمات على المنازل والمستشفيات والمدارس والأسواق وأماكن اللجوء.”
وأشارت البعثة إلى “الالتزامات القانونية الدولية الصارمة” التي تقع على عاتق الدول المرتبطة بسلاسل الإمداد هذه، والتي تقضي ببذل العناية الواجبة، والتحقيق في شبكات المرتزقة والإمداد غير المشروعة التي تعمل انطلاقًا من أراضيها أو عبرها، ووقف نشاطها، ومنع وقوع الانتهاكات، وتنفيذ حظر توريد الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.
كولومبيون مرتزقة
وقالت البعثة إنها وثقت نشر ما يصل إلى ألفي متعاقد عسكري كولومبي سابق، شاركوا بشكل مباشر في تشغيل الطائرات المسيرة القتالية والمدفعية والأسلحة المتطورة إلى جانب وحدات قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان.
وخلص التقرير إلى وجود أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن كيانات خاصة ووسطاء لوجستيين ومجندين يعملون انطلاقًا من بلدان، من بينها كولومبيا والإمارات، استخدمت نقاط عبور في تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال لتيسير إيصال الأفراد والتدريب والأسلحة والإمدادات اللوجستية إلى قوات الدعم السريع في السودان.
وقالت منى رشماوي، عضوة بعثة تقصي الحقائق، إن الدعم الذي تلقته قوات الدعم السريع ساهم في عملياته في مخيم زمزم وخلال سيطرته على مدينة الفاشر، “حيث وثقت البعثة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وجرائم دولية، بما في ذلك سلوك يحمل سمات الإبادة الجماعية”.
من جانبها، شددت جوي نجوزي إيزيلو، العضوة في البعثة، على أن المساءلة “لا يمكن أن تقتصر على من ينفذون الهجمات”، بل يجب التحقيق في سلسلة المسؤولية بأكملها، “بما في ذلك من يأمرون بارتكاب الجرائم الدولية أو يمولونها أو يزودونها بالإمدادات أو ييسرون ارتكابها بأي شكل آخر”.
ودعت البعثة الدول إلى تنفيذ حظر توريد الأسلحة المفروض على دارفور، ووقف عمليات النقل العسكري عندما يوجد خطر كبير بالإسهام في انتهاكات جسيمة، والتحقيق مع الأفراد والكيانات الضالعين في شبكات الدعم غير المشروعة، وتعزيز تدابير المساءلة. كما حثت مجلس الأمن على توسيع نطاق حظر توريد الأسلحة ليشمل السودان بأكمله.
وأكد عثمان أن المجتمع الدولي قد تلقى تحذيرات متكررة بشأن الانتهاكات الجارية في السودان، “ويجب أن تترجم تلك التحذيرات الآن إلى أفعال”.
وقال: “إن حماية المدنيين في السودان تتطلب اتخاذ إجراءات ليس فقط ضد من يخوضون هذه الحرب، بل أيضًا ضد الأفراد والكيانات والشبكات التي تمكن من استمرارها”.
يذكر أن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان أنشئت عام 2023 لتحقيق في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني في سياق النزاع الذي اندلع في 15 أبريل من ذاك العام.
كشف الحقائق
ويرى رئيس تحرير المقرن محجوب أبو القاسم أن ما كشفته بعثة تقصي الحقائق الدولية يمثل تحولًا مهمًا في طريقة تناول المجتمع الدولي للحرب في السودان، الذي بدأ يلتفت لذلك مؤخرًا، إذ لم يعد التركيز منصبًا فقط على القوات المسلحة ومليشيا الإمارات الإرهابية، وإنما بدأ يمتد بصورة أكثر وضوحًا إلى شبكات التمويل والتسليح والتجنيد والإمداد العابرة للحدود التي تساعد على إطالة أمد الحرب.
والأكثر أهمية في التقرير، وفق محجوب، هو حديث البعثة عن تجنيد ونشر ما يصل لـ٢٠٠٠ متعاقد عسكري كولومبي سابق، وعن مسارات استخدمت عبر دول ومناطق عدة لنقل أفراد وتدريب وأسلحة وإمدادات إلى المليشيا، مع الإشارة إلى الإمارات وكولومبيا ضمن البلدان التي تنشط منها كيانات ووسطاء في هذه الشبكات، مشيرًا إلى أنه توجد بالفعل إفادات أممية سابقة تحدثت عن شبكات إمداد ودعم خارجي مرتبطة بالحرب في السودان.
ويقول أبو القاسم إن هناك مؤشرًا على انتقال الضغوط الدولية بشكل تدريجي من مجرد إدانة الحرب إلى محاولة استهداف منظومة استمرارها. فاللافت أن الخطاب الأممي أصبح أكثر صراحة في الدعوة إلى اتخاذ إجراءات ضد الممولين والمسلحين والموردين والوسطاء والشبكات اللوجستية، وليس فقط ضد القوات الموجودة في ميدان القتال.
ودعا رئيس بعثة تقصي الحقائق صراحة إلى ترجمة التحذيرات المتكررة إلى إجراءات، كما طالبت البعثة بتوسيع حظر الأسلحة ليشمل السودان بأكمله، والتحقيق مع المتورطين في شبكات الدعم غير المشروع.
وتحول هذا التطور إلى عقوبات محددة وملاحقات مالية وتشديد الرقابة على حركة السلاح والطيران والشحن ومساءلة الدول أو الجهات التي تسهل عمليات الإمداد، سيكون أكثر تأثيرًا من البيانات السياسية التقليدية. والأهم أن الأمم المتحدة نفسها أشارت في أغسطس 2026 إلى استمرار تحركات المبعوث الأممي والجهود الدولية للدفع نحو وقف القتال والمسار السياسي.
وختم محدثي، يمكن القول إن المعادلة الدولية تجاه الحرب بدأت تتغير من سؤال من يقاتل إلى سؤال أكثر حساسية: من يسلح، ومن يمول، ومن يجند، ومن يوفر الممرات التي تجعل الحرب مستمرة؟ وهنا تكمن أهمية التقرير الأخير، لأنه يضع الدعم الخارجي في قلب معادلة الحرب والسلام، فإذا أراد المجتمع الدولي إنهاء الحرب بشكل فعلي، فيجب تكثيف الضغط على القوات المتمردة.
وبالنسبة للسودان فإن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا للمجتمع الدولي: هل تتحول التقارير والأدلة إلى عقوبات وإجراءات ملزمة ضد شبكات إشعال الحرب، أم تظل الأزمة محكومة ببيانات الإدانة والتحذير؟.





