
ما من شهر في الذاكرة الحية كان أشد وطأ على العالم الغربي من يناير الماضي. فبينما كشف ما حدث في دافوس في الأسبوع الثالث من ذلك الشهر عن تهاوي النظام الدولي، فإن إعلان ملفات إبستين في الثلاثين منه قد فضح الإفلاس الأخلاقي لليبرالية – الأساس المذهبيللنظام الغربي المعاصر. ولم يكن السودان عن ذلك ببعيد. إذ تزامن هذا الارتجاج العنيف في الساحة الدولية مع الجولة الأوروبية لصمود بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك. والتي فيها سقطت ورقة التوت عن الليبرالية في السودان، تماما مثلما سقطت عنها على المستوى العالمي. ودعونا نبدأ بما يعنيه الكشف عن ملفات إبستين. فبالرغم من ان الفضائح المدوية – من شاكلة ووتر قيت وإيران كونترا – ليست بغريبة على الغرب، الا أن فضيحة إبستين تختلف نوعا كونها مثلت إعلانا عن موت الفكرة المحورية للنظام الغربي. فهي دابة الأرض التي أكلت المنسأة، ليخر النظام الغربي دفعة واحدة.
جيفري إبستين ملياردير أمريكي يهودي نجح في تكوين ثروة كبيرة يحيط الغموض بمصدرها. فبعد أن بدأ حياته كأستاذ رياضيات بسيط تحول في سنوات قليلة الى ملياردير أمتلك جزيرة كاملة قبالة نيويورك اتخذ فيها منزله الرئيس. وبنى منزلا آخر داخل نيويورك هو الأغلى في عاصمة العالم، أو عاصمة المال، أو التفاحة الكبيرة؛ اختر من ألقاب نيويورك المترفة ما تشاء. وامتلك من الطائرات الخاصة واليخوت الفارهة ما امتلك. كانت صنعة إبستين – التي كشفت عنها أكثر من ثلاثة ملايين صفحة، ومائة ألف صورة، وألفي فيديو – هي إقامة علاقات داخل النخب السياسية الغربية لتوريط أفرادها في ما يجعلها عرضة للابتزاز. ووسيلته لذلك شبكة منظمة لاستدراج واستغلال القاصرات، تديرها عشيقته غيسلين ماكسويل، فيؤتى بهن لداره الشهيرة ومقاره الأخرى التي ثبت أن بكل غرفها وانحائها كاميرات خفية تصور كل شيء. ثم هو – إن تطلب الأمر أو استدعى وضع الزبون – ينقل القاصرات لزبائنه داخل الولايات المتحدة وخارجها في طائراته ويخوته الخاصة. لكن لماذا القاصرات! هنا مربط الفرس. فهنا ما يجعل من فضيحة إبستين قصة السقوط الأخلاقي للنظرية الليبرالية بأكملها.
فالجريمة التي اختار إبستين توريط افراد النخبة الغربية فيها هي أم الجرائم في المنظور الليبرالي الذي تقوم عليه المنظومات العقابية في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية. فوفقا للفلسفة الليبرالية، فإن استغلال القاصرات ليس مجرّد “ممارسة جنسية غير مشروعة”؛ بل هو الجريمة التي تقوض القيمة الاخلاقية المركزية عندهم التي هي “حرمة الاستغلال”. ولهذا فإن هذه الجريمة من الحالات القليلة التي تجيز فيها النظرية الليبرالية تدخل الدولة بقوة. وهي الوحيدة التي تلحق بمن يتهم بها وصمة أخلاقية واجتماعية حتى قبل إدانته. وهكذا تعلم أنها جريمة اختيرت بعناية لإبتزاز وإخضاع السياسيين وكبار الاعلاميين. فمن يتهم بها فإنما يهوي من حالق، ولا يرجى له بعدها أن ينهض، فيكون طوع بنان من دبر المأزق. لكننا نحتاج لأن نرجع لبرهة للنظرية الليبرالية لنعلم سبب اكتساب هذه الجريمة هذه الخصوصية.
تقوم الاخلاق الليبرالية الحديثة على نظرية لإيمانويل كانط فحواها أن “الإنسان غاية في ذاته وليس وسيلة”. وبالتالي فان استغلال الإنسان لتحقيق رغبة أو منفعة للغير، يُشيّئ الانسان، objectify، أي يجعله شيئا. وحيث أن “الاختيار الحر” هو أساس الشرعية، فحين يكون الانسان “المُشيأ” قاصرا يتخلف هذا الركن. ومن ثم تنتهِك جريمة “استغلال القاصرات” أس الاخلاق الليبرالية. ولنتبين عِظم هذه الجريمة عندهم، نعقد مقارنة بينها وبين جريمتي القتل والاغتصاب على ضوء المعايير الثلاثة للأخلاق الليبرالية التي وضعها جون ستيوارت مِل؛ وهي الحرية، والكرامة، والاستقلال الذاتي. فبينما تنتهك كل واحدة من هذه الجرائم هذه المعايير جميعا، الا أن جريمة “استغلال القاصرات” تنتهك المعيار الثالث – الذي هو “الاستقلال الذاتي” – على نحو جذري. فبينما في جريمتي القتل والاغتصاب يُنتهك “الاستقلال الذاتي” للضحية عبر قهر الارادة أو إلغائها، فانه في حالة استغلال القاصر يُنتهك عبر تحطيم الارادة قبل أن تولد، أو قل عبر استبدالها على نحو زائف. ولذلك فانهم يعتبرون الانتهاك هنا بنيويا لا ظرفيا. ويكفينا هذا لندرك لماذا عظّمت الليبرالية من جريمة “استغلال القاصرات”.
ويكشف اتخاذ هذه الجريمة ذات الخصوصية فخا للإيقاع بالكبار الفجوة بين النظرية والممارسة في المجتمعات الغربية. فالساسة والمفكرون وكبار قادة الرأي لا يبالون بتقويض النظرية الليبرالية أو تدنيس مقدساتها إن غابت عين الرقيب، وأمنوا العقاب. فيقعون جميعا في المصيدة، واحدا تلو الآخر، كما ينجذب الفراش الى النار. وهكذا تحولت النظرية الليبرالية من مثال وقيم ومعايير الى أحبولة. بل إن أول من أكل صنم العجوة هم كهنة المعبد من الأحزاب اليسارية (العمالية) الغربية: الحزب الديمقراطي الأمريكي، وحزب العمال البريطاني، وحزب العمل الإسرائيلي. أي الأحزاب التي خرجت من عباءة الليبرالية الاجتماعية الحديثة التي ترى – وفقا لكانط وجون لوك – أن “الأولويةلكرامة الفرد”. فقد سقط هؤلاء في الشرك بأكثر من قادة الأحزاب المحافظة – كالحزب الجمهوري، وحزب المحافظين، وحزب الليكود. فرغم علمانيتها تستمد هذه الأحزاب قاعدتها الأخلاقية من الدين، وتمنحه حماية ثقافية، وتعتمد على تحالفات مع اليمين الديني، وترى – وفقا لإدموند بيرك – أن “الأولوية لاستقرار المجتمع”. فإيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي العمالي الأسبق – وليس نتنياهو – هو الذي تبادل آلاف الرسائل مع إبستين، وكان يعتبره مستشاره الأول بشأن شركات الهاي تيك والذكاء الاصطناعي وكيفية تحديث قدرات الموساد في تحليل البيانات. واستضاف إبستين الرئيس كلينتون مرارا على متن طائرته. وشاركه الرئيس ترامب (حين كان قطباً مالياً ديمقراطيا) حفلات وسهرات. وتبادل معه لاري سامرز وزير الخزانة في إدارة كلنتون نكات وتعليقات عن النساء، وعقد معه اجتماعات على العشاء. وفي بريطانيا ظهرت للورد بيتر ماندلسون الوزير العمالي السابق كشوفات بنكية وتحويلات مالية من إبستين. وسرب له ماندلسونمعلومات حكومية حساسة تتعلق بالأزمة المالية العالمية في ٢٠٠٨. وكذلك جاء معظم المتعاملين مع إبستين في أوساط المفكرين وكبار الاعلاميين من ذوي الميول الليبرالية. ومن هؤلاء نعوم تشومسكي اللغوي والكاتب المعروف، ومايكل وولف (سي ان ان)، ولاندون توماس (نيويورك تايمز)، وغابريل بوغراند (الصنداي تايمز)، وهنري داير (الغارديان). وهكذا ثبت أن الأخلاق الليبرالية إنما تقوم على زيف وعلى أكذوبة، وأن سدنتها هم آخر من يؤمن بها ويقدس لها.
في عام ٢٠٠٦ وُجه لإبستين اتهام بأنه مارس الجنس مع فتاة تبلغ من العمر ١٤ عاما. ووفقا لصفقة قضائية أبرمها محاموه مع النيابة العمومية أقر إبستين أنه مذنب في تلك التهمة، مقابل اسقاط الاتهام عنه في جرائم أخرى تشمل ٣٦ قاصرا. ومن ثم حكم عليه بالسجن ١٣ شهراً، فلحقت به الوصمة الأبدية. واعتبرت تلك الصفقة القضائية دليلا آخر على التفسخ الأخلاقي للنظرية الليبرالية، وعلى دور المال في تطفيف موازين العدالة في الغرب. بعد انقضاء محكوميته – التي كان يسمح له اثناءها بالعمل من مكتبه لستة ايام في الأسبوع – خرج إبستين من السجن عام ٢٠١٢ وباشر من جديد نشاطه الإجرامي في استدراج القاصرات واستهداف النخب. وبعد خروجه من السجن قال لصحيفة نيويورك بوست، وبقوة عين ليبرالية يحسد عليها: “انا لست وحشاً مفترساً يبحث عن طرائد لإشباع رغبته الجنسية، أنا مجرد مذنب. والفرق بين الأمرين مثل الفرق بين جريمة قتل، وسرقة كعكة”! مهما يكن فان ذلك التبرير لم يقنع الكل. فبسبب الوصمة الشديدة التي ترتبط بتلك الجريمة، تخلى عن إبستين معظم المشاهير من معارفه. ومن أولئك الرئيس السابق بيل كلينتون والرئيس الحالي – السابق حينها – دونالد ترامب، الذي كان قد قفز قبلا من القارب الديمقراطي فصار يقول إن تلك الفضيحة شأن ديمقراطي خالص. غير ان البعض اقتنعوا ان ما قام به إبستين ليس أكثر من سرقة كعكة. فحافظوا على صداقته ليستمر إبستين ناشطا في عالم الأثرياء والمشاهير حتى عام ٢٠١٩ عندما واجه اتهامات جديدة قادته للسجن؛ حيث وجد ميتا في زنزانته وتراوحت الروايات بين ما إذا كان قد قتل أو انتحر. ومن اللذين احتفظوا بعلاقتهم بإبستين خلال فترة الوصمةالامير البريطاني (السابق) اندرو الذي جرد مؤخرا بسبب ذلك من لقبه وطرد من مقر اقامته بقصر باكنغهام. ومن هؤلاء الوزير العمالي الأسبق اللورد بيتر ميندلسون، سفير صاحبة الجلالة البريطانية في واشنطن حتى العام المنصرم. وحين انكشفت علاقته بإبستين فصل ميندلسون من منصب السفير، واضطر للاستقالة من حزب العمال، وابعد من المجلس الملكي الخاص Privy Council، ثم أعلن الأسبوع الماضي عن تقاعده من مجلس اللوردات. وقد يفقد قريبا لقب لورد. وحاليا يواجه رئيس الوزراء العمالي البريطاني السير كير استارمرحملة قوية بسبب تساهله في تعيين ميندلسون سفيرا رغم علمه بعلاقته بإبستين. وقد استقال كبير موظفي ١٠ دوانق استريت – متحملا مسئولية تقديم النصح بتعيين ميندلسون – في محاولة لتخفيف الضغط على استارمر. ولا يزال الحبل على الجرار، وقد يسقط استارمر ليكون أكبر ضحايا فضيحة إبستين. وبينما يتكشف كل يوم جديد عن الانهيار الاخلاقي لليبرالية على المستوى العالمي، لم تكن الليبرالية السودانية من ذلك ببعيد.
ففي شهر يناير ذاته قاد عبد الله حمدوك – وفيما يبدو أنها آخر محاولة لدولة الامارات لإعادة القوى الليبرالية السودانية للمشهد الدولي – وفدا من “صمود” في جولة أوروبية شملت كل من فرنسا وبلجيكاوهولندا وألمانيا وبريطانيا. أهمية تلك الجولة لا تكمن في نتائجها المباشرة، بل في أهدافها. وأهدافها غير المعلنة أهم من أهدافها المعلنة. فاذا كان الهدف المعلن للجولة هو الدفع نحو تسوية سياسية لوقف الحرب وحشد دعم دولي للقوى الليبرالية السودانية، فهدفها غير المعلن هو منازعة الحكومة السودانية شرعية التحدث باسم السودان في الخارج. وهنا تكمن السقطة الأخلاقية لليبراليين السودانيين. فبالنسبة لصمود ألغت الحرب الجارية الحكومة السودانية. بل هي ألغت الدولة ذاتها ونزعت الشرعية عن مؤسساتها. فالجيش، مثله في ذلك مثل الدعم السريع، لم تعد له أي مشروعية عندهم. أنظر الى زيارة صمود في ٢٦ يناير للمكتب التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بلاهاي. فقد دعا وفد صمود، المكون من خالد عمر (سلك) وبكري الجاك ونجلاء كرار، المنظمة إلى تشكيل لجنة للتحقيق والمتابعة بشأن استخدام القوات المسلحة السودانية للأسلحة الكيميائية. هذه الدعوة المريبة لا تهدف لدمغ الجيش السوداني بهذه التهمة فحسب، وانما ترمي لإفقاده الشرعية. تابِع بعض الفيديوهات التي راجت أخيرا لعضوي الوفد خالد عمر وبكري الجاك لتعرف كيف يفكران وبالتالي ما يرجح أنهم قالاه وراء الكواليس في ذلك الاجتماع. فقد جاء في فيديو لبكري الجاك: “انا لست بنبي عشان أقدر أقول انو حل مشكلة الجيش دي انها بتجي بكرة بكدة. لو قلتو لي أتكلم عن توقعات، في تقديري الحلول، حلول استراتيجية ممرحلة تبدأ بإعلان ضغط دولي وخارجي ومحلي وإعلان بعض المنظومات دي إرهابية، أنها فاسدة، بمضايقات. وحصلت التجارب دي في دول تانية عبر تدخل بتاع أمم متحدة، لو دايرين نمشي في اتجاه زي دا. وفي اتجاه تاني يا اخوانا – ودا الحاجة الما بنقدر نقول بشكل – السودانيين يشيلوا سلاح يمشويحاربو المؤسسات دي يكسروها ويبنو من جديد”!!! هذا هو ما قاله الناطق الرسمي باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود). وهذا هو آخر درك تدنت له الليبرالية في السودان! وربما يكون الغرب الليبرالي نفسه قد فوجئ بمثل هذا الطرح. فالغرب الذي يقلقه أن يستمر الصراع العسكري الحالي بلا أفق للحسم – ومن ثم يسعى لأن يؤهل طرفا مدنيا يمكنه التفاوض معه – يواجه بأن ذلك الطرف يدعوه لأن يبحث معه إمكانية اشعال حرب جديدة. حرب الكل ضد الكل.
ويكشف فيديو لخالد عمر السبب الحقيقي للدعوة لمحاربة الجيش وتكسير المؤسسات، ألا وهو بعبع “الكيزان”! فقد قال لمن التقاهم في هذه الجولة من مؤيدي صمود بقاعة في عاصمة أوروبية: “الناس القاعدين هنا دا (أي في القاعة) عشرين ضعفهم (أي عشرين ضعف الكيزان). لأنو فعليا الناس ديل أقلية. والدلالة على انهم أقلية هم ما حصل أنهم وصلوا بانتخابات. هم ما عندهم طريقة أنهم يحكموا السودان الا عن طريق الانقلابات او عن طريق الحروب والفوضى الحالية دي يعني. إذا كان هم عندهم وجود اجتماعي حقيقي ما بتضطر تهدم بلد كاملة عشان ترجع تاني للسلطة … هم الأقلية، ونحن الأغلبية حقيقة”!!! فمشكلة القوى الليبرالية في السودان هي حجمها المجهري. فهي تحتاج لمتوالية هندسية ان أرادت أن ترفع عضويتها لما يساوي عدد الكيزان. فشلت في ذلك إبان الإنقاذ، وكان المبرر هو سطوة الإنقاذ. وهي تفشل الآن في تدارك ذلك على مدى سبع سنوات من سقوط الإنقاذ.
مهما يكن فإن الأخلاق، السودانية منها والليبرالية، ليست من نقاط القوة لدى الليبراليين السودانيين. فقد قال بكري الجاك هذا يوما – في فيديو متداول – إن القواسم المشتركة بينهم وبين السودانيين هي “التمباك والعرقي”! هذا عن “الأخلاق السودانية”. أما “الأخلاق الليبرالية”، فحين اقتضت منهم أن يرفضوا “استغلال القاصرات” من قِبل الدعم السريع في الخرطوم وأم درمان والجزيرة وغيرها، لم ينبسوا ببنت شفة. فكل ما يعني الليبراليين في السودان هو أن يصطنع لهم الغرب حكومة منفى تستمد شرعيتها من اعتراف الغرب بها، ومن إعلان القوات المسلحة والإسلاميين منظمات إرهابية. أرأيتم كيف أن السقوط الأخلاقي لليبرالية في السودان كان عموديا، وبأشد من السقوط الأخلاقي لإبستين والليبرالية العالمية!
٩ فبراير ٢٠٢٦





