الرواية الأولى

نروي لتعرف

من اعماقي / د. امجد عمر

اسمع كلام الببكيك… ما تسمع كلام البضحكك

د. امجد عمر



الناس ليسوا سواء ؛ لكل إنسان طباعه وتجربته وطريقته في فهم الأشياء واستقبالها . لذلك لا توجد طريقة واحدة تصلح للتعامل مع الجميع ، كما لا تصلح النصيحة نفسها لكل موقف. فقد يحتاج إنسان في موقف إلى كلمة تطمئنه ، ويحتاج في موقف آخر إلى كلمة تنبهه ، بينما يحتاج في موقف ثالث إلى صراحة تضع الأمور في نصابها.
النصيحة الحقيقية لا تقوم فقط على أن تقول ما تراه صحيحاً ، وإنما على أن تعرف كيف تقوله ، ومتى تقوله ، ولمن تقوله. فالحقيقة واحدة ، لكن طرق تقديمها متعددة ، وقد يرفض الإنسان المعنى لا لأنه خاطئ ، وإنما لأن القالب الذي قُدّمت به جعلته يشعر بأنه مُدان أو مُهاجَم.
لذلك فإن تقديم النصيحة يحتاج إلى فهم الإنسان قبل فهم المشكلة ؛ أن تستمع جيداً ، وتفهم مشاعره ، ثم تضع أمامه ما تراه بصدق وواقعية ، في قالب يستطيع أن يتقبله دون أن تفقد النصيحة جوهرها . فالصراحة التي تفتقد الحكمة قد تتحول إلى جرح ، والمجاملة التي تفتقد الصدق قد تتحول إلى ضرر ، وبينهما يقف النصح الصادق: لا يقول للآخر ما يحب أن يسمعه، ولا يقسو عليه بما لا يحتمل، وإنما يقوده إلى ما ينفعه .
كثير من الناس عندما يحكون لك قصة أو يعرضون عليك مشكلة ، لا يكونون بالضرورة يبحثون عن حل، بقدر ما يبحثون عن شخص يؤكد لهم أن ما فعلوه كان صحيحاً، وأن الطرف الآخر هو المخطئ.
وحين تستمع إليهم ثم تقدم لهم نصيحة صادقة، قد يتغير مزاجهم فجأة، وربما يغضبون منك، رغم أنهم هم من طلبوا رأيك. فالإنسان عندما يكون داخل ألمه لا يرى الأشياء دائماً كما هي، وإنما يراها من خلال مشاعره، وقد يصبح ما يريحه في تلك اللحظة أهم عنده مما قد ينفعه في المستقبل.
أحياناً يريد أن يُفهَم قبل أن يُنصَح. يريد أن يشعر بأنك أدركت وجعه، وأنك لم تتعامل مع قصته باعتبارها مجرد مشكلة تحتاج إلى حل. لذلك قد تكون أول حاجة يحتاجها كلمة احتواء، لا حكماً ولا تصحيحاً.
وأحياناً يكون قد اتخذ قراره بالفعل، لكنه يحكي قصته بحثاً عن التأييد. فإذا قلت له: «أنت أخطأت هنا»، شعر أنك تقف في الجهة الأخرى، حتى لو كنت تقول ذلك خوفاً عليه وحرصاً على مستقبله.
ثم إن بعض الحلول مؤلمة؛ لأنها تطلب من الإنسان أن يراجع نفسه، أو يعترف بخطئه، أو يضع حداً لعلاقة تؤذيه، أو يغير سلوكاً اعتاد عليه. فمواجهة النفس في كثير من الأحيان أصعب من مواجهة الآخرين؛ فالإنسان قد يتحمل لوم الآخرين، لكنه لا يكون دائماً مستعداً لسماع ما يضعه أمام مرآة نفسه.
هناك أيضاً من لا يريد النصيحة بقدر ما يريد تبرئة نفسه. فهو يبحث عمن يقول له ما يطمئنه، لا عمن يلفت نظره إلى ما يحتاج إلى إصلاح. ولذلك قد يفرح بمن يوافقه، ويغضب ممن يصارحه، مع أن الثاني قد يكون أكثر حرصاً عليه.
لهذا جاء المثل السوداني بذكائه وبساطته:
«أسمع كلام الببكيك، ما تسمع كلام البضحكك.»
فليس المقصود أن نبحث عمن يحزننا، وإنما أن نعرف قيمة من يقول لنا الحقيقة التي قد تؤلمنا اليوم، لكنها تحمينا من ألم أكبر غداً. فالكلمة التي تزعجك لحظتها قد تكون أحياناً أكثر نفعاً من كلمة تتركك سعيداً وتعيدك إلى الخطأ نفسه.
تخيل شخصاً جاء إلى صديقه يشكو أن شريكه في العمل يستغل جهده، وأنه في كل مرة يتنازل عن حقوقه حتى لا يخسر العلاقة. كان ينتظر أن يسمع: «أنت مظلوم، وهو لا يستحقك.»
لكن صديقه قال له: «أنت فعلاً تتعرض للاستغلال، لكن جزءاً من المشكلة أنك تسمح بتكراره. في كل مرة تتنازل فيها عن حقك خوفاً من الخلاف، أنت تساعد المشكلة على الاستمرار. إذا أردت أن يتغير الوضع، فلا يكفي أن تغضب من تصرفه؛ عليك أن تغير طريقتك في التعامل معه.»
غضب الرجل؛ لأنه لم يسمع الكلام الذي كان ينتظره. لكنه بعد أن تكرر الموقف، أدرك أن صديقه لم يكن ضده، بل كان يرى ما لم يكن يريد هو أن يراه.
وهنا يظهر الفرق بين من يريحك ومن ينفعك.
من يجاملك قد يجعلك تخرج من الحديث وأنت سعيد، لكنك قد تعود إلى المشكلة نفسها. أما من يحبك بصدق فقد يترك في نفسك شيئاً من الضيق، لكنه يترك أيضاً نافذة ترى منها ما لم تكن تراه.
لذلك ليست الحكمة أن تكون قاسياً باسم الصراحة، ولا أن تكون مجاملاً باسم المواساة. الحكمة أن تعرف متى تسمع، ومتى تحتوي، ومتى تصارح، وأن تعرف كيف تقول الحقيقة بحيث تصل، لا كيف تقولها فقط.
يمكن أن تبدأ بقول: «أنا فاهم إحساسك ومقدر ما مررت به.» ثم تقول: «لكن بما أنك طلبت رأيي، سأقول لك ما أراه بصدق، لا ما قد يريحك في هذه اللحظة.»
فالنصيحة الحقيقية ليست أن تقول للإنسان ما يحب سماعه، وإنما أن تساعده على رؤية ما قد لا يستطيع رؤيته وهو داخل المشكلة؛ أن تعطيه الحقيقة بصورة يستطيع استقبالها، أن تضع أمامه طريقاً للخروج، لا أن تزيد عليه ثقل ما يشعر به.
قد تنتهي المواساة بانتهاء الحديث، لكن النصيحة الصادقة قد تبقى طويلاً في الذاكرة؛ لأنها لا تعالج وجع اللحظة فقط، بل تحاول أن تمنع تكرار الوجع.
ليس كل من أوجعك بكلامه قاسياً، وليس كل من أضحكك ناصحاً. أحياناً يكون من يحبك حقاً هو من يضع أمامك المرآة، لا من يضع أمامك الصورة التي تحب أن تراها.

اترك رد

error: Content is protected !!