
ولد الفنان الراحل عثمان مصطفي بمنطقة الرميلة الوادعة والتي ترقد في الضفة الشرقية للنيل الأبيض في ١١ نوفمبر ١٩٤٦ ، ويحد الرميلة من الناحية الجنوبية اللاماب ناصر وشمالا المنطقة الصناعية الجديدة وشرقا منطقة القوز ، وهي احدي مدن محلية الخرطوم،والرميلة لكل شارع فيها حكاية ولكل زاوية فيها ذكريات لا تنسي وحنين لا ينمحي،والده مصطفي سليمان ووالدته حبوبتنا رحمة عباس العوض، وزوجته السيدة الفاضلة مني بابكر عبدالحفيظ من أهالي خور أبوعنجة بأمدرمان، وله من الأبناء محمد وميسون ومازن ونادين ، شقيقته خديجة وشقيقه الحاج .
كمعظم أبناء جيله في الحي ألتحق منذ صغره بخلوة الفكي موسي وبمسجد الشيخ دفع الله الغرقان ،أهل الطريقة القادرية بالرميلة ،ثم انتقل بعد ذلك الي مدرسة عبدالمنعم الابتدائية بالحلة الجديدة ثم الي مدرسة الخرطوم القديمة الثانوية ، والتحق من بعد بمعهد الموسيقي والمسرح في العام ١٩٦٩ ، ثم سافر الي إيطاليا ملتحقا بمعهد “ليشينو ريفيشي” للغناء والموسيقي وتخصص في علم الأصوات ، ثم كانت محطته الأكاديمية الأخيرة بقاهرة المعز لإكمال الدراسات العليا بمعهد الموسيقي العالي الكونسرفتوار حيث حصل علي درجتي الماجستير والدكتوراه .و عمل استاذاً مشاركا بمعهد الموسيقي والمسرح وبجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا ومنح درجة الاستاذية ( البروفيسور) ،ويكاد يكون في ظني هو الفنان الوحيد الذي يحمل هذا التوسيم العلمي الرفيع في الوسط الفني الغنائي، ثم ابتعث لمدة عامين بمعهد يوسف الكونين بالصومال حيث أحبه الشعب الصومالي حتي اطلقوا عليه لقب عثمان الصومالي، وجاءت بعثته للصومال في إطار التبادل الثقافي والدبلوماسية الشعبية التي تجمع بين البلدين الشقيقين.
(٢)
يتمتع الفنان الراحل عثمان مصطفي بحنجرة ذهبية وصوت أوبرالي كورالي متفرد ولا يكاد يوجد له شبيه أو مقلد في الساحة الفنية، وقد وصفه الموسيقار المصري الفخيم بليغ حمدي بقوله” صوت عميق كالبحر وواسع كالصحراء” فهو نسيج وحده ..كتب له عمالقة الشعر الغنائي السوداني وشاركه كبار الملحنين ، وأول من علمه عزف العود في الرميلة هو ابن خالته مصطفي الطيب حاج حامد ، جمعته الدروب مع إسماعيل حسن والسر دوليب والسر قدور وهاشم ميرغني وابراهيم الرشيد وصلاح دوليب وعزمي احمد خليل والجيلي محمد صالح وود الشاعر وود الحاوي وإسحق الحلنقي ومحمد جعفر عثمان وموسي محمد إبراهيم
(٣)
بزغ نجمه في مطلع الستينات ، وقدم للساحة الفنية أجمل الأغاني وكانت باكورة إنتاجه والله مشتاقين، وكانت هذه الأغنية لقاء السحاب مع العمالقة إسماعيل حسن ومحمد وردي والذي أهدي الأغنية لعثمان مصطفي بعد أعجابه بأدائه لها وكان هذا شرطه لإسماعيل حسن فكانت اولي تسجيلاته للإذاعة السودانية في العام ١٩٦٥
والله مشتاقين،،
الخدود الشاربة
من لون الشفق عند المغارب..
ديل خدودك سيدي ..سيد الناس
يا سيد الحبايب
العيون طرتني زول من أهلو غايب..
والشعر في كتيفو يتهدل سبايب
والله مشتاقين،،
ويمضي إسماعين حسن محلقا في عوالم بعيدة من التطريب والغزل العفيف الذي يلامس الروح ويعمر القلب بلاشتياق ثم يضفي الشاعر الشفيف لوحة رومانسية هادئة بين الماء والسماء وأنعكاسات شفق الغروب علي صفحة النيل الخالد في مشهد ساحر
والغروب يسألني منك
أمسياتنا في شوقي ليك
الطيور الراحلة في ضل المساء ..تسأل عليك
كيف تفارق الضفة والنيل هان عليك
والله مشتاقين
طال علينا فراقكم والله يا غايبين
قدر ما ننسي العلينا برضو مشتاقين
يا للروعة وجمال المنظر ودقة الحروف رحمة الله تغشاك الشفيف إسماعيل حسن
(٤)
وتغني لأسحق الحلنقي رئيس جمهورية الحب، كما يحب محبيه تسميته، فكانت “راح الميعاد”
راح الميعاد وزماني راح
والجرح لا نام لا استراح
لكني متكتم عليه
كم من جراح أحيت جراح
يا قلبي ما تسهر معاي
ما أظن يفيدنا الانتظار
عزّيتني في روضة هناي
ويتحسر الحلنقي علي الايام الخوالي
يا حليل ليالينا المضت
من غير أماني تنورها
يا غالي يا أمل الحياة
ومعني الصفات النيرة
طول البعاد ما أظن يفيد
آمالي فيك ما بغيره
راح الميعاد وزماني راح
الجرح لا نام لا استراح
لكني متكتم عليه من كم جرح أحيت جراح
(٥)
وتغني للجيلي محمد صالح ، والجيلي شاعر معتق كامل الدسم أنتج اللقاء بين عثمان والجيلي أغنية لا تمل من كثرة الترداد وتحن اليها النفس بين الفينة والاخري فكانت ماضي الذكريات ، والتي لحنها المبدع موسي محمد أبراهيم والذي جمعته مع عثمان مصطفي خمسة أعمال فنية وموسي من المواهب التي لم تجد حظها من الإعلام
وأعتبرت الماضي فات
لما أنت خلاص جفيتني
ليه بتحكي الذكريات
لم تحكي ذكرياتنا كنت تحكيها بأمانة
كيف بدت كيف أنتهت
وإتبددت قبال أوانا
وكيف أمانينا الجميلة حلت الآهات مكانها
ويمضي الجيلي في نفث زفراته الحري ويعيش في عذابات الوجد ويكتب في أدب العتاب
رميتني في نيران صدودك
تاني ما بصدق عهودك
أنا بحاول أنسي ريدك
وأنسي ماضي الذكريات
كنت دايما بعذرك
باقي ليل حرمان شبابي
كنت راضي تدللك
برايا بتحمل صعابي
ألا ما برضي التجاهل
لي شعوري لي عذابي
تعال وبادلني الوداد
ولا قاسمني السهاد
انت لو راضي البعاد
ليه بتحكي الذكريات
(٦)
ثم كانت اللقياء بالأستاذ الشاعر إبراهيم الرشيد ومن الحان ود الحاوي في “ما بعاتبك ما بلومك “
ما بعاتبك وما بلومك لو تخاصم بالسنين..
أنا عارف قلبك أبيض
وأنت أكثر من حنين
ما بعاتبك لو تجافي
أو تقول الحب ده مافي
من زمان عارفك حبيبي
مهما تهجر برضو وافي
يا حبيبي الحب حلاته
ديمه تظهر في شقاهو
والحبيب الشوفتو نادرة
سر عظمتو في علاه
بكره يا قاصد عنادي
الحنين والشوق ينادي
والبضوق الحب ده مره
عمرو ما بقدر يعادي
(٧)
وجمعته مع ابراهيم الرشيد أيضا أحدي الروائع الغنائية “عدي فات”
أفتكرت الشوق يجيبوا
مالو عد الشوق وفات
لا حنان لا كلمة حلوه
لا أمل أحيا الصلات
هو ليه دايرنا نبكي
ونقضي كل الليل دموع
ونحن لما نقابله نحن
نقابله بلهفة وخشوع
ونبقي سهرانين تملي
بتحرق زي الشموع
في مشاعر شوقه لاهب
بحنين يهري الضلوع
(٨)
وتغني عثمان مصطفي بكلمات الرائع الجميل محمد جعفر عثمان في “آسرني يا مياس” والتي لحنها المبدع عمر الشاعر
آسرني يا مياس
أحساس جميل زيك
ما لقيت في دنيا الناس ساكت شبه زيك
وتمضي الأغنية نحو المصير المخيف،،
يا شوق سنيني الطال
وشايلك بشارة فال
خايف السنين ترحل
ما أصلو العمر رحال
آسرني يا مياس
إحساس جميل زيك
ما لقيت في دنيا الناس ساكت شبه زيك
(٩)
وتغني البروف عثمان مصطفي للشاعر المبدع والناقد الحاذق سادن الحقيبة وحافظ حمي الأغنية السودانية ومقدم البرامج الشهير السر احمد قدور رحمة الله عليه ، وهي أغنية لم تجد حظها من الانتشار
سألت عليك مكان
جمعنا معاك زمان
وجات في عيوني صورتك
حفاها الحنان
حليلك يا حبيبي
وحليل ما ضينا كان
(١٠)
رفد الفنان الراحل عثمان مصطفي مكتبة الإذاعة السودانية بخمسين أغنية مسجلة وشارك في اعظم الملاحم الوطنية مع العملاق محمد الامين في ملحمة الثورة أكتوبر ٢١ يا صحو الشعب الجبار حيث هز عباب صوته خشبة المسرح مع الفنانة الخالدة أم بلينا السنوسي وخليل إسماعيل ، وكانت للراحل مساهمات واهتمامات بمدح المصطفي صلي الله عليه وسلم حيث تعلم فن المديح بمسجد الشيخ دفع الله الغرقان بالرميلة وأحيا ليالي المولد ونوبة الخميس وقد أشار الراحل عثمان مصطفي في أحدي لقاءاته التلفزيونية بانه تعلم المديح في كنف أعمامنا شيخ حسان احمد مضوي وعمر حسين .
وقد نال الفنان الراحل العديد من الأوسمة والأنواط تقديرا لاسهاماته الفنية كما نال شرف عضوية لجنة الموسيقي التابعة لليونسكو وأمين لجنة الصداقة السودانية الاثيوبية بمجلس الصداقة الشعبية العالمية وعضوية المجمع العربي للموسيقي وعضو بمجلس أمناء جامعة الزعيم الأزهري .
وافت المنية الأستاذ الموسيقار الفنان عثمان مصطفي في يوم ٦ نوفمبر ٢٠٢٠ ، وقبر بمسقط رأسه ، ألا رحم الله الخال عثمان رحمة واسعة بعد مسيرة حافلة بالعطاء الوطني وقد ترك أثرا باقيا وبصمة في الساحة الفنية مع عمالقة الفن السوداني الأصيل.





