أي الوظائف أكثر عرضة للتأثر؟

(٥/٢)
بعد أن تناولنا في الحلقة السابقة، عدم إختفاء الوظائف، وأن ما يحدث هو تغير في طبيعة العمل، ننتقل إلى أي الوظائف تتأثر أسرع من غيرها، ولماذا؟
عند النظر إلى طبيعة المهام داخل كل وظيفة،تصبح الصورة أوضح، ليس المسمى هو ما يحدد درجة التأثر، بل نوع العمل الذي يتم أداؤه، فكلما كان العمل قائما على التكرار، محدد الخطوات، وقابلا للوصف، زادت احتمالية تأثره.
في هذا السياق، تظهر مجموعة من الوظائف التي تعتمد على أعمال روتينية. مثل إدخال البيانات، وتسجيل المعلومات، مطابقتها، وإعادة ترتيبها مهام يمكن للأنظمة تنفيذها بدقة وسرعة. الأمر نفسه ينطبق على بعض الأعمال المحاسبية التقليدية التي تقوم على تسجيل القيود ومراجعتها.
خدمة العملاء في مستوياتها الأولى تقدم صورة أخرى. للأسئلة المتكررة، والاستفسارات، يمكن التعامل معها عبر أنظمة ذكية تعمل على مدار الساعة. هذا لا يلغي الدور البشري، لكنه ينقل التركيز إلى الحالات الأكثر تعقيدا التي تحتاج إلى فهم وتقدير.
في مجالات أخرى، يظهر التأثير بشكل تدريجي. الترجمة العامة للنصوص أصبحت أكثر سرعة ودقة عبر الأنظمة الرقمية، وهو ما يقلل الحاجة إلى الجهد البشري في هذا الجانب، مع بقاء الحاجة إلى الترجمة المتخصصة التي تتطلب فهما عميقا للسياق.
حتى في الأعمال التي تبدو بعيدة عن التقنية، مثل النقل، بدأت ملامح التغير في الظهور، أنظمة القيادة الذكية تتطور، وانتقل دور السائق من القيادة إلى الإشراف وإدارة الأنظمة.
العامل المشترك بين هذه الأمثلة طبيعة المهام داخل كل وظيفة. المهام التي تعتمد على قواعد وخطوات متكررة هي الأكثر عرضة للتأثر. في المقابل، تبقى المساحات التي تتطلب حكما بشريا، أو تفاعلا إنسانيا، أو قدرة على التكيف، أقل عرضة للتغيير السريع. ما يحدث غالبا هو انكماش تدريجي في بعض الأدوار، يقابله توسع في أدوار أخرى في نفس المجال. الوظيفة تعيد تشكيل نفسها، وتتحرك نحو ما تضيف فيه قيمة أكبر.
في هذا المشهد، يصبح السؤال العملي لكل فرد: ما طبيعة المهام التي أقوم بها؟ أي منها يمكن أن تنفذه آلة؟ وأيها يعتمد على فهمي وخبرتي وتقديري؟ الإجابة على هذا السؤال تمثل بداية التكيف مع المرحلة القادمة.
في الحلقة القادمة، ننتقل إلى الوجه الآخر لهذا التحول، ونتناول الوظائف التي بدأت في الظهور، والمساحات الجديدة التي يفتحها الذكاء الاصطناعي في سوق العمل.
٥ مايو ٢٠٢٦م



