الرواية الأولى

نروي لتعرف

أيامنا الجاية / محمد الشيخ حسين

من المسافة صفر .. القتل اسهل من القاء التحية

محمد الشيخ حسين


وقفت الدكتورة سلوى حسن صديق عند المسافة صفر ولم تشغل ذهنها كثيرا بالتعريفات المتعلقة بمصطلح المسافة صفر في المجالين العسكري والهندسي وغيرهما.
وقفت في المسافة صفر من مشاهد انسانية وقدمت كتابا جديدًا بعنوان (من المسافة صفر – مشاهد حية من اهوال حرب السودان 2023).

(1)

اصل الحكاية أن الدكتورة سلوي حسن الاستاذة الجامعية والصحافية والكاتبة والموثقة جمعت كل خبراتها وتجاربها وقدمت عدة قصص واقعية عكست جوانبا مظلمة من حرب السودان. وهذه القصص نفسها تصلح لكي تنتج في افلام سينمايية تشرح كيف يتفوق الواقع على الخيال.
(2)
ليس غريبا على الدكتورة سلوى حسن صديق المولودة في حوش بانقا هذا الضرب من التاليف فهي تنحدر من منطقة مشهود لقاطنيها الاهتمام بالتدوين والتوثيق منذ زمن بعيد.
ولعل اشهر موثق للاحداث ونسابة للارحام عرفه اهل السودان هو الزين ود مساعد. وبلغ صيته في معرفة انساب الجعليين والشايقية والبديرية في المنطقة من حجر العسل جنوبا حتى تخوم الدامر شمالا وهي منطقة يبلغ طولها نحو 200 كلم.
والمؤرخ الزين ود مساعد نفسه حفيد الشريف البيتي الابن الوحيد للشريف حمد ابو دنانة صاحب القصة المنشورة في طبقات ود ضيف الله.
والمؤرخ الزين ود مساعد هو جد الرئيس الاسبق للسودان المشير عمر حسن أحمد البشير من جهة والدته الراحلة هدية محمد الزين.
وعن المؤرخ الزين ود مساعد نقل الفحل الفكي الطاهر في كتابه العمدة (اصول القبايل العربية في السودان). حين التقاه في حوش بانقا في العام 1918. ونقل عنه أيضا عثمان حمدنالله في كتاب المعنون (سهم الارحام في السودان).
(3)
الاستطراد السابق مبعثه ان الجهد الذي بذلته الدكتورة سلوى حسن صديق في جمع وتوثيق 31 قصة من انتهاكات صارخة وقعت أثناء الحرب الخبيثة نشرتها في
مقالات تحت عنوان (من المسافة صفر). ثم جمعتها في كتاب من 62 صفحة من القطع المتوسط. وحملت هذه القصص عناوين جاذبة وجاءت هذه القصص في ثلاث احجام قصة في صفحة واحدة واخرى في صفحة ونصف وثالثة في صفحتين. وهنا تبدو ان المؤلفة مثل من يقسم في تركة على الشيوع حسب النصيب السردي لكل قصة.
(4)
هناك قيمة مضافة للكتاب تتمثل في استخدام (من) في عنوان الكتاب ومن هنا تأتي ل (التبيين) وليس ل (التبعيض). والشاهد (ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير).
ويبدو هذا التبيين واضحا في واقعية السرد ورشاقة الأسلوب دون زيادة او نقصان.
ويكتشف القاريء تأثير تجربة الحياة تحت اصوات الرصاص في قصص (يوم الزينة) و(بلاغ ضد مجهول) و(عود على بدء).
(5)
اجمالا تحمل قصص الكتاب:

  • تجربة الحياة تحت القصف والتدوين.
  • تصور مشاعر الخوف، والتهجير، والمعاناة في ظل القتل المجاني.
  • تصوير مشاهد حقيقية من حياة المواطن اليومية خلال الحرب والنهب والسلب والاغتصاب.
  • تسليط الضوء على (الحرائر) والشهداء، والجرائم ضد الإنسانية وتجارب التهجير القسري.
    (6)
    تاتي هذه القصص في إطار يحكي كيف ان الحياة في الخرطوم تحولت إلى جنون، حيث يصارع السكان مجهولا لا يمكن التعايش معه ولا يعرفون كيف يتعايشون مع خطر ان يكون القتل أسهل من إلقاء التحية.
    (7)
    خير دليل على الدقة بين صفحات الكتاب وصف كاتب فاتحة الكتاب الاستاذ الدكتور عثمان ابوزيد قوله (ان المؤلفة غمست قلمها في المعاناة الصادمة للشعب السوداني في أثناء هذه الحرب من قتل وسلب ونهب واغتصاب لتضيء زوايا مظلمة من الاهوال تزعزت منها الابدان وتضعضعت منها الاركان).
    (8)
    خير دليل على انطباق الوصف السابق هذا النص.
    (كان الوقت مساء ..
    اللحظات تمر ببطء والهدوء قاتل بعد ان ترك اغلب الجيران بيوتهم بامتعتها).
    (9)
    عود على بدء
    يعد هذا الكتاب الثالث من نوعه في تناول قصة حرب الكرامة حيث ابتدرت سيدة الصحافة السودانية الدكتورة بخيتة أمين بكتابها المعنون (الموت بالدانة) ثم تلاها اليروفسيور عبد اللطيف البوني بكتابه المميز (نكبة شمال الجزيرة).
    ويبقى القول إن هذا الكتاب صدر بمبادرة طيبة وشراكة ذكية بين مبادرة اسناد السودانيين المتاثرين بالحرب ومنصة اصداء سودانية.

اترك رد

error: Content is protected !!