معالم الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني المتوقع: هدنة الضرورة أم تسوية مؤجلة الانفجار!؟

تشير المعطيات المتسارعة في الإقليم إلى أن واشنطن وطهران تقتربان من صيغة “اتفاق مرحلي واسع” أكثر من كونه اتفاقًا نهائيًا شاملًا. فالتسريبات الصادرة من الإدارة الأمريكية، والتأكيدات الإيرانية الحذرة، والتحركات الباكستانية ـ الخليجية المكثفة، كلها توحي بأن المنطقة تقف أمام محاولة احتواء للحرب لا إنهاء جذريًا لأسبابها.
الاتفاق المتوقع ـ وفق ما رشح من دوائر التفاوض والوساطات ـ يقوم على قاعدة: وقف الانهيار الإقليمي أولًا، وتأجيل الملفات المستحيلة لاحقًا.
اتفاق لإدارة الصراع لا حله
المؤشرات الحالية تفيد بأن واشنطن تخلت تدريجيًا عن سقف “الاستسلام الإيراني الكامل” الذي رُفع في الأسابيع الأولى للحرب، مقابل قبول إيراني بفتح نافذة تفاوضية طويلة تتجنب المواجهة المباشرة. ووما سيخرج سيكون في شكل اطار عام او اتفاق نوايا يوقف الحرب في كل محاورها ورفع الحصار من قبل إيران على مضيق هرمز ضمن ١٤ بنداً.
ومن أبرز البنود المتوقعة:
• تثبيت وقف إطلاق النار الحالي وتمديده.
• إعادة فتح مضيق هرمز تدريجيًا أمام الملاحة الدولية.
• تخفيف جزئي لبعض العقوبات الاقتصادية.
• الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة.
• فتح مسار تفاوضي منفصل حول البرنامج النووي والصواريخ الباليستية.
• وقف أو تخفيف المواجهات عبر الأذرع الإقليمية في لبنان والعراق والبحر الأحمر.
• بحث ترتيبات أمنية إقليمية برعاية متعددة الأطراف.
لكن اللافت أن الملفات الأخطر ـ وعلى رأسها تخصيب اليورانيوم، والنفوذ الإقليمي، وبرنامج الصواريخ ـ لم تُحسم، بل جرى ترحيلها إلى مرحلة تفاوض لاحقة تمتد من 30 إلى 60 يومًا وربما أكثر، ولكن إيران تريد وقف كامل للحرب.
وهذا بحد ذاته يكشف أن الاتفاق ليس تسوية نهائية، بل “تجميد منظم للحرب”.
هل كسبت إيران ورقة مضيق هرمز؟
يمكن القول إن طهران نجحت ـ إلى حد بعيد ـ في تحويل مضيق هرمز من مجرد ممر بحري إلى ورقة تفاوض استراتيجية عالمية.
فإغلاق المضيق، أو حتى تهديد الملاحة فيه، أحدث اضطرابًا غير مسبوق في أسواق الطاقة والنقل البحري، وأثبت أن إيران قادرة على تهديد واحد من أهم الشرايين الاقتصادية في العالم. وتشير التقارير إلى أن حركة الشحن انخفضت بصورة حادة، فيما علقت آلاف السفن والبحارة في الخليج خلال ذروة الأزمة.
الأهم أن الولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية، فشلت في فرض إعادة فتح المضيق بالقوة الكاملة أو تشكيل تحالف دولي واسع للحرب البحرية ضد إيران، وهو ما منح طهران نقطة قوة سياسية ونفسية كبيرة.
لكن إيران لم تنتصر بصورة مطلقة؛ إذ إن استخدام المضيق كورقة ضغط كشف أيضًا هشاشة الاقتصاد الإيراني واعتماده غير المباشر على استمرار تدفق التجارة والطاقة. لذلك يبدو أن طهران استخدمت “سلاح الإغلاق” بوصفه أداة تفاوض لا مشروعًا دائمًا.
شمولية وقف الحرب… هل تشمل كل المحاور؟
السؤال الأكثر تعقيدًا يتعلق بمحاور النفوذ الإقليمي المرتبطة بإيران.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على اتفاق شامل ينهي كل ساحات الاشتباك. بل يبدو أن هناك محاولة لتخفيض التصعيد بالتدرج:
• في لبنان: هدنة هشة مع استمرار التوتر الإسرائيلي ـ حزب الله.
• في البحر الأحمر: تهديدات الحوثيين ما تزال قائمة حال استئناف الضغط على إيران.
• في العراق وسوريا: لا تزال الفصائل المسلحة جزءًا من أوراق الردع الإيرانية.
• في غزة: الملف أكثر تعقيدًا لارتباطه المباشر بالحسابات الإسرائيلية الداخلية.
بمعنى آخر، الاتفاق المتوقع يسعى إلى “خفض النار” أكثر من تفكيك البنية العسكرية لمحور إيران، وهي تؤكد انها لن تتخلى عن خلفائها.
وهذا ما يجعل صموده هشًا؛ لأن أي اشتباك موضعي في لبنان أو الخليج أو البحر الأحمر قد يعيد الانفجار الإقليمي بالكامل.
أين ستقف إسرائيل إذا تم التوافق؟
إسرائيل تبدو الطرف الأكثر قلقًا من أي تفاهم أمريكي ـ إيراني لا ينتهي بتفكيك كامل للبنية النووية والعسكرية الإيرانية. لان رؤية نتنياهو منذ العام ١٩٩٢ ، تقوم على ضرورة الحرب مع ايران لاجل امنها.فالتقارير تشير إلى أن تل أبيب تشارك في المشاورات، لكن داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية تيار واسع يعتبر أن أي اتفاق مرحلي يمنح إيران فرصة لإعادة بناء قدراتها.
ومن هنا يمكن فهم عدة مؤشرات:
• استمرار الخطاب الإسرائيلي المتشدد تجاه التخصيب النووي.
• رفض فكرة الاكتفاء بوقف إطلاق النار.
• التخوف من رفع العقوبات وإعادة تدفق الأموال إلى طهران.
• القلق من بقاء شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران دون تفكيك.
لذلك، حتى إذا وافقت إسرائيل تكتيكيًا على التهدئة، فإنها قد تتحول لاحقًا إلى الطرف الأكثر سعيًا لإفشال أي اتفاق تعتبره “نسخة جديدة من الاتفاق النووي القديم”. فيما تبقى عقدة ترامب اتفاق أوباما.
الاقتصاد المقاوم: كيف صمدت إيران رغم العقوبات؟
أحد أهم أبعاد الحرب الحالية أن إيران لم تنهَر اقتصاديًا رغم العقوبات الخانقة والحصار البحري الجزئي.
فطهران طورت خلال السنوات الماضية نموذجًا يمكن تسميته بـ”الاقتصاد المقاوم الموازي”، ويقوم على عدة مرتكزات:
• شبكات تهريب وتجارة غير رسمية.
• تصدير النفط بطرق ملتوية عبر وسطاء.
• التبادل بالعملات المحلية مع الصين وروسيا ودول آسيوية.
• الاعتماد على الاقتصاد الرمادي والقطاع شبه العسكري.
• تعزيز الصناعات المحلية العسكرية والتقنية.
• توسيع التجارة الإقليمية خارج النظام المالي الغربي.
وقد ساعد هذا النموذج إيران على امتصاص جزء من الصدمات، وإن كان بثمن داخلي باهظ تمثل في التضخم وتراجع العملة وارتفاع مستويات الفقر.
لكن الحرب الأخيرة أثبتت أيضًا أن العقوبات وحدها لم تعد كافية لإسقاط الدولة الإيرانية أو دفعها للاستسلام الكامل، وهو ما يبدو أنه دفع واشنطن نحو خيار “التفاهم المرحلي” بدل المواجهة المفتوحة، فيما تبقى طهران متشككة تجاه النوايا الأمريكية بحكم التجارب.
هل يصمد الاتفاق؟
الراجح أن الاتفاق ـ إن تم الإعلان عنه رسميًا ـ سيكون قابلًا للاستمرار على المدى القصير فقط، لأنه يقوم على تأجيل القضايا الجوهرية لا حلها.
فما تزال العقد الكبرى قائمة:
• البرنامج النووي الإيراني.
• مستقبل تخصيب اليورانيوم.
• النفوذ الإيراني الإقليمي.
• أمن إسرائيل.
• العقوبات الأمريكية.
• مستقبل الميليشيات الحليفة لطهران.
• السيطرة الأمنية على مضيق هرمز.
ومع ذلك، فإن جميع الأطراف تبدو مرهقة من الحرب:
• واشنطن تخشى انفجار سوق الطاقة والانتخابات الداخلية.
• إيران تريد وقف الاستنزاف دون تقديم استسلام سياسي.
• الخليج يبحث عن الاستقرار الاقتصادي.
• أوروبا تخشى أزمة طاقة جديدة.
• حتى إسرائيل تواجه ضغوطًا عسكرية واقتصادية متزايدة.
لذلك قد يصمد الاتفاق بوصفه “هدنة الضرورة”، لكنه سيبقى معرضًا للانهيار مع أول اختبار استراتيجي كبير.
فالمنطقة لا تتحرك نحو سلام شامل، بل نحو مرحلة جديدة من إدارة الصراع بأدوات أقل كلفة وأكثر تعقيدًا.
خاتمة
في ضوء التطورات المتسارعة، هنالك احتمالين فرصة لاتفاق او عملية عسكرية محدودة ، ويبدو أن فرصة الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران لم يعد مجرد تفاهم تقني حول الملف النووي، بل محاولة أوسع لإعادة ضبط توازنات الإقليم ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة تستنزف الجميع. فإيران تسعى إلى تثبيت معادلة الردع وحماية نفوذها الإقليمي وتخفيف وطأة العقوبات، بينما تبحث الولايات المتحدة عن تهدئة مدروسة تحفظ مصالحها وتمنع انفجار الشرق الأوسط في لحظة دولية شديدة التعقيد. وبين هذا وذاك، تبقى إسرائيل الطرف الأكثر قلقاً من أي تسوية قد تمنح طهران وقتاً ومساحة لإعادة التموضع. لذلك فإن نجاح الاتفاق لن يتوقف على ما يُعلن في البيانات الرسمية فحسب، بل على قدرة الأطراف على إدارة الملفات المؤجلة، واحتواء صراع الإرادات الذي ما يزال يتحرك تحت سطح التفاهمات المعلنة والمخاوف لكلا الطرفين.
—————-
٢٥ مايو ٢٠٢٦ م



