
في السياسة، قد يكون تحديد من يجلس إلى طاولة الحوار أخطر من تحديد ما يُطرح فوقها. فحين تمنح مجموعة سياسية نفسها حق اختيار المتحاورين واستبعاد الآخرين، فإنها تبدأ بتوزيع شرعية المستقبل قبل الاتفاق على أسس بنائه. وتلك مفارقة تستحق التأمل في بلد مزقته الحرب، وتبدلت فيه موازين القوة، وتهاوت كثير من المسلمات التي حكمت المشهد السياسي منذ سقوط نظام الإنقاذ.
هذا ما تثيره المعلومات التي نشرها موقع «المحقق»، نقلاً عن مصادر قريبة من اجتماعات الآلية الخماسية في أديس أبابا، بشأن مطالبة تحالف «صمود» بحصر الحوار السوداني في ثلاثة أطراف: «صمود» و«تأسيس» و«الكتلة الديمقراطية»، مع استبعاد بقية القوى السياسية والمدنية. وإذا صحت هذه الرواية، فإننا أمام تصور انتقائي يعيد توزيع حق التمثيل السياسي، ويمنح بعض التحالفات سلطة تقرير من يشارك في صياغة مستقبل وطن يشترك الجميع في تحمل مأساته.
ولفهم دلالات هذا الموقف، ينبغي العودة إلى الجذور السياسية لتحالف «صمود». فهو امتداد لمسار بدأ بقوى الحرية والتغيير، التي تصدرت المشهد عقب ثورة ديسمبر، ثم تفرقت إلى تيارات وتحالفات متنافسة، ومر بعض مكوناتها بتجربة «تقدم» قبل أن يتشكل كيان «صمود» إثر الانقسامات التي أحدثتها الحرب. وقد تغيرت الأسماء والواجهات، لكن كثيراً من القيادات والخيارات السياسية ظل حاضراً، بما يحمله من إرث يستوجب المراجعة والمساءلة.
لقد بدأت أزمة الثقة بين قطاعات من السودانيين وتلك القوى حين تركز النفوذ والقرار داخل السلطة الانتقالية في أيدي مجموعة محدودة من الأحزاب بالشراكة مع المكون العسكري، في التجربة التي عُرفت شعبياً بتسمية «الأربعة طويلة». وقد اختزل هذا الوصف شعوراً بأن ثورة صنعتها تضحيات شعبية عريضة انتهت إلى ترتيبات سلطة ضيقة، أُقصي عنها كثير من رفاق الثورة وشركائها. ومع تعثر بناء المؤسسات وتصاعد صراعات السلطة، تآكل الرصيد الثوري، وتراجعت فرص الانتقال الديمقراطي، بينما ظلت العلاقة بين المدنيين والعسكريين محكومة بتوازنات مضطربة.
ثم جاءت أزمة العلاقة مع مليشيا الدعم السريع، وما صاحبها من تقاطعات سياسية، لتثير اتهامات لبعض تلك القوى بمحاولة الاستقواء بالمليشيا لاستعادة موقعها في السلطة. وهي اتهامات تستوجب الفحص والمساءلة، في سياق أوسع من القرارات والصراعات التي قادت إلى الحرب. لكن السؤال الذي تفرضه التطورات الراهنة يتعلق بما إذا كانت القوى التي أخفقت في إدارة الشراكة الانتقالية تحاول اليوم استعادة حق تحديد شركاء المرحلة المقبلة، وكأن التجربة السابقة لم تستوجب مراجعة قواعد المشاركة نفسها.
واللافت أن تحالفاً خرج من سلسلة انقسامات سياسية عميقة حول المواقف والتحالفات، يسعى اليوم، وفق الرواية المنشورة، إلى تحديد حدود التعدد المسموح به في حوار وطني شامل. فبأي تفويض تختار «صمود» ممثلي السودانيين؟ ومن يطالب بالديمقراطية بوصفها حقاً للجميع، لا يستطيع أن يجعل المشاركة في تأسيسها امتيازاً يمنحه لمن يشاء ويحجبه عمن يشاء.
وتثير التحركات الخارجية الأخيرة لتحالف «صمود»، وما صاحبها من لقاءات واتصالات في أوروبا والولايات المتحدة وكندا، سؤالاً يتجاوز طبيعة تلك اللقاءات إلى حدود ما يمكن أن يترتب عليها سياسياً. فمهما كانت التفاهمات التي جرت في العواصم الغربية، فإنها لا تمنح أي تحالف حق الوصاية على السودانيين أو تحديد من يشارك في حوارهم الوطني. وإذا تحولت العلاقات الخارجية إلى مصدر لتوزيع الأدوار السياسية في الداخل، فإنها تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول استقلال القرار الوطني ومدى تأثير الأجندات الخارجية في رسم مستقبل السودان. فالتواصل مع الخارج حق سياسي، أما التفويض بتقرير مصير الوطن فمصدره السودانيون وحدهم.
أما الإصرار المنسوب إلى «صمود» على مشاركة كيان «تأسيس»، فيفتح باباً أكثر تعقيداً في قراءة المشهد. فارتباط هذا الكيان بمليشيا الدعم السريع يثير تساؤلات حول الغاية من منحه موقعاً مقرراً في الحوار، بينما تُستبعد قوى مدنية أخرى. وقد يُقرأ هذا التوجه، إن ثبت، باعتباره محاولة لإعادة بناء توازن سياسي يعوض ما فقدته بعض القوى من نفوذ خلال الحرب، وربما استعادة صيغة الشراكة مع القوة المسلحة في ثوب جديد. وهي قراءة احتمالية تحتاج إلى ما يسندها، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يتحول الارتباط بقوة مسلحة خاضت الحرب إلى مدخل لامتياز سياسي في صناعة السلام، بينما يُفترض أن تكون المشاركة الوطنية حقاً أصيلاً لا تمنحه موازين السلاح؟
وهنا تبرز ضرورة الفصل بين التفاوض لإنهاء الحرب والحوار لتأسيس الحكم. فالترتيبات العسكرية والأمنية تقتضي التعامل مع الأطراف القادرة على تنفيذ التزاماتها، بينما يحتاج تحديد مستقبل الدولة ونظامها السياسي إلى مشاركة وطنية أوسع. والخطورة أن تتحول القدرة على حمل السلاح إلى مصدر لامتياز سياسي دائم، وأن يصبح الاعتراف بأطراف الحرب تفويضاً لها بتقرير مستقبل البلاد.
لقد أحدثت حرب الخامس عشر من أبريل قطيعة عميقة مع مرحلة ما قبلها. فالتحالفات التي استمدت نفوذها من ترتيبات الانتقال لم يعد بوسعها الاستناد إلى تلك الترتيبات بوصفها تفويضاً سياسياً مستمراً. وفي المقابل، أفرزت معركة الدفاع عن الدولة واقعاً جديداً، اكتسبت فيه القوات المسلحة والقوى التي تصدت للتمرد ثقلاً وطنياً وميدانياً لا يمكن تجاهله. غير أن مشروعية الدفاع عن الدولة والوزن الذي تصنعه المعركة لا يمنحان تفويضاً سياسياً مفتوحاً؛ فبناء الحكم المستقر يقتضي توافقاً دستورياً وإرادة شعبية حرة. ومن يتجاهل تحولات الحرب يخطئ قراءة الحاضر، ومن يجعلها وحدها أساس شرعية المستقبل يغامر بإعادة إنتاج الأزمة.
وتقع على الآلية الخماسية مسؤولية حماية استقلال العملية السياسية من محاولات الانتقاء والاحتكار. فالوساطة الناجحة تساعد السودانيين على التوافق حول قواعد المشاركة وأهداف الحوار وضماناته، وتحترم التعدد السياسي والاجتماعي الذي لا تختزله ثلاثة تحالفات. أما اعتماد تصور مغلق، إن صح طرحه، فمن شأنه استدعاء إخفاقات الانتقال السابق. وتظل الرواية الصحفية بحاجة إلى تأكيد رسمي يوضح حقيقة المقترح وموقف الآلية منه.
إن السودان الذي أنهكته الحرب والتدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية يحتاج إلى تراضٍ وطني على أمر سواء، يحفظ وحدته وسيادته، ويعيد بناء مؤسساته، ويمنح مختلف القوى الوطنية فرصة المشاركة في صياغة مستقبل الحكم. وقد أصبح واجب الجميع مراجعة تجاربهم والتخلي عن أوهام التفويض الحصري، فالمرحلة المقبلة تستدعي توافقاً يتسع لتحولات الواقع، ويعيد للشعب حقه في الاختيار.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن اختيار مجموعة سياسية لشركائها في الحكم، ثم تقديم اتفاقها معهم باعتباره إرادة السودانيين، كان أحد وجوه الأزمة التي دفعت البلاد ثمنها الفادح. فقد أعادت الحرب رسم خريطتها السياسية بدماء أبنائها وتضحياتهم، وأصبح طريق إنقاذ السودان يبدأ باعتراف الجميع بأن الوطن أكبر من تحالفاتهم، وأن حق تقرير مستقبله لا ينتقل بالوراثة السياسية من «الحرية والتغيير» إلى «تقدم» ثم إلى «صمود»، ولا تمنحه الوساطات الخارجية لمن تختار. ومن عجز عن صون الشراكة في الثورة، عليه أن يتعلم احترام الشراكة في الوطن.
الخميس، 15 أكتوبر 2026م



