المسيرات كبديل استراتيجي: قراءة في تحولات تكتيك التمرد ومستقبل المشهد العسكري في السودان!؟

تشير المعطيات الميدانية إلى تحوّل نوعي في مسار العمليات العسكرية داخل السودان، حيث تميل الكفة تدريجياً لصالح القوات المسلحة عبر استعادة زمام المبادرة في عدة جبهات، واسترجاع العديد من المناطق من قبضة التمرد. مقابل تراجع واضح في قدرة التمرد على إدارة حرب برية منظمة. غير أن هذا التراجع لم يؤدِّ إلى انكفاء كامل، بل أفضى إلى إعادة تشكيل أدوات القتال، وفي مقدمتها تصعيد استخدام المسيرات الانتحارية كبديل تكتيكي يعوّض فقدان السيطرة على الأرض، مع رسائل للداعمين أن أثرهم ما يزال.
أولاً: تآكل البنية القتالية التقليدية للتمرد
التطور الأبرز يتمثل في فقدان التمرد لقيادات ذات خلفية عسكرية نظامية، بسبب الانشقاقات والخلافات الميدانية، وهي الفئة التي كانت توفر الحد الأدنى من الانضباط والتخطيط العملياتي. هذا الفقد، إلى جانب الاستسلام المتزايد لعناصره، أضعف قدرته على خوض معارك برية طويلة النفس، خاصة في ظل التفوق النسبي للقوات المسلحة في التنظيم والقدرة على إعادة التموضع، وربما التغيير الذي شهدته هيئة الأركان.في هذا السياق، يصبح انحسار القتال البري ليس خياراً تكتيكياً بقدر ما هو انعكاس لعجز بنيوي متنامٍ.
ثانياً: المسيرات الانتحارية كأداة تعويضية
تصاعد وتيرة استخدام المسيرات في هذا التوقيت يعكس انتقال التمرد من “حرب السيطرة” إلى “حرب الإيذاء”. فالمسيرات توفر عدداً من المزايا:
• تقليل الخسائر البشرية المباشرة في صفوف المهاجمين.
• القدرة على ضرب أهداف نوعية داخل العمق دون الحاجة لخطوط إمداد تقليدية.
• تحقيق أثر نفسي انتقامي وإعلامي يفوق أثرها العسكري المباشر.
غير أن طبيعة الأهداف—التي تميل إلى البنية التحتية والمناطق المدنية—تكشف أن الغاية لم تعد تحقيق مكاسب ميدانية، بل إرباك الدولة وإطالة أمد الصراع عبر إنهاك المجتمع، والسراب اليأس في الصف الجمعي بان الامان والاستقرار ما. يزال بعيد المنال.
ثالثاً: البعد الإقليمي وتأثير بيئة الشرق الأوسط
لا يمكن فصل هذا التحول عن السياق الإقليمي الأوسع. فالتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط تؤثر على مسارات الإمداد والتمويل، سواء عبر:• إعادة توجيه الموارد من قبل الداعمين الإقليميين إلى أولويات أكثر إلحاحاً.
• تشديد الرقابة الدولية على تدفقات السلاح والتقنيات.
• ارتفاع كلفة الدعم اللوجستي في ظل اضطراب سلاسل الإمداد.
في ظل هذه القيود، تميل الجماعات المسلحة إلى تبني أدوات منخفضة التكلفة وعالية التأثير، مثل الطائرات المسيّرة، والصواريخ والمدفعية التي أصبحت “سلاح الفقراء” في النزاعازت المعاصرة.
رابعاً: البعد الإعلامي وإدارة صورة القيادة
إعادة بث تسجيلات صوتية لقائد التمرد بالتزامن مع ما يثار عن خلافات في صفوفهم تعكس أزمة مزدوجة: أزمة قيادة وأزمة ثقة داخلية. فمجرد الحاجة إلى إثبات بقاء القائد على قيد الحياة يشير إلى تصدعات في البنية التنظيمية، وربما صراع داخلي على السلطة.
في الحروب غير المتكافئة، تلعب الرمزية القيادية دوراً حاسماً، وأي غموض حول مصير القيادة قد يسرّع من وتيرة التفكك.
خامساً: إلى أين يتجه المشهد؟
المؤشرات الحالية تقود إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. استمرار حرب الاستنزاف منخفضة الكثافة
حيث يواصل التمرد الاعتماد على المسيرات والهجمات غير المتكافئة، مع تجنب المواجهات المباشرة. هذا السيناريو يطيل أمد الحرب دون حسم.
1. تسارع الانهيار التنظيمي للتمرد
في حال استمرار فقدان القيادات وتراجع الدعم الخارجي، قد نشهد تفككاً إلى مجموعات صغيرة غير منسقة، ما يقلل من خطورته العسكرية لكنه يرفع من مخاطر الفوضى الأمنية.
1. إعادة التموضع عبر دعم خارجي نوعي
وهو سيناريو أقل احتمالاً في المدى القريب، لكنه يظل وارداً إذا ما حدث تغير في مواقف بعض الأطراف الإقليمية، بما يعيد للتنظيم جزءاً من قدراته.
سادساً:ما يمكن للدولة فعله
لوقف حرب المسيّرات، تحتاج الدولة السودانية إلى مقاربة مركّبة تتجاوز الرد العسكري المباشر إلى إدارة المجال الجوي والسياسي والتقني بشكل متكامل:
١.بناء مظلة دفاع جوي قصيرة المدى متخصصة في مواجهة الطائرات دون طيار، تعتمد على أنظمة التشويش الإلكتروني والرصد الراداري منخفض الارتفاع، بما يحوّل المسيّرات من سلاح فعّال إلى عبء تشغيلي على مُشغِّلها.
٢.استهداف سلاسل الإمداد لا المنصات فقط، عبر العمل الاستخباري لتعطيل خطوط التهريب ومراكز التحكم والتجميع، وهو ما يقلّص القدرة على الاستدامة العملياتية للخصم.
٣.تأمين البنية التحتية الحيوية بمنظومات حماية سلبية (التمويه، التحصين، اللامركزية)، لتقليل أثر الضربات حتى في حال اختراق الدفاعات.
٤.فرض سيادة جوية تنظيمية عبر إعلان قواعد اشتباك واضحة للمجال الجوي الداخلي، وربطها بقدرات إنفاذ حقيقية، بما يمنع تحويل الأجواء إلى فضاء مباح.
٥.تفعيل المسار الدبلوماسي والقانوني لرفع كلفة الدعم الخارجي للمسيّرات، عبر توثيق الانتهاكات ومخاطبة الفاعلين الإقليميين والدوليين ضمن إطار مساءلة واضح وحملة إعلامية ودبلوماسية.
خلاصة تحليلية
العودة المكثفة للمسيرات ليست دليلاً على القوة، بل على التحول من مرحلة الهجوم المنظم إلى مرحلة الدفاع غير المتكافئ. إنها مؤشر على اختلال ميزان القوى ميدانياً، لكنها في الوقت ذاته تطيل أمد الصراع عبر نقل مركز الثقل من الجبهة إلى المجتمع.
وبينما تمضي القوات المسلحة نحو تعزيز مكاسبها البرية، يبقى التحدي الحقيقي في تحييد هذا النمط الجديد من التهديد، الذي لا يسعى إلى السيطرة بقدر ما يسعى إلى الإرباك والتدمير، وهو ما يجعل الحسم العسكري وحده غير كافٍ دون مقاربة شاملة أمنياً وتقنياً وسياسياً.
خلاصة القول، النجاح لا يكمن في إسقاط المسيّرات فقط، بل في تجفيف مصادرها، وتعقيد بيئة تشغيلها، ورفع كلفة استخدامها سياسياً وعسكرياً، ويفقد التمرد استخدام هذه الوسيلة مركبة الاهداف.
——————
٤ مايو ٢٠٢٦ م



