
الطرقات غير سالكة ،شظايا الدانات وفارغ طلقات المدافع الرشاشة وممتلؤها مبعثرة ؛ وفجوات مساقط التدوين على الأسفلت تتوزع حفراً ،وحطام السيارات يسد معظم المسارات،ثمة روائح حادة لجثث متحللة في بعض الأماكن تزكم أنوف العابرين ،بعض السيارات وضعته المليشيا المتمردة بصورة ممنهجة عبر رافعات لتتراص فوق بعضها البعض فتغلق الطرق في وجه كل مار ،كنا أحياناً ندور في متاهة الطرق المغلقة هذه مراتِ ومراتِ بحثاً عن طريق سالكة تخرجنا من دائرة التوهان في الحي أو المكان ،حتى أدركنا بعد عدة أيام أن هذه طريقة للتتريس والتحصين منعاً لوصول القوات المسلحة إلى مناطق سيطرتهم وانتشارهم ظناً منهم أنهم مانعتهم حصونهم، بيد أن ذلك لم يمنع البواسل من الانقضاض عليهم فغادروا ملاذاتهم التي احتلوها من مساكن للمواطنين ومؤسسات خدمية وأعيان مدنية فراراً على عجل عشية تحرير الخرطوم في 27 مارس 2025م.
في الأسبوع الأول لشهر أبريل من العام 2025م ،بعد أقل من أسبوع من تحرير الخرطوم ؛كانت المهمة الموكلة إليّ الوصول إلى مقار متعددة للمؤسسة التي أعمل بها في مدينة الخرطوم، وإلى جانب عملي على تأمين تلك المواقع جئت إلى مقر إتحاد الصحفيين في المقرن ،وفي ذلك اليوم نسيت أن أستصحب معي حافظة الماء في حقيبة العربة من أمدرمان كالعادة ،حيث تقابلنا هناك مع الشاب المكلف باستلام حراسة المقر ،وبعد جولة من التفقد للإتلاف الممنهج ومحاولة تجميع ما تم رميه أو بعثرته من كتب أو مستندات وأجهزة ؛ عملنا على تغيير الأقفال ،ثم أحسسنا بالظمأ وكانت الشرطة قد انتشرت لتأمين الأقسام والمقار الشرطية بعد التحرير مباشرةً حتى لا تتعرض للمزيد من النهب والتخريب ؛فذهبتُ إلى مقر الشرطة المجتمعية في المقرن بالقرب من مقر الاتحاد ؛فوجدتُ زمرةً من أفراد الشرطة يستظلون تحت مظلة أو خيمة أمام المبنى الخرِب ،فنشدتهم السقيا ،فوجدتُ عندهم قليل ماء متبقي جادوا عليّ به ،كانوا يردون النيل سيراً على الأقدام (بالجردل) ليغترفوا من ماء النهر في وقت كانت فيه الوبائيات على أشدها ؛فكان الماء يومها أعطيةً غالية.
كانت الخرطوم موحشةً عدا بؤر بعينها بقي فيها عدد مقدر من السكان طوال فترة الحرب في بعض مربعات الأزهري والسلمة والجريف غرب والحماداب والشجرة بالإضافة إلى سكان أكثر كثافة في الإنقاذ ومايو وقلة في بعض مناطق الكلاكلة ،وقد زرت كل تلك المناطق ورأيتها رأي العين حينئذِ.
كان المشهد الذي حق لكل سوداني أن يفخر به هو منظر منسوبي القوات النظامية من الشرطة والقوات المسلحة والمخابرات والمشتركة والقوات المساندة وهم يذهبون للمناوبة في تلك المواقع جيئةً وذهاباً تأميناً للخرطوم من أقصاها إلى أدناها ولمّا يكتمل بعد القبض على المتخلفين من المتمردين المموهين لهويتهم في بيوت آمنة ،كان رجال القوات النظامية في الإرتكازات يفرحون عندما يمر بهم مواطنون يحملون تصاريح عبور فقد جعل الله أفئدةً من الناس تهوي إليهم في خرطوم غير ذات زرع ،وكنا نفرح عندما نجد إرتكازاً فغير هؤلاء المرابطين قلَّ أن ترى بشراً يتحرك لمسافات طويلة ،فقد عزّ في تلك الأيام سابلة الطريق.
كان الجنود العائدون من مناطق رباطهم إلى أمدرمان يمشون المسافات الطويلة سيراً على الأقدام وما أن يلمحوا سيارة حتى يؤشروا لها ،فقد كانت السيارات التي تعبر من وإلى الخرطوم قليلةً سواءً كانت عسكرية أو مدنية لمؤسسات ومواطنين .
حاشية :
اليوم عادت الحياة إلى الخرطوم الآمنة المطمئنة وعادت إليها الحكومة الإتحادية وزراء ومؤسسات، وأصبحت الشرطة تقوم على تأمين كامل مدينة الخرطوم ودبت الدماء في شرايينها بالمياه العذبة عبر الشبكات ؛و اغتسلت الطرقات من تلك الأدران والأنقاض ؛وتراجع وجود الباعوض بعد حملات إصحاح البيئة ،وسرت الكهرباء في خطوط النقل ،بعض المناطق نعمت بالإمداد الكهربائي في المنازل والبعض الآخر وفّق أوضاعه بألواح الطاقة الشمسية لضروريات الحياة ،وجزء آخر ينتظر وصول المحولات .لكن يبقى الجهد الأكبر الذي يستحق مقابلته بمثله هو جهد منسوبي القوات النظامية ضباطاً وضباط صفِ وجنود الذين عملوا على تحرير المدينة ثم تأمينها ،فمن بقي منهم في المكان اليوم يترحلون على حسابهم بما يستهلك الجزء الأكبر من مرتباتهم مع إرتفاع تكلفة المواصلات بعد الحرب ما بين ( 5 إلى 10) أضعاف في ظل محدودية سيارات المؤسسات التي قضت عليها المليشيا ،لذا أدعوا إلى رد الجميل لمنسوبي القوات النظامية بتوفير بصات ترحيل لهم بين المدن الثلاث تعمل في ساعات الدوام صباحاً وعند نهايته مساءً ليست بالضرورة تحدد وحدة معينة بل تتاح بصات لكل منسوبي الشرطة وفقاً للبطاقات وكذا الحال بصات لمنسوبي بقية القوات النظامية الأخرى، حتى لا يعانوا في الترحيل ونوفر لأسرهم المبلغ الذي يترحلون به ؛فمثلما أنهم أمنوا العاصمة ،فعلى الحكومة أن تُحسِّن من أمنهم الإجتماعي.






