
ليست كل الانتماءات خطرًا، لكن بعضها—حين يُستدعى في غير موضعه—يتحوّل من رابطةٍ تُعرِّف الإنسان إلى أداةٍ تُعيد تعريف الدولة نفسها. وبين “القبيلة” بوصفها وعاءً اجتماعيًا طبيعيًا، و“القبلية” بوصفها أداة تعبئةٍ وصراع، مسافةٌ قصيرة في اللفظ، بعيدة في الأثر.
قبل يومين، عاد الناشط السياسي مبارك أردول من الخارج بعد مشاركته في مؤتمر برلين، فاستُقبل بحشدٍ غلب عليه طابع قبيلته في مطار بورتسودان. ويمكن فهم هذا المشهد—جزئيًا—كردّة فعلٍ على ما أُثير حول مشاركته في مؤتمرٍ رفضته الحكومة رسميًا، وما تبع ذلك من دعواتٍ للمساءلة.
وقبلها، صدرت تصريحات للزعيم القبلي في شرق السودان، ترك، تضمّنت حديثًا عن مطالباتٍ وصلت إلى حد المطالبة بفصل الإقليم (البحر الأحمر)، مع تقديمه ضماناتٍ تتعلق بحقوق استخدام ما تبقى من السودان للموانئ والمنافذ البحرية على البحر الأحمر—وهي تصريحات قد يكون لها سياقها الذي دفع إليها.
غير أن القاسم المشترك في هذه الوقائع، وغيرها من أشكال الحراك والنشاط السياسي أو المجتمعي، هو استدعاء القبيلة لتثبيت موقفٍ سياسي، أو لحشدٍ جماهيري، أو لرفع سقف المطالب—أصيلة كانت أم مزعومة. وهي ممارسات لم تعد استثناءً، بل نمطًا متكررًا لدى فاعلين سياسيين وعسكريين، بل وحتى لدى قطاعات من العامة. وفي هذا النمط تكمن المشكلة. حين تدخل القبلية إلى المجال السياسي، لا تعود الدولة إطارًا جامعًا، بل تتحول إلى ساحة تفاوض بين هويات متنازعة.
لقد نشأت معظم المليشيات والحركات المسلحة في السودان، وتطوّرت، ثم تحالفت مع بعضها، على أساسٍ قبلي أو مناطقي أو كليهما. وتحالف القبيلة مع السلاح كان—ولا يزال—أحد أكثر العوامل تدميرًا لبنية الدولة. فحين تُستدعى القبيلة بوصفها مظلةً للسلاح، يتحوّل النزاع من خلافٍ سياسي قابل للحل إلى صراعٍ وجودي يُدار بمنطق الثأر لا بمنطق الدولة.
ولعلّ مراجعة سريعة لمسار الحروب والنزاعات في السودان تُظهر أن كثيرًا منها—مهما تزيّا بمبرراتٍ سياسية أو شعاراتٍ عادلة—يحمل في عمقه دوافع قبلية أو تغذيه حواضن من هذا النوع. وهنا لا تعود القبيلة إطارًا اجتماعيًا، بل تتحول إلى وقودٍ للصراع.
ولا يمكن فهم القبلية في السودان بوصفها مجرد نزعة اجتماعية أو خلل ثقافي، بل هي—في جانبٍ معتبر منها—نتاج فراغٍ مؤسسي وغيابٍ لوظائف الدولة الأساسية. فحين تعجز الدولة عن توفير الخدمات، وضبط الموارد، وبسط العدالة، ينشأ ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد القبيلة”؛ حيث تتحول القبيلة إلى وسيطٍ للحصول على الفرص، ومصدرٍ للحماية، وقناةٍ لتوزيع المنافع. وفي هذا السياق، لا تعود القبلية مجرد انحرافٍ عن الدولة، بل تصبح بديلًا عنها. ويزداد هذا النمط رسوخًا حين تُعيد بعض النخب السياسية إنتاجه عمدًا، عبر توظيف الانتماءات الضيقة في الحشد والتعبئة، بما يضمن لها قاعدة دعم سريعة، وإن كانت على حساب الدولة نفسها. وهكذا تتغذى القبلية من ضعف الدولة، وتُسهم—في الوقت ذاته—في إضعافها، ضمن دائرة مغلقة لا تُكسر إلا بإعادة بناء الدولة كمؤسسة قادرة على أداء وظائفها، لا كمجالٍ للتنافس بين الهويات.
السودان اليوم لا تضره “القبيلة”، بل تضره “القبلية”؛ أي تحويل الانتماء الطبيعي إلى أداة تعبئةٍ سياسية، وسلّمٍ للمطالبة بالسلطة، ووسيلةٍ للضغط والابتزاز. فالتحشيد باسم القبيلة لانتزاع مكاسب في الثروة والسلطة، أو للتلويح بالنزعات الانفصالية، لا يهدد وحدة الدولة فحسب، بل ينسف فكرة المواطنة من أساسها.
ومن المهم هنا التمييز بوضوح بين قيمة القبيلة وخطر القبلية. فالقبيلة—في أصلها—كيان اجتماعي يوفّر التكافل، ويمنح الأفراد شعورًا بالانتماء، ويحفظ الأعراف الإيجابية، ويُسهم في الاستقرار المجتمعي. أما القبلية، فهي تحويل هذا الكيان إلى أداة إقصاءٍ للآخر، أو وسيلةٍ لتغليب الولاء الضيق على حساب الانتماء الوطني، أو منصةٍ لتبرير العنف واحتكاره خارج إطار الدولة.
وحين تسود القبلية، فإنها لا تُبقي على تماسكٍ ولا تُنتج استقرارًا، بل تُعيد تشكيل المجتمع والدولة على أسسٍ هشة، فتتصدع الولاءات، وتضعف المؤسسات، وتتحول الخلافات إلى صراعات مفتوحة لا تعرف نهاية، ويتعطل مسار التنمية تحت وطأة النزاع المستمر. وهكذا يصبح الواقع شاهدًا على أن القبلية في السودان تضر أكثر مما تنفع؛ فهي تعيق تقدّم البلاد، وتمنعها من اللحاق بركب المدنية والحضارة، وتُبقيها رهينةً لدوراتٍ متكررة من النزاع والانقسام.
والخروج من هذا المسار لا يكون بالشعارات، بل برؤيةٍ متكاملة تُترجم إلى سياسات عملية، تبدأ بإعادة تشكيل الوعي العام على أساس المواطنة، عبر خطابٍ يميّز بين الاعتزاز بالقبيلة ورفض توظيفها سياسيًا، ونظامٍ تعليمي يُرسّخ القيم الوطنية ويُضعف النزعات الضيقة.
كما تقتضي إقامة العدالة بوصفها الضامن الحقيقي لثقة المواطن في الدولة، إذ إن غيابها يدفع الأفراد إلى الاحتماء بقبائلهم، إلى جانب اعتماد تنمية متوازنة تُقلّص فجوات التهميش التي تغذّي النزعات القبلية والانفصالية.
ولا يكتمل هذا المسار دون إطار قانوني يجرّم التحشيد القبلي في المجالين السياسي والعسكري، ويضع حدًا لاستخدام الهوية القبلية كأداة للصراع، بالتوازي مع ترسيخ احتكار الدولة لاستخدام العنف ووسائله، باعتباره الأساس الذي يمنع تحوّل القبيلة إلى قوة مسلحة. ويظل إعلاء القيم الوطنية والقومية ضرورةً تُعيد ترتيب سلم الولاءات، بحيث يتقدم الانتماء للسودان على غيره، في ظل تغليب المصالح العليا للدولة على أي مكاسب آنية أو فئوية، فالدول لا تُبنى بالمحاصصات، بل برؤيةٍ جامعة.
وليس السودان استثناءً في هذا المسار؛ فقد عانت دول عديدة من القبلية، لكنها نجحت—بمرور الوقت—في تجاوزها، عبر بناء مؤسسات قوية، وترسيخ سيادة القانون، وتكريس مفهوم المواطنة. فالتجربة الإنسانية تُثبت أن القبلية ليست قدرًا محتومًا، بل مرحلة يمكن تجاوزها بالإرادة والسياسات الصحيحة.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم ليس في وجود القبائل، بل في الطريقة التي تُستدعى بها في المجال العام. فإما أن تبقى القبيلة قيمةً اجتماعيةً تحفظ التماسك، أو تتحول القبلية إلى أداةٍ تهدم ما تبقّى من الدولة.
السودان أمام مسار يتشكل فعليًا، لا أمام فرضيات تُناقش. وكل توظيف للقبيلة في المجال العام يضيف طبقة جديدة من التعقيد على واقعٍ مثقل أصلًا، ويدفع بالكلفة إلى مستويات يصعب احتواؤها لاحقًا. وما يُدار اليوم تحت عناوين المطالب أو بدوافع ردود الأفعال، سرعان ما يتحول إلى وقائع ثابتة تعيد تشكيل الدولة من داخلها.
والخروج من هذا المأزق يرتبط بقدرة الدولة على إعادة ضبط قواعد الفعل العام، بحيث تصبح المواطنة هي الإطار المنظم للعلاقة بين الأفراد والمؤسسات، وتُرفع كلفة استدعاء الانتماءات الضيقة إلى حد فقدان جدواها. وعند تلك النقطة فقط، يبدأ المسار في التغير فعليًا، وتستعيد الدولة قدرتها على الإمساك بتوازنها. فالدولة التي تضطر لمنافسة القبيلة على ولاء مواطنيها، تكون قد فقدت تعريفها قبل أن تفقد سلطتها وتُسْقِط هيبتها.
الأربعاء 22 ابريل 2026م


