الرواية الأولى

نروي لتعرف

ليمانيات / د. إدريس ليمان

هوامش على دفتر الخيبة ..!!

يقول الراوى أن الشاعر نزار قبانى أرسل رسالة طويلة للرئيس عبدالناصر بعد أن مُنِعت أعماله الشعرية والغنائية عقب النكسة من البث عبر الإعلام المصري المؤثِّر يقول فى بعضها :
يا سيادة الرئيس : في هذه الأيام التي أصبحت أعصابنا فيها رماداً وطوقتنا الأحزان من كل مكان أرفع إليك مظلمتى وخلاصتها انني نشرت في أعقاب النكسة قصيدة عنوانها ( هوامش على دفتر النكسة ) أودعتها خلاصة ألمي وتمزقى وكشفت فيها عن مناطق الوجع في جسد أمتي العربية لاقتناعي بأن ما انتهينا اليه لا يُعالج بالتواري والهروب وانما بالمواجهة الكاملة لعيوبنا وسيئاتنا .. وإذا كانت صرختى حادة وجارحة فلأن الصرخة تكون في حجم الطعنة ولأن النزيف بمساحة الجُرح .. فمن مِنَّا لم يصرخ بعد النكسة ..؟ ومن مِنَّا لم يخدش السماء بأظافره ياسيادة الرئيس ..!!؟
ونقول قياساً على قوله أن بلادنا تعيش منذ العدوان عليها مخاضاً عسيراً ظلَّت تقاسي آلامه وهى تنتظر ميلاد الدولة السودانية الحديثة بمؤسساتها الراسخة وقوانينها المُنظِّمة ، وتنتظر في ذات الوقت القضاء على دابَّة الأرض وعيال دقلو الذين تَلَطَّخت أيديهم بدماء أهل السودان فى أبشع مجزرة للإنسانية شهدتها الإنسانية حديثاً .. حيث تحَوَّلت البيوت إلى منصَّات للإعدام وإلى معتقلات ، وتحولت المساجد إلى إسطبلات وورش لمحبوبتهم التى تغنوا لها ، وتَحَوَّلَت الطُرُقات إلى مصيدة للقناصة وساحاتٍ للقتل يصطادون فيها الأبرياء بلا ذنبٍ ولا سبب ..!! ومنذ أن مَكَّن الله جنودنا البواسل من رقاب المليشيا وإخراجهم من ملتقى النيلين وما حوله وقبل أن يكتمل هلال النصر ويصير بدراً كامل الوضاءة ورغم حملات النظافة والإعمار التى إنتظمت عاصمتنا وعودة الروح والحياة إليها بالتدرج بدأت بعض الأصوات هنا وهناك في إعادة تقسيمات المستعمر الإنجليزي البائسة والتى جثمت على صدر الوطن لعقود كأنها بركانٌ خامل تُريده أن يثور وتملأ حممه ربوع السودان ..!! تلك التقسيمات التى تُمنَح فيها المواطنة والمكانة بالميلاد وبالقبيلة لا بالرقم الوطني والهوية السودانية ستزيد من تعميق آثار الحرب المدمرة على الأفراد وعلى المجتمع ، فقد أضحت الثقة مفقودة بين فئاته الواسعة وبين بعض مكوناته بعد أن تآكلت الثقة بينهم بل وإنعدمت تماماً سبب إجرامهم وعمالتهم للمليشيا والعمل كأدلاَّء لقوافل القتلة اللصوص ، والمشاركة فى إيذاء الأبرياء والإيقاع بهم وبيعهم لعيال دقلو ..!! فمن أسوأ ما أحدثته الحرب ليس القتل ولا النهب ولا جميع الإنتهاكات الأخرى بل تفكيك المجتمع السودانى وتدمير الروابط الإجتماعية بين الناس التى تميزهم عن غيرهم .. وإن لم يظهر الأمر على السطح لكن واقع الحال يؤكده بسبب تلك الخيانة للجوار وللعشرة رغم أن أهل السودان كانوا طوال تأريخهم أهلٌ للمحامد وللإيثار الموجب للإيمان ..!!
والذي نراه ونسمعه اليوم فى الوسائط من نفخٍ فى نار العنصرية والقبلية والخطابات المتشنجة التى تدعوا لتقسيم الناس بالميلاد والنشأة والأخرى الممتنَّة على وطنها بالدفاع عنه وإخراج الأذى الجنيد عن أهله .. كل ذلك يستوجب على الدولة أن تضع حدَّاً بقوة القانون لتلك الأصوات التى ترى الأمور بعيون القبيلة لا بعيون الوطن وتُمعِن فى إستدعاء أمجادها وتأريخها بإستعلاء متوهم ، والأخرى التى تنكأ الوهم ظنَّاً منها أنه جراحات ومظالم تأريخية .. تلك الأصوات التى إتخذت من حرية التعبير دابَّة تمتطيها لتزدري قيم المجتمع وتَعُضُّ الوئام والسلم المجتمعى بأنياب السوء لتبث سمومها القاتلة للأخلاق المروءة فى جسد الدولة السودانية لتقتلها ببطء وتقتل معها روح التسامح وتُسقط أوتادها المشدودة بالمحبة على دُسُر المودة .. ولكن لن يسقط بنيان الوطن على الجميع كما تتمنى وتسعى لهذا الأمر تلك الدويلة ، ولن يسقط أحد من أهل السودان الكرماء في إمتحان الوطنية ، فبلادنا ليست للبيع ولا للمزايدات الإقليمية والدولية التى تُريد أن تُعاقب النازف مِنَّا على نزيفه والمجروح مِنَّا على جراحه ..!!
حفظ الله بلادنا وأهلها من ألسنة السوء ومن دعاة الفتنة .

الجمعة 10 أبريل 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!