الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

هاكثون نفير… ملامح السودان القادم

د. محمد عبدالرحيم يسن



شهدت خلال الأيام الماضية أمسية استثنائية حملت الكثير من المعاني والدلالات، جمعت أكثر من مائة وسبعين من المتخصصين والمهتمين بتقنية المعلومات من أجيال متعاقبة، اجتمعوا حول توظيف التقنية والمعرفة للمساهمة في بناء مستقبل أفضل للسودان.
الأمسية جاءت تتويجا لجهد كبير قادته منظمة أثر نفير، التي قدمت نموذجا ملهما للعمل الوطني القائم على المبادرة والتطوع والتعاون. ويستحق المهندس أنور قسم الله، مؤسس المنظمة ، كل التقدير على هذه الفكرة الطموحة التي نجحت في جمع العقول والخبرات حول مشروع وطني واعد. كما تستحق الدكتورة مي شاكر مدير مشروع الهاكثون وقادة الفرق التنظيمية الإشادة على ما بذلوه من جهد في التخطيط والتنظيم والمتابعة، حتى خرجت الفعالية بهذا المستوى المتميز.
وكذلك الشكر والإشادة بالمهندس راشد نمر، الذي قدم لي الدعوة، ولعب دورا بارزا في حشد العقول ومنح الفرص لمداخلات من علماء بلادي.
ما شاهدته خلال الأمسية يفوق الخيال إذا ما وضعنا في الاعتبار حجم التحديات التي يمر بها السودان. فقد ظهرت نماذج مشرقة من الشباب والخبراء والمتخصصين يعملون بروح الفريق الواحد، ويقدمون حلولا عملية لقضايا تمس حياة المواطنين ومستقبل البلاد.
وقد ركز الهاكثون على أربعة مسارات رئيسية شملت التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات المالية، وهي قطاعات تمثل ركائز مهمة في مسيرة التعافي والتنمية وإعادة الإعمار الرقمي. وقد شهدت هذه المسارات منافسة متميزة بين الفرق المشاركة، أسفرت عن اختيار مشروع متأهل من كل مسار إلى المرحلة النهائية.
وفي ختام المنافسة توج مشروع “مدرستي” بجائزة أفضل مشروع في الهاكثون، وهو مشروع لامس جوهر وأساس البناء والاعمار هو التعليم، بوصفه المدخل الحقيقي لبناء المستقبل. كما قدمت بقية الفرق مشروعات جديرة بالاهتمام في مجالات الصحة والخدمات المالية والبنية التحتية، وأظهرت مستوى متقدما من المعرفة للتحديات الوطنية والقدرة على تحويل الأفكار إلى نماذج قابلة للتطوير.
ومن خلال استعراض المشروعات المشاركة، برزت حقيقة مهمة مفادها أن السودان لا يعاني من نقص في الأفكار أو الكفاءات، بل يحتاج إلى بيئة تمكن هذه الطاقات من التحول إلى مشروعات حقيقية على أرض الواقع.
ومن هنا تبرز أهمية المرحلة التالية، فقيمة الهاكثون لا تكمن في إعلان الفائزين أو توزيع الجوائز رغم اهميتها، إنما في احتضان وتبني هذه المبادرات وتحويلها إلى تطبيقات وخدمات يستفيد منها المواطنون.
لماذا لا تتبنى وزارة التربية والتعليم مشروع “مدرستي” وتعمل على تطويره ليصبح منصة وطنية تخدم الطلاب والمعلمين؟ ولماذا لا تجد المشروعات الصحية طريقها إلى مؤسسات القطاع الصحي لتطويرها والاستفادة منها؟ ولماذا لا تحظى مشروعات البنية التحتية والخدمات المالية بفرص مماثلة للتطبيق والتوسع؟
ما خرجت به من هذه الأمسية يتجاوز الإعجاب بالتنظيم أو جودة العروض. خرجت بقناعة أن السودان ما زال يملك ثروة هائلة من العقول والكفاءات القادرة على صناعة المستقبل. ورغم الجراح التي خلفتها الحرب، فإن ما رأيناه يؤكد أن الأمل ما زال حاضرا، وأن الطريق نحو التعافي والبناء يبدأ بفكرة، ثم بفريق مؤمن بها، ثم بمؤسسات تمنحها فرصة التحول إلى واقع.
هاكثون نفير فعالية تقنية، ورسالة بأن السودان قادر على النهوض من جديد، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان والمعرفة والإبداع.
٣ يونيو ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!