الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

معركة الداخل: لماذا لا يمكن للحرب أن تكون مبررًا لتعليق حياة المواطن؟

محمد الحاج

في خضمّ الحرب الدائرة في السودان، تتجه الأنظار نحو ميادين القتال وخطوط المواجهة، بينما يغيب عن المشهد سؤال أكثر جوهرية يتعلق بحياة المواطن اليومية. فالحرب لا تُقاس فقط بميزان الانتصارات العسكرية، بل بقدرة الدولة على حماية الناس وتأمين احتياجاتهم الأساسية. وما يجري اليوم يكشف أن الاستهداف لم يكن موجّهًا نحو المواقع العسكرية وحدها، بل طال البنية التحتية وكل ما يرتبط باستقرار المواطن، الأمر الذي يجعل معركة الداخل جزءًا أصيلًا من معركة الدفاع عن السيادة.

لقد أصبح واضحًا أن تجاهل مطالب الداخل تحت ذريعة استمرار الحرب يمثل انصرافية سياسية تُضعف الجبهة الداخلية. فهناك ثلاثة ملفات لا يمكن تأجيلها أو التعامل معها كقضايا ثانوية: الكهرباء، الصحة، والتعليم. هذه ليست خدمات رفاهية، بل هي أساس الأمن القومي، وهي التي تحدد قدرة المواطن على الصمود، وقدرة الدولة على الاستمرار. فكيف يمكن الحديث عن استقرار بينما يعيش الناس في ظلام، أو يفتقرون إلى دواء، أو يُحرم أبناؤهم من التعليم.

إن التجربة أثبتت أن أي جهد حقيقي لإعادة الخدمات الأساسية يترك أثرًا مباشرًا على الأرض، كما ظهر في عمل لجنة العودة الطوعية برئاسة الفريق جابر. ورغم الانتقادات التي وُجّهت إليها، فإن النتائج الملموسة كانت واضحة، وهو ما يطرح تساؤلات حول أسباب إيقافها. المطلوب اليوم ليس لجانًا شكلية، بل إعادة تفعيل هذه اللجنة، وتوسيع صلاحياتها، وإعادة هيكلتها لتصبح لجنة اتحادية–ولائية تعمل على مستوى السودان كله، وتخضع لرقابة دقيقة تمنع الفساد وتضمن الشفافية. فإدارة هذه الملفات لا تحتمل المجاملة ولا البيروقراطية، بل تحتاج إلى كفاءات تُدرك حساسية المرحلة وتتعامل معها بجدية.

إن الثقة بين الشعب وقيادته ليست شعارًا سياسيًا، بل رصيدًا وطنيًا يتعزّز حين يشعر المواطن بأن الدولة تقف معه وتضع احتياجاته في مقدمة أولوياتها. وهذه الثقة، رغم الظروف، ما تزال قائمة وتتقوّى، لكنها ليست ضمانة دائمة. فالتأجيل المستمر للملفات الحيوية سيُفسَّر بالضرورة على أنه سير عكس التيار الشعبي، وسيُضعف الجبهة الداخلية التي تُعدّ الركيزة الأولى لأي انتصار عسكري أو سياسي.

الحرب ليست مبررًا لتعليق حياة الناس، بل هي سبب إضافي لتقوية الداخل. والدولة التي تنتصر في الحرب هي تلك التي تنتصر أولًا في معركة الخدمات الأساسية، وفي معركة الثقة، وفي معركة إعادة بناء ما تهدّم. وما لم تُعاد هذه الأولويات إلى موقعها الطبيعي، فإن الفجوة بين المواطن والدولة ستتسع، مهما كانت الشعارات المرفوعة فهل من آذان صاغية تبادر بسماع هذه المطالب من اجل مصلحة الوطن.
٢٣ مايو ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!