“مراجعات فوكوياما الثلاثون: لماذالم تعد الليبرالية قدر البشر الأخير؟” (من “نهاية التاريخ” إلى “عودة الاستياء” — كيف فكك ترامب أطروحة الديمقراطية الحتمية)

في عام 1992م بشّر فرانسيس فوكوياما العالم بـ”نهاية التاريخ”: الليبرالية الديمقراطية هي المحطة الأخيرة للبشر، قدر لا مفر منه. بعد ثلاثين عاماً، وفي مقدمة الطبعة الجديدة لكتابه، عاد ليعلن العكس: “كنت مخطئاً”. الليبرالية لم تكن حتمية، بل إنجاز هش يحتاج صيانة دائمة. ما بين “نهاية التاريخ” و”عودة الاستياء” يقف اسم واحد: دونالد ترامب. لم يهزم الليبرالية شيوعية أو إسلام سياسي، بل قتلها رئيس أمريكي سلح غضب الداخل وحوّل الدولة إلى ولاء شخصي. هذه هي مراجعات فوكوياما الثلاثون: تشريح لانتحار الديمقراطية من داخل البيت الأبيض.
“من الحتمية إلى الهشاشة”
إعتراف فوكوياما لم يأتِ فجأة. في كتابه “الهوية” عام 2018 حدد الجين الجديد للإنهيار: الديمقراطية لا تسقطها أيديولوجيا خارجية، بل يقتلها “إستياء الداخل”. طبقة وسطى بيضاء فقدت المكانة بفعل العولمة والهجرة والتغيير الثقافي، فبحثت عن إعتراف. ترامب لم يخترع الغضب، لكنه سلحه وحوله إلى مشروع سياسي. وهنا انهارت فرضية “الإنسان الأخير” الراضي بالإعتراف العقلاني. عاد الإنسان الغاضب، قبلي الولاء للزعيم، المتعطش للثأر.
شخصنة الدولة وتسليح الكذب
في “الليبرالية وأعداؤها” 2022 يصف فوكوياما ترامب بأنه “تهديد فريد لأنه أول رئيس يرفض شرعية الانتخابات… سعى إلى شخصنة الدولة، محولاً المؤسسات العامة إلى أدوات لإرادته”. الليبرالية تفترض دولة محايدة قوية. ترامب فككها وحولها إلى شركة عائلية وأحاط نفسه بزمرة موالين. ويعترف فوكوياما أن الليبرالية ماتت سريريا في أمريكا. العدو ليس الإسلام ولا الصين؛ بل “النيو ليبرالية المتطرفة” التي دمرت الطبقة الوسطى و”اليسار الهوياتي” الذي فتت المجتمع. في Foreign Affairs يناير 2024 يحذر: “الولاية الثانية ستكون أخطر لأنها ستفكك الدولة الإدارية”. “الصين لا تحتاج تهزم أمريكا عسكريا؛ يكفي ان تثبت أن النموذج السلطوي يحقق نتائج أفضل من الفوضى الديمقراطية في عهد ترامب”. أما السلاح الأخطر فهو الكذب، كل تغريدة فوضوية لترامب هي دعاية مجانية للحزب الشيوعي. في ستانفورد مارس 2025 قال: “في كل مرة يهاجم ترامب المحاكم أو الصحافة، فإن الكذب المنهجي يدمر الثقة الإجتماعية التي هي وقود الديمقراطية.
هدية مجانية للصين وإيران..
فوكوياما لا يرى الصين عدواً عسكرياً. الخطر أن أمريكا تجرد نفسها من الشرعية. عن الصين كتب: “استجابة ترامب غير الكفؤة لفيروس “كوفيد” والإنسحاب من المؤسسات الدولية، والشعبية كسياسة كانت هبة من السماء للدعاية الصينية”. حربه التجارية عزلت أمريكا لا الصين. عن إيران كان أوضح: “الإنسحاب من الإتفاق النووي دون خطة بديلة كان أحد أكبر الأخطاء الإستراتيجية. حرر إيران من القيود ودمر مصداقية أمريكا مع أوروبا”. النتيجة: إيران أقرب للقنبلة، وكل صاروخ حوثي فاتورة يدفعها النظام الليبرالي.
“روما تموت من الداخل”
تشبيه فوكوياما الأخطر جاء في مجلة Der Spiegel عام 2024: “البرابرة لم يسقطوا روما، بل دخلوا مدينة كانت ميتة أصلاً”. ترامب لا يعمل لحساب الصين. يعمل لحساب ترامب. “التاريخ عاد وبانتقام” لأننا توهمنا أن الليبرالية لا تحتاج صيانة. خلاصته: “التهديد الأخطر لليبرالية لا يأتي من الخصوم الخارجيين، بل من المواطنين الغاضبين. ترامب سلح هذا الغضب”.
نهاية التاريخ لم تكن كذبة، كانت تحذيراً مبكراً. تجاهلناه. فاتورة الإهمال ندفعها الآن. إذا استمر تفكيك المؤسسات وتحويل الكذب إلى عقيدة حكم، فلن تحتاج أمريكا لعدو خارجي. ستنهار تحت ثقل الولاء الشخصي. والصين وإيران؟ فقط ستملأ الفراغ.
٢٦ مايو ٢٠٢٦م التاسع من ذي الحجة






