
الواثق كمير
kameir@yahoo.co,
تورونتو، 17 أبريل 2026
لعل أهم ما يستحق التوقف عنده بعد مؤتمر برلين ليس مجرد صدور نداء مشترك، وإنما ما يكشفه ذلك عن دور الخماسية التي أوكل إليها تنظيم وإدارة الندوة السياسية المدنية، أي المسار الثالث للمؤتمر. فمن هذه الزاوية، يبدو أن الخماسية نجحت في الوصول إلى صيغة نصية مشتركة تمنح المؤتمر حصيلة سياسية قابلة للعرض. بل إن ذلك لم يكن خافياً حتى على بعض المشاركين أنفسهم، إذ بدا أن الجهد كان موجهاً، في المقام الأول، نحو التوصل إلى نداء مشترك، أكثر من كونه سعياً لبناء توافق سياسي واسع بين الفرقاء السودانيين.
فصحيح أن هناك نداءً مشتركاً من المشاركين، لكن الصحيح أيضاً أن مسودة هذا النداء أعدتها الخماسية سلفاً، وجرى النقاش حولها في الاجتماع التحضيري بأديس أبابا قبل المؤتمر، ثم تم اعتمادها بصيغتها النهائية في برلين، من دون توقيع المشاركين عليها.
وهذا لا يعيب النداء في ذاته، لكنه يوضح طبيعته وحدوده. فالنداء يعبر عن حد أدنى من الاتفاق حول عناوين كبرى: وقف الحرب، حماية المدنيين، تسهيل المساعدات، والدفع نحو عملية سياسية ذات ملكية سودانية. أما المبالغة في تقديمه بوصفه مؤشراً على تقارب سياسي أوسع، فهي قراءة تتجاوز ما يسمح به السياق الفعلي الذي خرج منه.
فالمشكلة الأساسية ما تزال كما هي: الخلافات الجوهرية التي تعوق التوافق لم تختفِ، ولم تُحل، ولم تُبحث بالقدر الكافي. فما يزال هناك تباعد واضح في المواقف من الدعم السريع، ومن الجيش، ومن قيادة الجيش، ومن الإسلاميين، ومن دور المجتمعين الإقليمي والدولي. وهذه ليست خلافات ثانوية يمكن تجاوزها بنداء حسن الصياغة، بل هي مكامن الخلاف الحقيقية التي تمنع الوصول إلى أرضية مشتركة.
وهنا يظهر جوهر الخلل في منهج الخماسية. فهي، مثلها مثل كثير من الوسطاء الدوليين، تميل إلى البحث عن صيغة قابلة للتقديم قبل التفرغ لمعالجة الأزمة نفسها. أي أنها تركض سريعاً إلى محاولة إنتاج نداء جامع أو نص مشترك، قبل أن تشتغل بما يكفي على تفكيك الخلافات التي تجعل مثل هذا التوافق هشاً أو محدود الأثر. ولذلك تنجح أحياناً في إنتاج وثائق، لكنها لا تنجح بالقدر نفسه في تهيئة الشروط السياسية التي تسمح بتحويل هذه الوثائق إلى خطوات ذات معنى.
ومن هنا، فإن المطلوب من الخماسية الآن ليس مجرد البناء على نداء برلين بوصفه نجاحاً مكتفياً بذاته، بل مراجعة المنهج نفسه. فبدلاً من الاستعجال في البحث عن مشتركات سريعة، الأجدى أن تنتقل إلى مقاربة أهدأ وأعمق، تبدأ من تحرير نقاط الخلاف الحقيقية ووضعها على الطاولة. وفي تقديري، فإن المدخل الأجدى هو أن تُعد الخماسية أولاً ورقة مفاهيم متماسكة (concept note) تحدد بدقة أهداف المشاورات، وطبيعة القضايا المطلوب بحثها، والمنهج المقترح لإدارتها، ثم تشارك هذه الورقة مسبقاً مع قيادات القوى والكتل السياسية السودانية، لأخذ ملاحظاتهم عليها وبناء حد أدنى من التفاهم حولها، قبل الانتقال إلى أي لقاءات أو ورش عمل.
بعد ذلك، يمكن تنظيم جلسات عمل حوارية وورش موضوعية متدرجة، يشارك فيها أوسع طيف ممكن من القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، على أن تُخصص كل ورشة لقضية من القضايا الخمس الأساسية محل الخلاف: الدعم السريع، الجيش، قيادة الجيش، الإسلاميون، ودور المجتمعين الإقليمي والدولي. والمقصود هنا ليس الوصول السريع إلى اتفاقات جاهزة، بل فهم طبيعة الخلاف وتنظيمه، وتحديد أين تبدأ إمكانات التقارب وأين تتعذر.
وهنا يفيد البناء على تجربة مؤتمر القاهرة 2024، لا استنساخها حرفياً. فبحسب ما أوضحتَ، كان مؤتمر القاهرة أوسع تمثيلاً وأشمل حضوراً للطيف السياسي السوداني، إذ شارك فيه رؤساء أحزاب وقيادات كتل سياسية من الصف الأول، بل وحضر فيه أيضاً من يُحسبون على التيار الإسلامي بأشكال مختلفة. وبغض النظر عن الطريقة التي خرج بها بيانه الختامي، فإن درسه الأهم هو أن أي محاولة لاختراق سياسي جاد تحتاج إلى إشراك القيادات العليا للقوى والكتل السياسية، لا الاكتفاء بتمثيل محدود أو جزئي.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو التنسيق مع مصر مجرد اقتراح إضافي، بل خياراً عملياً له ما يبرره. فقبول قيادات الصف الأول دعوة الحكومة المصرية إلى مؤتمر القاهرة يدل بوضوح على أن مصر تتمتع بقدر معتبر من القبول كوسيط أو كمضيف لمثل هذه المشاورات. يضاف إلى ذلك أن الخماسية نفسها، ورئيسها، يجرون مشاورات منتظمة في القاهرة، وأن القاهرة تحتضن مقر جامعة الدول العربية، وهي أحد مكونات الخماسية، كما أنها ظلت ساحة لعقد اجتماعات مباشرة وافتراضية مع القوى السياسية السودانية. ولذلك فإن البناء على هذا المسار، والتنسيق مع مصر للاستفادة من قدرتها المثبتة على جمع قيادات الصف الأول، يبدو أجدى من البدء من الصفر في كل اجتماع جديد.
وعلى هذا الأساس، فإن الوصف الأدق لمؤتمر برلين هو أنه وفر منصة داعمة ضمن مسار أوسع، وأنتج نداءً مشتركاً يمكن البناء عليه من حيث المبدأ، لكنه لم يحسم، بطبيعة الحال، الخلافات التي ما تزال تعطل أي تقارب سياسي جاد بين الفرقاء السودانيين.
ولعل من اللافت أيضاً أن المؤتمر انتهى إلى ثلاثة بيانات متوازية: بيان للجهات المنظمة، وبيان للخماسية، ونداء للمشاركين. وفي حد ذاته، قد لا يكون تعدد البيانات أمراً غير مألوف في مثل هذه الفعاليات متعددة المسارات، لكنه في هذه الحالة يعكس، على الأقل، تعدد مستويات الخطاب والتمثيل، ويشير إلى أن المؤتمر لم ينتج مخرجاً سياسياً واحداً واضحاً ومتماسكاً بقدر ما انتهى إلى صيغ متوازية، لكل منها وظيفتها وحدودها.
ويعزز هذا الانطباع أيضاً ما تردد عن أن اجتماع وزراء الخارجية، وهو أحد المسارات الثلاثة الأساسية للمؤتمر، كان بدوره بصدد إصدار بيان مشترك، لكنه تعثر بسبب خلافات بين الدول المشاركة، خاصة بين السعودية والإمارات، حول الإشارة إلى مؤسسات الدولة السودانية. وهذه نقطة لها دلالتها، لأنها تكشف أن التباين لم يكن قائماً فقط بين القوى السياسية السودانية، بل امتد أيضاً إلى الأطراف الخارجية المعنية بالملف. وبذلك، فإن مؤتمر برلين لم يعكس فقط حدود التوافق بين الفرقاء السودانيين، بل كشف كذلك حدود التفاهم بين بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين أنفسهم حول مقاربة الحرب ومآلاتها.
الخاتمة
خرج مؤتمر برلين بما أرادته الخماسية ومنظموه: نداءً مشتركاً يمنح المؤتمر قيمة سياسية ومعنوية لا يمكن إنكارها. غير أن القيمة الحقيقية لأي جهد لاحق لن تتحدد بقدرة الخماسية على إنتاج نصوص جديدة، بل بقدرتها على تغيير منهجها في التعامل مع الانقسام السوداني. فالسودان لا يحتاج، في هذه اللحظة، إلى مزيد من الصيغ العامة بقدر ما يحتاج إلى عمل صبور ومنظم على جوهر الخلافات التي تمنع التوافق. وإذا أرادت الخماسية أن تبني على ما تحقق في برلين بصورة مفيدة، فإن الخطوة التالية الأجدى ليست التعجل في البحث عن نداء آخر، بل الانتقال إلى مشاورات أوسع، أكثر تمثيلاً، وأوضح منهجاً، تضع القضايا الخمس الخلافية في صدارة النقاش، وتتعامل معها بوصفها المدخل الضروري لأي حوار سوداني جاد وذي معنى.



