الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

لقاء مالك عقار وآبي أحمد: احتواء التوتر أم إعادة تموضع إقليمي!؟

السفير د. معاوية التوم


في توقيت بالغ الحساسية، جاء اللقاء الذي جمع الفريق مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة، برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في جيبوتي، برعاية جيبوتية، ليعكس حجم القلق السوداني والإقليمي من انزلاق التوتر السوداني الإثيوبي نحو مرحلة أكثر خطورة، خاصة بعد تصاعد الهجمات بالمسيرات على مطار الخرطوم، وتطور العمليات العسكرية في محور النيل الأزرق والكرمك، وتزايد الحديث عن انفتاح إثيوبي على قوات الدعم السريع المتمردة وتمركزهم على الحدود الاثيوبية، تحت تأثير حسابات وضغوط إقليمية متشابكة.
فاللقاء لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تواصل دبلوماسي عابر، بل يمثل محاولة استباقية لمنع انتقال الحرب السودانية إلى مستوى المواجهة الحدودية المباشرة، أو تحول الجبهة الشرقية إلى ساحة اشتباك إقليمي مفتوح تتقاطع فيه المصالح الأمنية والعسكرية لدول القرن الإفريقي، والسودان يحرص على جواره رغم التبعات المثقلة من واقع الحرب وبعض دول الجوار ومشاركتها. في تاجيج الحرب.

الجبهة الشرقية… من الهامش إلى مركز التهديد
خلال الأشهر الماضية، ظلت الأنظار مركزة على الخرطوم ودارفور وكردفان، لكن التطورات الأخيرة في الكرمك ومحيط النيل الأزرق أعادت الجبهة الشرقية إلى واجهة المشهد العسكري. فهذه المنطقة ليست مجرد نطاق حدودي، وإنما عقدة استراتيجية تربط السودان بعمقه الإفريقي الشرقي، وتفتح على إثيوبيا وجنوب السودان وممرات حركة شديدة الحساسية.
واستعادة الجيش السوداني لمناطق مثل الكيلي حملت رسالة مزدوجة: الأولى داخلية تتعلق بإثبات قدرة الدولة على استعادة السيطرة؛ والثانية إقليمية مفادها أن الخرطوم تنظر بجدية متزايدة إلى ملف الحدود والتحركات العابرة لها، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من استخدام بعض المسارات الحدودية في الإمداد أو الدعم اللوجستي. الي جانب التصريحات الأمريكية على لسان روبيو، وما حملت من اشارات، في انخراط المليشيات في القتال وبعض دول الاقليمي والبعد الخارجي في الصراع، وما كشفته جامعة ييل الاميركية عن انطلاق المسيرات من العمق الاثيوبي باتجاه السودان.
ومن هنا يصبح لقاء جيبوتي جزءاً من محاولة احتواء مبكر لمسار تصعيدي قد يقود إلى احتكاكات أوسع، خاصة في ظل تنامي الشكوك السودانية تجاه بعض التحركات الإثيوبية الأخيرة.

إثيوبيا بين أزماتها الداخلية وحسابات الإقليم
لا يمكن فهم السلوك الإثيوبي دون النظر إلى تعقيدات الداخل الإثيوبي نفسه. فحكومة آبي أحمد تواجه تحديات مركبة تشمل توترات قومية وإثنية، وضغوطاً اقتصادية، واحتقاناً أمنياً في أكثر من إقليم، إلى جانب استمرار آثار حرب تيغراي وتداعيات إعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة الفيدرالية.
في هذا السياق، تنظر أديس أبابا إلى الحرب السودانية من زاويتين متداخلتين:
• الأولى أمنية، ترتبط بالخوف من انتقال الفوضى إلى حدودها الغربية.
• والثانية استراتيجية، تتعلق بالسعي للحفاظ على نفوذها الإقليمي ومنع تشكل ترتيبات سودانية قد تعيد إنتاج اصطفافات تعتبرها إثيوبيا غير مواتية لمصالحها.
كما أن الانفتاح الإثيوبي – ولو بصورة غير مباشرة أو غير معلنة – على قنوات مرتبطة بالدعم السريع، يُقرأ في الخرطوم باعتباره محاولة لاستخدام الورقة السودانية ضمن لعبة التوازنات الإقليمية، خاصة في ظل وجود أطراف إقليمية كالامارات، تسعى إلى توسيع شبكة نفوذها في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

جيبوتي والإيغاد… محاولة لإعادة ضبط الإقليم
ورغم أن السودان ما يزال عملياً في حالة انسحاب وتجميد لتفاعله مع الهيئة الحكومية للتنمية، فإن انعقاد اللقاء في جيبوتي يمنح الخطوة بعداً إقليمياً يتجاوز الإطار الثنائي بين الخرطوم وأديس أبابا. فجيبوتي ليست مجرد وسيط جغرافي، بل تمثل إحدى الدول المحورية داخل منظومة الإيغاد، ما يعني أن اللقاء حمل بصورة غير مباشرة “ثقل الإقليم” ومحاولة إعادة إدخال الأزمة السودانية ضمن مسار احتواء إقليمي منظم، حتى في ظل الفتور القائم بين السودان والمنظمة.
كما يعكس هذا التحرك إدراكاً متزايداً داخل دوائر القرن الإفريقي بأن استمرار القطيعة بين الخرطوم والإيغاد يترك فراغاً سياسياً وأمنياً خطيراً، ويحد من قدرة المنظمة على إدارة التوترات المتصاعدة على حدود السودان الشرقية والجنوبية، مقارنة بدؤها السابق في تحقيق السلام بين شطري السودان. ولذلك يمكن النظر إلى لقاء جيبوتي باعتباره محاولة “خفض توتر مؤقتة” تمهد ربما لإعادة فتح قنوات تواصل غير مباشرة بين السودان وبعض مؤسسات الإقليم، دون أن يعني ذلك بالضرورة عودة كاملة أو سريعة إلى مسارات الإيغاد التقليدية، ولكن بالقطع سيكون له ما بعده.
والأهم أن الإيغاد، رغم ما تعرضت له من انتقادات سودانية حادة خلال الحرب، ما تزال تمثل الإطار الإقليمي الأكثر التصاقاً بتوازنات القرن الإفريقي، وبالتالي فإن أي تحرك يتم تحت مظلة أو رعاية إحدى دولها المؤثرة يحمل في طياته رسالة بأن الإقليم لا يريد رؤية السودان وإثيوبيا ينتقلان من مرحلة التنافس الحذر إلى مرحلة المواجهة المفتوحة.

هل تخشى المنطقة من حرب حدودية؟
الإجابة المختصرة: نعم.
فالتداخل بين ملف الفشقة، وسد النهضة، والحرب السودانية، والتحالفات الإقليمية الجديدة، خلق بيئة شديدة القابلية للانفجار. وأي تصعيد غير محسوب في النيل الأزرق أو الكرمك قد يتحول سريعاً من اشتباك ميداني محدود إلى أزمة سياسية وأمنية بين دولتين تمتلكان تاريخاً معقداً من التوترات الحدودية.
كما أن استخدام المسيّرات وتوسع الحرب نحو البنى التحتية والمطارات يرفع منسوب القلق الإقليمي، لأن هذا النوع من التصعيد يفتح الباب أمام اتهامات متبادلة بشأن مصادر الدعم والتكنولوجيا وخطوط الإمداد.
ومن هنا تبدو جيبوتي – بحكم موقعها وعلاقاتها المتوازنة – ووزن الرئيس قبلي، وكأنها تحاول لعب دور “صمام الأمان” لمنع انزلاق السودان وإثيوبيا إلى مواجهة مباشرة ستكون مكلفة للطرفين وللإقليم بأسره.
لماذا اختير مالك عقار تحديداً؟
يحمل اختيار مالك عقار دلالات مهمة. فهو ليس مجرد مسؤول سيادي، بل شخصية ذات امتداد سياسي وجغرافي في النيل الأزرق، ويمتلك معرفة دقيقة بطبيعة التفاعلات الحدودية والإثنية في المنطقة.
كما أن عقار، بحكم خلفيته في الحركة الشعبية وعلاقاته السابقة مع دوائر إقليمية، ومليشيا جوزيف توما ، يُنظر إليه كقناة أكثر قدرة على إدارة حوار أمني وسياسي داخل المنطقة و مع إثيوبيا، بعيداً عن لغة التصعيد المباشر.
وهذا يعكس إدراكاً سودانياً بأن إدارة العلاقة مع أديس أبابا في هذه المرحلة تحتاج إلى مزيج من الحزم الأمني والمرونة السياسية، خصوصاً في ظل هشاشة الإقليم وتشابك الملفات.

هل تنجح هذه الخطوة في منع المواجهة؟
اللقاء قد ينجح في تخفيف التوتر ومنع الانزلاق الفوري نحو التصعيد، لكنه لن يكون كافياً وحده لمعالجة جذور الأزمة. فالعلاقة السودانية الإثيوبية باتت محكومة بثلاثة مستويات متداخلة:
• تنافس جيوسياسي على النفوذ الإقليمي.
• هواجس أمن حدودي متبادل.
• تأثير متزايد لأطراف إقليمية ودولية على حسابات البلدين.
لذلك فإن منع المواجهة يتطلب أكثر من لقاءات بروتوكولية؛ يحتاج إلى تفاهمات أمنية واضحة، وضبط للحدود، ووقف أي انخراط غير مباشر في الحرب السودانية، إلى جانب إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة السياسية بين الخرطوم وأديس أبابا.

ما بعد جيبوتي
الأرجح أن المنطقة تدخل مرحلة “إدارة التوتر” لا إنهائه. فكل الأطراف تدرك أن الانفجار الشامل ليس في مصلحة أحد، لكن في المقابل لا تزال أسباب التوتر قائمة، بل وتتزايد مع استمرار الحرب السودانية واتساع تشابكاتها الإقليمية.
وعليه، فإن لقاء جيبوتي يمكن اعتباره محاولة لشراء الوقت ومنع التصادم المباشر، أكثر من كونه تسوية حقيقية للخلافات. لكنه مع ذلك يظل مؤشراً مهماً على أن خطر انتقال الحرب السودانية إلى محيطها الإقليمي بات هاجساً حقيقياً لدى عواصم القرن الإفريقي، وأن الجبهة الشرقية قد تصبح في المرحلة المقبلة إحدى أكثر ساحات الصراع حساسية وتأثيراً في مستقبل السودان والمنطقة، في سياق صراع النفوذ والإرادات فيها.
—————
١١ مايو ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!