الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

وظائف الغد: بين الاختفاء والتشكل

ما الوظائف التي يولدها الذكاء الاصطناعي؟.

د. محمد عبدالرحيم يسن





(٥/٣)

مع كل تحول تقني كبير، تظهر وظائف جديدة لم تكن معروفة من قبل. الذكاء الاصطناعي فتح مجالات مهنية جديدة بدأت تتشكل داخل قطاعات متعددة.
قبل سنوات، لم يكن أحد يتحدث عن وظيفة مثل “مهندس الأوامر الذكية”. اليوم تبحث شركات عالمية عن أشخاص يجيدون التعامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر صياغة الأسئلة والتعليمات بطريقة تقود إلى نتائج دقيقة وفعالة. طريقة السؤال نفسها أصبحت مهارة مطلوبة.
في المجال الطبي، بدأت تظهر وظائف مرتبطة بمراجعة وتحليل نتائج الأنظمة الذكية، بعض المستشفيات تستخدم أنظمة تساعد في قراءة صور الأشعة وتحليل المؤشرات الأولية، ويظهر دور جديد يجمع بين المعرفة الطبية وفهم أدوات الذكاء الاصطناعي.
في التعليم، تتشكل أدوار مختلفة، المنصات الذكية أصبحت قادرة على شرح الدروس حسب مستوى كل طالب، وهو ما يدفع المعلم نحو دور يقوم على التوجيه والمتابعة ومعالجة الفجوات التعليمية. وظيفة المعلم لا تختفي، وإنما تتغير طبيعتها.
في القطاع القانوني، بدأت بعض المكاتب تستخدم أنظمة تراجع آلاف الصفحات خلال دقائق، ما خلق حاجة إلى متخصصين يراجعون مخرجات الأنظمة ويتأكدون من سلامتها القانونية.
الزراعة تقدم مثالا آخر. بعض المزارع الحديثة تستخدم طائرات صغيرة لمراقبة المحاصيل وتحليل التربة وتقدير الاحتياج المائي، وهو ما أوجد وظائف مرتبطة بتحليل البيانات الزراعية وتشغيل الأنظمة الذكية وصيانتها.
حتى في المجالات اليومية، بدأت تظهر وظائف لم تكن مألوفة. شركات التجارة الإلكترونية تحتاج إلى محللي بيانات لفهم سلوك العملاء. شركات الاتصالات تحتاج إلى متخصصين يديرون الأنظمة الذكية التي تتوقع الأعطال قبل حدوثها. المصارف تتوسع في توظيف خبراء يكشفون عمليات الاحتيال عبر تحليل الأنماط الرقمية.
ومع توسع الذكاء الاصطناعي عالميا، برز قطاع مراكز البيانات كأحد أكثر القطاعات نموا. هذه المراكز تمثل البنية التي تعمل عليها الأنظمة الذكية وتحفظ داخلها البيانات والخدمات الرقمية. توسع هذا القطاع أوجد وظائف في إدارة الخوادم، وأمن المعلومات، والطاقة والتبريد، وتشغيل الشبكات، إضافة إلى مهندسي البنية السحابية. بعض الدول أصبحت تنظر إلى مراكز البيانات باعتبارها جزءا من أمنها الاقتصادي والرقمي.
وفي جانب آخر، تتزايد الحاجة إلى متخصصين في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لمراجعة الأنظمة وتقليل التحيزات التي قد تنتج عنها.
في السودان، بدأت ملامح بعض هذه الوظائف بالظهور. التوسع في الدفع الإلكتروني والخدمات الرقمية خلق حاجة إلى مطوري تطبيقات، ومحللي بيانات، ومتخصصين في الأمن السيبراني، وفنيين لإدارة البنية الرقمية. كما أن أي توسع مستقبلي في مراكز البيانات والخدمات السحابية سيفتح الباب أمام وظائف تقنية جديدة ترتبط بالتشغيل والصيانة والحماية وإدارة البيانات.
هذا التحول يكشف أن الوظائف الجديدة لا تنشأ فقط داخل الشركات الكبرى، وإنما حول الاحتياجات الجديدة، وكلما تطورت الأنظمة، ازدادت الحاجة إلى الإنسان القادر على الاستيعاب والتحليل وربط التقنية بحياة الناس.
في الحلقة القادمة، نتناول المهارات التي ستصبح الأكثر قيمة في عصر الذكاء الاصطناعي، ولماذا تتغير أهمية بعض القدرات مع تغير شكل العمل.

١١ مايو ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!