الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

لعنة غرينلاند: عندما انكشف نفاق الإمبراطورية

السفير د. محمد يوسف حسن

لأشهر، كانت الرسالة من واشنطن إلى أوتاوا صارخة: “إياكم والصين”.
هوارد لوتنيك سخر من مارك كارني. صقور ترامب وصفوا تقارب كندا مع بكين بالخيانة للوحدة في أمريكا الشمالية. كل محادثة تجارية بين كارني والصين صُوّرت كحماقة استراتيجية.
القاعدة كانت واضحة: أمريكا تحتكر بكين. على الحلفاء أن يبقوا في الحديقة الخلفية.

ثم انقلبت المسرحية.
فجأة، هبطت الإدارة ذاتها في الصين. ليس بهدوء، بل تحت أضواء الكاميرات. إيلون ماسك، تيم كوك، جنسن هوانغ. موكب من المليارديرات يتسابق لفتح الأبواب التي حذّرت واشنطن حلفاءها من الاقتراب منها.
المشكلة؟ بعد كل هذا الاستعراض، لا شيء.
لا اختراق تحولي. لا اتفاقات تغير قواعد اللعبة. مجرد فرص تصوير ووعود فضفاضة.

وهنا انفجرت حالة النفاق على المسرح العالمي.
لأن كارني رئيس الوزراء الكندي فعلها قبل أشهر. بهدوء. بلا مواكب نصر. بلا ضجيج إعلامي. أمن انخراطاً تجارياً عملياً مع الصين. نتائج، لا مسرح.
منحت الصين لكارني ما رفضته لترامب: احترام وشروط عملية. منحت ترامب كاميرات فقط.
السؤال الذي يذبح واشنطن الآن: إذا كانت كندا ساذجة لعملها مع الصين، فلماذا تلهث إدارة ترامب لتحقيق الشيء نفسه؟
الجواب يكمن في “لعنة غرينلاند”. اللحظة التي حاول فيها ترامب شراء أرض دنماركية ذات سيادة عام 2019. لم تكن صفقة عقارية. كانت إعلاناً: “سيادة الحلفاء قابلة للتفاوض”.
تلك اللحظة كسرت العقد النفسي للغرب. الدنمارك، حليف الناتو، فهمت الرسالة. أوروبا فهمت أن أمريكا لم تعد زعيماً خيّراً، بل تاجر عقارات جشع.

كيف أصابته اللعنة؟
أولا: الحلفاء تعلموا الدرس. إذا كانت غرينلاند للبيع، فنحن جميعاً للبيع. كندا قررت ألا تكون التالية. بدأت “خطة ب”: تنويع اقتصادي مع أوروبا وآسيا، وشراكة دفاعية مع الهند. لم تعد تراهن على بقائها الاقتصادي على واشنطن وحدها. ثانيا: النفاق أسقط الهيبة. لا يمكنك أن تمنع حليفك من دخول غرفة، ثم تطرق بابها بنفسك أمام الكاميرات. العالم لاحظ. حتى أقرب الحلفاء لاحظوا أن أمريكا تريد احتكار الصين لنفسها، وتمنع الآخرين.
ثالثا: الأسلوب يصنع النتيجة. ترامب يحكم بالتهديدات الجمركية، والتراجعات المفاجئة، وحملات الضغط. الأسواق تترنح مع كل تغريدة. كارني يُنظر إليه كمتزن ومنضبط. الحكومات والمستثمرون يخططون على أساسه، لا على أساس ترامب.
هذه ليست مجرد منافسة تجارية. هذا إعادة اصطفاف جيوسياسي كبرى.
كندا لم تعد الولاية الاقتصادية التابعة. في عهد كارني، أوتاوا تقلل نفوذ واشنطن صفقة تلو الأخرى. الاستراتيجية التي سخر منها حلفاء ترامب، صاروا هم من يتوسلون للوصول إليها.
الصورة الأكثر ضرراً لأمريكا اليوم ليست في ساحات الحرب. هي في بكين: أمريكا تنتقد كندا لفتحها الأبواب… ثم تصل لاحقاً لتطلب الدعوة ذاتها.
هذه هي لعنة الإفراط. عندما يتحول الطموح الإمبراطوري إلى جشع مكشوف، يسقط القناع. الإمبراطورية لا تسقط بغزو خارجي. تسقط عندما يقتنع حلفاؤها أن البقاء معها أخطر من البقاء بدونها.

ترامب أراد إمبراطورية تحكم القارات. فأنتج أمريكا المعزولة.
وأصابته لعنة غرينلاند.

اترك رد

error: Content is protected !!