
1
قطع شرايين المليشيا هو الخطوة الأولى نحو تدميرها نهائيًا، ونحن على أبواب تلك المرحلة.. كيف؟ لنبدأ من الخبر الذي أذاعته وكالة رويترز أول امس ، والذي أكدت فيه أن باكستان تقترب من إبرام صفقة مع السودان بقيمة مليار وخمسمائة مليون دولار. هذا الخبر لا بد أن أبوظبي سرّبته لوكالة رويترز، التي تغطي أخبار الشرق الأوسط وآسيا من مقرها في دبي.
الصفقة الباكستانية تتضمن 10 طائرات هجومية خفيفة من طراز كراكورم-8، وأكثر من مئتي طائرة مسيّرة للاستطلاع والهجوم، ومقاتلات من طراز جي إف-17، التي جرى تطويرها بالتعاون مع الصين. وإذا قرأت عن هذه الطائرات، التي تُقارن بالرافال الفرنسية والإف-16 الأمريكية، ستدرك ماذا ينتظر المليشيا وأجهزة تشويشها.
سرّبت أبوظبي خبر الصفقة على لسان مغرّد أمريكي قبل يومين (باسم جنوب ألكسندر)، وهو الذي ادّعى أن السعودية هي من ستتولى تمويل صفقة السلاح المذكورة، رغم أن خبر رويترز المذكور لا يشير إلى الجهة التي ستدفع مبلغ المليار وخمسمائة مليون دولار!
لماذا هذا التسريب الآن؟
التسريب جاء في مناخ الحرب الجارية بين الرياض وأبوظبي، وكأن الإمارات تريد أن تقول إن الرياض أيضًا تتدخل في الحرب وتموّل أحد أطرافها، لعلها تخفف الاتهامات عنها وتنقل الضغط إلى السعودية. فكرة خبيثة لكنها غبية؛ إذ إن السعودية إذا كانت قد دعمت أو موّلت السودان، فهي تموّل حكومة معترفًا بها دوليًا، بينما أبوظبي تدعم مليشيا مجرمة ومتهمة بالإبادة الجماعية.
لكن لماذا هذا الانزعاج من هذه الصفقة بالذات؟
لأنها تأتي ضمن خطة عملية «تقطيع الشرايين» التي بدأت، وهنا سأحاول إلقاء الضوء عليها وتحليل أثرها.
2
بدأت العملية من الشمال، وتحديدًا من مصر، إذ ساهمت مصر، دون إعلان، في تحييد كثير من قوافل الإمداد العابرة من ليبيا إلى السودان. ومع تصاعد الحرب واقترابها من الحدود المصرية، وخاصة بعد سقوط الفاشر، تحولت الاستراتيجية المصرية كليًا، وأعلنت بوضوح أن خطوطها الحمراء هي تهديد الأمن القومي المصري، ووحدة الأراضي السودانية، ورفض تحركات المليشيا، ثم بدأت العمل.
عاجلًا، استُدعي حفتر الأب فى ديسمبر الماضى إلى القاهرة، وأُبلغ بوضوح أنه غير مسموح بتوفير إمداد للمليشيا انطلاقًا من ليبيا؛ لا أسلحة ولا بترول ولا مواد غذائية، ودُعي إلى إغلاق معسكر الكفرة. وبما أن حفتر يقع تحت الضغط الإماراتي (الكفيل)، لم يأبه لهذه التحذيرات.
فضاق صدر مصر، فاستدعت ابنه صدام، وحذّرته نهائيًا، وحمّلته مسؤولية أي خروقات أخرى. عندها أدرك حفتر أن الأمر جدّ هذه المرة، فتم تفريغ معسكر الكفرة، وبدأت عملية تحجيم الإمداد بالمواد البترولية للمليشيا.
ترصد الآن الأقمار الصناعية المصرية تحركات المليشيا والإمدادات من الحدود، إضافة إلى عمليات غير معلنة عملية قطع العصب، وهي العملية التي نشرت المخابرات المصرية عنها فيديو تحت اسم مستعار، لكنها توضح كيف تعمل مصر لحماية أمنها القومي.هكذا بدأ قطع الشريان الرئيسي من ليبيا.
3
شريان الحياة الآخر كان عبرؤؤ تشاد، وقاعدة أم جرس، ولكن لأن هذا الشريان قد كُشف باكرًا، خفّت حركته أو أصبحت محدودة وغير موثوق بها؛ لأن الاستخبارات السودانية أياديها طويلة داخل المجتمع التشادي وداخل الجيش والمخابرات التشادية، فأصبحت كل تحركات قوافل الإمداد مكشوفة زمانًا ومكانًا، وخاصة أن للقوات المشتركة وشائج لحم ودم مع أهل تشاد، وهنالك قبيلة الزغاوة، عظم ظهر الحكومة التشادية.
لم تعد الإمارات، المموّل الأول للمليشيا، تثق في سرية تحركاتها وإمداداتها عبر أم جرس، ولذا تحولت حركة الإمداد من العتاد والمرتزقة إلى ليبيا.
من ناحية أخرى، تكثفت المراقبة على مدخل أدري، وأصبحت القوافل العابرة تحت نظر استخبارات الجيش، الذي يتابع خط سيرها من الكاميرون وإنجمينا إلى الحدود، حتى بعد عبورها إلى الداخل، مع تحذير وأخذ تعهدات من المنظمات التي تتعامل مع المليشيا وتمدها بالإغاثة المخصصة للنازحين.
إضافة إلى أن إنجمينا لم تعد متحمسة للاستمرار في دعم المليشيا لسببين:
الأول يتعلق بالخذلان الذي حصدته من أبوظبي، التي وعدتهم بالأماني المليارية، ولكن وقت الدفع لم تفعل، وهكذا هي شيمتها: الغدر!
والسبب الثاني أن المعارضة التشادية، التي توحدت مؤخرًا، يمكن أن تشكل تهديدًا وجوديًا لحكم محمد كاكا إذا مدّ السودان يده لها في أي لحظة بعد انتهاء الحرب.
شريان آخر قُطع أو تيبّس بفعل المتغيرات والظروف والضغوط.
نواصل.



