
نائب رئيس تحرير ” الأسبوع ” المصرية
لعب الذهب في السودان دورًا اجتماعيًا فاعلًا أثناء الحرب، ونجح السودانيون في إنقاذ حياتهم ومعيشتهم من خلال تنشيط التكافل الاجتماعي وإحياء عادات التعاون والتألف عبر ما ينتجونه من هذا المعدن النفيس خاصة في إسعاف المحتاجين في مناطق النزوح أو اللجوء خارج السودان عبر رسائل مالية تعينهم على البقاء، والذهب في السودان أثناء هذه الحرب ليس مجرد معدن نفيس، بل هو الرصيد الأخلاقي والمالي، الذي حصن الكثير من الأسر السودانية من الإنهيار، وقد حل الإنتاج الشعبي من الذهب في كثيرًا من الأحيان بديلًا عن المؤسسات الرسمية التي عجزت عن تلبية احتياجات الأشخاص، ونجح السودانيون في تحويل الصحاري القاحلة إلى نوافذ للأمل تمنح الأسر النازحة واللاجئة أسبابًا للتمسك في الحياة وتحدي الذل والحاجة خاصة مع تقاعس المنظمات الدولية عن تقديم العون والمساعدة لهؤلاء المحتاجين.
ومنذ إعلان تمرد الدعم السريع على الجيش السوداني في 15 أبريل 2023، برز الذهب كأهم شبكة أمان اجتماعي واقتصادي للسودانيين، حيث لم يعد الذهب مجرد سلعة للمنافسة والتصدير، بل تحول إلى سبب من أسباب استمرار الحياة للأسر السودانية وملاذ أخير أنقذ الملايين من شبح الجوع والذل، ومما يذكر أن السودان يحتل المركز الثالث إفريقيًا بإنتاج 53 طن من الذهب للعام الماضي، وأنتج أكثر من 80% منها الشعب السوداني بأدواته البسيطة بعيدًا عن الشركات المتخصصة.
طرق شعبية لإنتاج الذهب
تعتمد عملية استخراج الذهب في السودان بشكل أساسي على التعدين الأهلي، الذي يساهم بنحو 75 إلى 80% من إجمالي الإنتاج الوطني، وتمر عملية الاستخراج بعدة مراحل تقنية شاقة، تبدأ باستخدام أجهزة كشف المعادن اليدوية مثل أجهزة «GPX»، حيث يمسح المعدنون المساحات الصحراوية بحثًا عن الإشارة التي تدل على وجود عروق الذهب، وكثيرًا ما يلجأ الباحثون عن الذهب إلى حفر أنفاق عميقة يدويًا أو باستخدام آليات بسيطة، حيث ينزل المعدنون لجمع الصخور المشبعة بالمعدن، وتُنقل هذه الصخور إلى «الكسارات» في الأسواق القريبة، حيث تُطحن لتتحول إلى مسحوق ناعم، ويُخلط المسحوق بالماء والزئبق في أحواض خشبية، حيث يتحد الزئبق مع جزيئات الذهب ويتم تسخين كتلة الزئبق والذهب لتطاير الزئبق وتبقى السبائك الخام التي تُباع في الأسواق المحلية.
تأثير الحرب على إنتاج الذهب
قبل اندلاع التمرد في 2023 لم تكن فئات كثيرة تلتحق بالعمل في التنقيب عن الذهب خاصة الفئات العليا كأساتذة الجامعات والمحامين والمعلمين، ولكن بعد انهيار المؤسسات التعليمية والرسمية في البلاد تسربت من تلك الفئات الكثير إلى مهنة استخراج الذهب لإنقاذ عوائلهم من الفقر والجوع، وهذا بدوره أدى إلى تطوير العملية الإنتاجية وأصبغ عليها الكثير من الحداثة والتنظيم بفعل تجديد العقول العاملة في هذا المجال، وكان من بين التغيرات أيضًا أن الحرب حولت العملية الإنتاجية إلى عملية قومية حيث تحركت مجموعات من أقصى غرب البلاد في دارفور إلى أقصى الشمال في الولاية الشمالية ونهر النيل للعمل في استخراج الذهب وقبل المجتمع السوداني الاحتضان المتبادل لجميع القبائل والأفراد للعمل في محليات استخراج الذهب، وهو ما كان مرفوضًا وغير متاح قبل اندلاع الحرب، فلم يعد التعدين حكرًا على سكان مناطق الذهب الشمالية ونهر النيل، بل أصبح يضم وافدين من دارفور، كردفان، والجزيرة، مما خلق نسيجًا اجتماعيًا تعدينيًا يتجاوز القبلية والجهوية، ويصنع نسيجًا واحدًا ضد تأثيرات الحرب على الأسرة السودانية.
تكافل عابر للدول
تحول الذهب إلى همزة الوصل القوية بين المنتج في الجبال والصحاري وأسرته في مناطق النزوح واللجوء خارج البلاد، وأصبح منتج الذهب العمود الفقري لاستمرار الأسرة السودانية لمواجهة البطالة وغياب فرص العمل وعدم وجود دخول ثابتة في مخيمات النزوح واللجوء، وتحول المُعدن الصغير إلى «وزير مالية» للعائلة، حيث يُحول الدخل اليومي أو الأسبوعي من الذهب فورًا عبر تطبيقات بنكية مثل «بنكك»، لتوفير إيجارات المنازل في ولايات النزوح التي تضاعفت أسعارها، وشراء المواد الغذائية والأدوية في ظل توقف سلاسل الإمداد.
ولولا عوائد الذهب، لما استطاعت آلاف الأسر السودانية عبور الحدود نحو مصر أو تشاد أو أوغندا، والذهب هو الذي دفع تكاليف تأشيرات الدخول المرتفعة في السوق السوداء، وتذاكر الطيران وتكاليف المعيشة الأولية في بلاد اللجوء، فالتحويلات الشهرية هي التي تضمن كرامة اللاجئ السوداني بعيدًا عن المعونات الدولية المحدودة.
حماية للكرامة وتوفير فرص عمل
وفي ظل الحرب، أصبح الذهب هو المحرر من الحاجة لعدة فئات بدلاً من التسول في مراكز الإيواء أو انتظار السلال الغذائية، وفر الذهب فرص عمل شريفة لآلاف الشباب النازحين، مما صان كرامتهم ومنع انخراطهم في العمليات العسكرية كمرتزقة مقابل المال، ودخلت فئات كانت تعيش تحت خط الفقر إلى دائرة الإنتاج، بضربة حظ واحدة، حيث تحولت أسر من العدم إلى القدرة على تملك عقارات وتأمين مستقبل أبنائها، فالمرأة التي تبيع الطعام في مناطق التعدين، تحقق دخلًا يفوق دخل موظف رفيع المستوى، مما وفر حماية اجتماعية للنساء المعيلات.
نماذج للنجاح
أحمد إسماعيل، أحد معلمي اللغة العربية في العاصمة الخرطوم، حولته الحرب إلى نازح في مدينة عطبرة بلا راتب لأكثر من عام، وقال بمرارة إنه كان يقف في طابور التكايا منتظرًا وجبة طعام يشعر معها كل يوم بالذل والهوان، حتى قرر الذهاب إلى مناجم «أبو حمد» في الولاية الشمالية، مضيفًا: «حصلت في الشهر الأول على ألفي دولار مما مكنني من إطعام أطفالي واستأجرت منزلًا لوالدتي ونقلت ابني المريض لتلقي العلاج في مصر، الذهب لم يعطني المال فقط بل أعطني كرامتي أمام نفسي وعائلتي».
ومن النماذج الناجحة أيضًا السيدة «إحسان الصديق»، والتي بدأت ببيع القهوة والشاي للمعدنين في مناطق التعدين التقليدي، وبفضل القوة الشرائية العالية في المنجم، استطاعت إحسان ادخار مبالغ مكنتها من شراء جهاز كشف يدوي وتأجيره لشباب مقابل نسبة من الإنتاج، اليوم، إحسان ليست مجرد نازحة، بل هي مستثمرة صغيرة تعول 12 فردًا من أسرتها اللاجئين في تشاد، وترسل لهم التحويلات عبر تجار الحدود بانتظام، وهكذا أحال أبناء الشعب السوداني معاناتهم ونزوحهم ودروب الذل في دول اللجوء إلى نوافذ كبيرة للأمل وحب الحياة عبر تحويل المعدن النفيس إلى أداة للتواصل الاجتماعي للدفاع عن الكرامة ورفض المزلة أمام مقار منظمات الإغاثة ووعودها الكاذبة.






