
حرب السودان منذ أن أشعلتها المليشيا الإرهابية في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م تبرز حقيقة واحدة أن هذه الحرب لم تعُد تُخاض فقط داخل حدود السودان ، كما لم تعُد تُقاس فقط بحدود الجغرافيا المباشرة للعمليات العسكرية أو بخطوط الاشتباك داخل العاصمة الخرطوم والمناطق التي دخلتها المليشيا بل إنها مؤامرة تُدار من مفاتيح الجغرافيا الحيوية والممرات الحدودية الإستراتيجية للسودان ، وبرزت أبوظبي مخلب القط في مخطط إضعاف السودان وتفكيك جيشه ، حيث تحولت مداخل السودان مع ليبيا وتشاد الى خطوط عبور للمرتزقة وأدوات خراب السودان وإعادة تشكيل للنفوذ والتغيير الديموغرافي بالبلاد ، كما يمكن في هذه الحرب خلط القوة العسكرية بالمكاسب الاقتصادية والسكانية .
وفي المواجهة الحالية التي فتحتها المليشيا من الكرمك بالنيل الازرق بدعم أثيوبي ، يبدو أن الحدود الاثيوبية بدأت تتحول إلى أدوات ضغط جديدة على السودان ونافذة هروب من واقع اثيوبيا الداخلي المأزوم لجعل أديس أبابا قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى بالمنطقة بخلط الأرواق وتوسيع نطاق التأزيم .. والحديث عن “العدوان الإثيوبي تجاه السودان” يحتاج قدر من الدقة والتفكيك ، لأن ما يجري ليس حالة حرب شاملة بين دولتين ، بل توترات حدودية مركّبة تتداخل فيها الجغرافيا بالتاريخ ، والمصالح المحلية بالحسابات الإقليمية ومع ذلك ، يمكن قراءة المشهد من عدة زوايا مترابطة .
ليست العلاقات السودانية الإثيوبية مجرد علاقات جوار عادية ، بل هي واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في الإقليم ، حيث تختلط فيها الجغرافيا بالتاريخ ، وتتقاطع فيها المصالح مع الهويات ، وتتشابك فيها السياسة مع الأمن ، فعل إمتداد عقود ، ظل هذا الملف محكوماً بحالة من الشد والجذب ، بين إتفاقيات حدودية واضحة على الورق ، وواقع ميداني ظل مفتوحاً على الاختراقات والتجاوزات خاصة من الجانب الإثيوبي .
وفي هذا السياق ، فإن أي مواجهة مباشرة محتملة بين السودان واثيوبيا لا يمكن النظر إليها كحدث معزول ، بل حلقة في سلسلة ارتدادات أزمة سد النهضة المكتومة ، التي قد تمتد سريعًا إلى المنطقة عامة والقرن الإفريقي على وجه الخصوص ، عبر سيناريو موازٍ يتمثل في دفع إثيوبيا وتهديد إريتريا وتوسيع الأزمة المفتوحة بين اثيوبيا ومصر ، والتحركات الإثيوبية على الحدود مع السودان ، خاصة في مناطق التماس بجنوب النيل الأزرق ، تعكس في ظاهرها أبعاداً تكتيكية ، لكنها في جوهرها تحمل رسائل أعمق ، تتعلق بمحاولة فرض أمر واقع جديد عبر الدفع بميليشيات محلية تحت غطاء الدعم السريع ، لا سيما المرتبطة بإقليم الأمهرا ، للإستقرار داخل أراضٍ سودانية ذات أهمية زراعية واستراتيجية ، كما هو الحال في الفشقة وغيرها من المناطق الحدودية.
ولا تنفصل هذه التحركات عن أهداف إستراتيجية أوسع ، حيث تبدو الحدود بالنسبة لإثيوبيا ورقة ضغط تُستخدم في سياق توازنات إقليمية معقدة ، سواء فيما يتعلق بملفات السيادة أو قضايا المياه ، إضافة إلى محاولة إعادة رسم معادلة الردع مع السودان بما يمنحها هامش حركة أكبر في المستقبل.
ومن زاوية أخرى ، فإن فهم هذا التصعيد يظل ناقصاً دون التوقف عند التحديات الداخلية التي تواجهها الدولة الإثيوبية ، فالصراعات الإثنية المتصاعدة ، والتوترات في أقاليم رئيسية مثل أمهرا وأوروميا ، إلى جانب التداعيات المستمرة للحروب الداخلية السابقة ، كلها عوامل تضغط على الداخل الإثيوبي ، وتدفع في بعض الأحيان نحو تصدير الأزمة إلى الخارج كوسيلة لامتصاص الاحتقان الداخلي وإعادة توجيه الأنظار.
في المحصلة ، فإن العدوان الإثيوبي على سيادة السودان – لا ينبغي أن يُقرأ كأزمة سودانية ضمن مضاعفات حرب ١٥ أبريل فحسب ، بل كحدث يعيد رسم خرائط تعامل السودان مع جواره من دول القرن الافريقي إلى البحر الأحمر، ويضع القرن الإفريقي بل الاتحاد الافريقي في قلب معادلة الأمن القومي للمنطقة . غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في العدوان ذاته ، بل في تزامنه مع تفعيل جبهات موازية للعمليات العسكرية وتعطيل إنتصارات الجيش ، في كردفان ودارفور ، بما يحوّل الممرات العسكرية والخطاب السياسي والاعلامي إلى مسرح مفتوح للصراع الممتد والمعقد والأجندة المتداخلة .
في ضوء هذه المعطيات ، أن السودان يتمسك بحقه المشروع في حماية سيادته وصون حدوده ، دون الإنزلاق إلى تصعيد غير محسوب ، فالتعامل مع هذه التحديات يتطلب مزيجاً من الحزم والمسؤولية ، ورؤية متكاملة تستند إلى قراءة دقيقة للمشهدين الداخلي والإقليمي.
وتبقى الرسالة الأهم في هذا السياق أن أمن السودان واستقراره يمثلان أولوية لا تقبل المساومة، وأن الحفاظ على ذلك يتطلب تماسكاً داخلياً، ووعياً جماعياً، ودعماً مستمراً لمؤسسات الدولة ، في مواجهة تحديات تتجاوز حدود الجغرافيا إلى رهانات السيادة والاستقرار في الإقليم بأسره .



