
1
الصورة أعلاه للمراجع العام، صلاح الدين محمد عثمان، أثناء لقائه برئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في بورتسودان، بتاريخ 10 نوفمبر 2025. وهو اللقاء الذي سُلِّم فيه التقارير المالية المراجَعة لمؤسسات الدولة والوحدات الحكومية لرئيس مجلس السيادة.منذ ذلك التاريخ لم نسمع حسًا ولا خبرًا، لا عن التقرير ولا عن السيد المراجع العام نفسه.أين اختفى تقرير المراجع العام؟ ولماذا؟
كانت تقارير المراجع العام في عهد الإنقاذ تُنشر على الملأ، بما تحمله من فساد وتجاوزات، وتُناقش في البرلمان علنًا. وكان الصحفيون يحصلون على مادة غنية ينشرونها لأيام، وتدور حولها نقاشات واسعة. وكان السيد علي عثمان (حياه الغمام) — أينما كان — يصرّ على نشر التقرير رغم مقاومة كثيرين داخل الحكومة، بحجة أن محتواه «فضائحي».
أما اليوم، فمنذ العام الماضي والتقرير مختفٍ تمامًا.
وقبل أيام بدأت تسريبات من تقرير (2024) تكشف عن فساد بلا حدود، وتجاوزات لا حصر لها من مؤسسات وأفراد وشركات.
لذلك نقول للسيد المراجع العام:
أنت ملزم قانونًا بنشر التقرير كاملاً، وأن محاولات التستر على فساد الدولة في شركاتها وبنوكها ليست مجدية. فالتقرير في النهاية سيُكشف، وبيدنا الآن بعض منه. فالأفضل أن تخرج في مؤتمر صحفي وتعلنه للرأي العام، وإلا اعتبرت متسترًا على الفساد.
ونذكّر السيد المراجع العام بأن المادة (11) من قانون المراجع العام لسنة 2007 تنص صراحة على وجوب نشر التقرير السنوي خلال ستة أشهر من تسليمه لرئيس الدولة. فالتأخير غير المبرر يُعد مخالفة قانونية صريحة، وقد يعرض صاحبه للمساءلة.
القضية ليست أخلاقية فحسب، بل هي قانونية أيضًا. فالمراجع العام ليس موظفًا إداريًا عاديًا، بل هو مؤسسة رقابية مستقلة يُفترض أن تعمل لصالح الشعب لا لصالح السلطة التنفيذية. وحجب التقرير — إن ثبت — يطرح أسئلة مباشرة:
● هل ما تم تعطيل واجب قانوني؟
● ومن يملك الحق في منع نشر تقرير أُنجز بمال الدولة؟
إن أي تأخير غير مبرر في نشر تقارير المراجعة لا يمكن تفسيره إلا بأحد أمرين:
إما عجز في المؤسسة الرقابية، أو ضغوط سياسية لحجب المعلومات.
وفي الحالتين، النتيجة واحدة: فتح الباب أمام مزيد من الفساد دون رادع.
2
فساد البرنامج… لا الدقيق
استوقفني أول أمس هذا الخبر الصادر من مفوضية العون الإنساني بالولاية الشمالية:
«باشرت اللجنة المكلفة مهامها بخصوص التخلص من الدقيق منتهي الصلاحية، البالغ 48,800 جوال، الموجود بمخازن برنامج الغذاء العالمي)، وبالمناسبة هذه الكمية تكفي تقريبًا 20,000 إلى 22,000 أسرة متوسطة لمدة شهر كامل (30 يومًا)».
برنامج الغذاء العالمي، الذي يشكو من عجز في التمويل وعجزه عن توصيل الغذاء للمحتاجين، تتكدس في مخازنه آلاف الجوالات حتى تفسد، بينما معسكرات اللاجئين من دارفور وغيرها على مقربة منه.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف يموت الأطفال والنساء جوعًا في معسكرات النزوح، بينما يُرمى عشرات الآلاف من جوالات الدقيق في مقالب القمامة؟
ماحدث ليس مجرد إهدار للدقيق، بل جريمة ويجب أن تتحمل مفوضية العون الإنساني وبرنامج الغذاء العالمي ووالي الولاية الشمالية المسؤولية الكاملة أمام الرأي العام والقضاء.الفساد ليس في الدقيق وحده، بل في برنامج الغذاء نفسه.
3
مزيد من الفرص المهدرة
معلوم أن فاتورة استيراد الغذاء في دول الخليج تتجاوز 100 مليار دولار سنويًا، وفقًا لتقارير متعددة منها تقارير «موردور إنتليجنس». تستورد هذه الدول ما بين 80% و90% من غذائها من الخارج، وتواجه الآن خطرًا أكبر من «نقص الطعام» نفسه، وهو خطر «سلاسل الإمداد».
في هذه الحرب تحول مضيق هرمز إلى عنق زجاجة خنق تدفق الغذاء كما خنق النفط. فاصبح الغذاء جزءًا من أسلحة الحرب، لا مجرد سلعة تجارية. فتعطل الشحن، وارتفاع أسعار التأمين، وتباطؤ الإمداد — كلها عوامل تهدد الأمن الغذائي.لذلك لم يعد الأمن الغذائي في الخليج مرتبطًا بالقدرة على الشراء فقط، بل بقدرة هذه الدول على تأمين خطوط الملاحة، وتنويع مسارات الإمداد، وبناء مخزونات استراتيجية.وفي هذا السياق، تبرز فرصة السودان بقوة. الجغرافيا تمنحنا أفضلية لا تملكها دول بعيدة، والموارد تمنحنا قدرة إنتاجية كبيرة، لكن ما ينقصنا هو القدرة على التنظيم والتحويل.
في مقال سابق اقترحت أن يشكّل اتحاد رجال الأعمال لجنة عاجلة لدراسة احتياجات السوق الخليجي، والتواصل الفوري مع كبار الموردين في الخليج الذين يعيشون الان حالة ارتباك بسبب التزاماتهم التعاقدية. وإذا قدم السودان نفسه كبديل موثوق في هذا الظرف الحرج، فسيحقق مكاسب اقتصادية كبيرة، والأهم أنه قد يؤسس لوجود دائم للمنتجات السودانية في تلك الأسواق.
يمكن تحقيق ذلك عبر عدة مسارات:
● المسار الأول: التحول من البيع الموسمي إلى الشراكات التعاقدية طويلة الأمد.
● المسار الثاني: التركيز على الأعلاف قبل الغذاء النهائي.
● المسار الثالث: توسيع تصدير اللحوم الحية والمبردة والمذبوحة بمعايير صحية مرتفعة.
والأهم أن يقدم السودان نفسه كمكوّن لوجستي في أمن الخليج الغذائي، لا كمزرعة فقط. أي إنشاء مناطق تجميع وتخزين قرب بورتسودان، واتفاقات نقل وتخزين مبرد، وخطوط شحن أقصر وأسرع إلى موانئ الخليج والبحر الأحمر.في الأزمة الحالية، أصبحت الجغرافيا نفسها سلعة.



