الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

الوصاية الإنسانية على السودان في ضوء مخرجات مؤتمر برلين: تفكيك الغايات الكامنة

السفير د. معاوية التوم


مقدمة
في أعقاب مخرجات مؤتمر برلين بشأن السودان، يتصاعد خطاب “الاستجابة الإنسانية” بوصفه المدخل الأكثر إلحاحًا للتعامل مع الأزمة السودانية. غير أن هذا الخطاب، على أهميته الظاهرة، يثير تساؤلات عميقة حول حدوده الفاصلة بين الدعم الإنساني المشروع، والانزلاق نحو أنماط مستترة من الوصاية الدولية. فحين تتكثف المبادرات الخارجية تحت مظلة إنسانية، احتيالاً، وتُقرن بآليات رقابة وتنسيق تتجاوز الدولة الوطنية ومنظومتها ، يصبح من المشروع تفكيك الغايات الكامنة وراء هذا التوجه، واستكشاف ما إذا كان يعكس تحولًا في طبيعة التعاطي الدولي مع السودان من الشراكة إلى الإشراف. رغم شح ما تقدمه هذه البلدان ، وقد كان بالأمس اكثر من نصف سكان السودان بين النزوح والهجرة الداخلية الي اللجوء.

أولاً: من الإغاثة إلى إعادة تشكيل المجال السيادي
لا خلاف على أن السودان يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، ما يبرر تدفق الدعم الدولي. إلا أن مخرجات برلين توحي بانتقال تدريجي من منطق الإغاثة إلى منطق إعادة تنظيم إدارة الموارد والمساعدات داخل البلاد. فحين تُطرح آليات لتوزيع المساعدات عبر قنوات موازية، أو تُربط بترتيبات إشراف دولي مباشر، فإن ذلك يخلق واقعًا تتراجع فيه قدرة الدولة على التحكم في فضائها الإنساني، وهو ما يمهد، ولو بصورة غير معلنة، لنمط من “السيادة المقيدة”، ومساس بالسيادة الوطنية وهو أمر لا تقبل به أي دولة لذلك رفض السودان اي مترتبات على مؤتمر برلين قبل أن يعقد.

ثانياً: هندسة المشهد الداخلي عبر البوابة الإنسانية
العمل الإنساني، بطبيعته، ليس محايدًا بالكامل، إذ يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة ترتيب الفاعلين المحليين. ففي السياق السوداني، قد تسهم مخرجات برلين في تعزيز أدوار كيانات بعينها – منظمات، شبكات محلية، أو حتى قوى سياسية – على حساب أخرى، وفق معايير التمويل الدولي والقبول الخارجي. هذه الديناميكية تعيد إنتاج “الشرعية” من خارج السياق الوطني، واعادة انتاج سردية التمرد ورعاته، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الداخلية بما يخدم رؤية المانحين أكثر من تعبيره عن الإرادة الشعبية، والاحتياجات الإنسانية، وضعف المساهمة الدولية في مؤتمرين للمانحين منذ اشتعال الحرب في ٢٠٢٣.

ثالثاً: تسييس الممرات الإنسانية وتدويل القرار الوطني
من أبرز ملامح المرحلة الراهنة تصاعد الحديث عن ممرات إنسانية آمنة، وإيصال المساعدات عبر الحدود دون التنسيق الكامل مع السلطات المركزية. ورغم أن هذه الطروحات تُسوّق باعتبارها استجابة لحالات الطوارئ، إلا أنها تحمل في طياتها أبعادًا سياسية واضحة، إذ تُضعف احتكار الدولة لقرارها السيادي، وتفتح المجال لتدخلات مباشرة في جغرافيتها. ومع الوقت، قد تتحول هذه الاستثناءات إلى قاعدة، بما يرسخ نمطًا من التدويل التدريجي للأزمة. بعد كل هذه التداعيات التي جرت، واستطاعة الدولة وشعبها على دحر مشروع التمرد المدعوم خارجياً وتجاوز شبح المجاعة والحرب الاهلية التي خططوا لها.

رابعاً: الاقتصاد الإنساني كبديل مؤقت أم دائم؟
تضخم التمويل الإنساني وتوسّع برامجه يخلق ما يمكن تسميته بـ“الاقتصاد الموازي”، حيث تعتمد قطاعات واسعة من المجتمع على المساعدات بدل الإنتاج. ورغم أن هذا الوضع قد يكون حتميًا في ظل الحرب، إلا أن استدامته تُهدد بإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني على أسس ريعية مرتبطة بالخارج، ما يجعل التعافي لاحقًا أكثر تعقيدًا، ويمنح المانحين أدوات تأثير طويلة الأمد. يمكن للدولة استدراك نقاط ضعفها ومعالجتها لتعظيم الإنتاج وتوفير مطلوبات المواسم الزراعية في عروتيها الصيفية والشتوية.

خامساً: بين المسؤولية الدولية وهاجس الوصاية
يستند جزء من الخطاب الدولي إلى مبدأ “المسؤولية عن الحماية”، وهو مصطلح مطاط، من شأنه أن يبرر التدخل في حال عجز الدولة عن حماية مواطنيها. غير أن توسيع هذا المفهوم ليشمل إدارة الشأن الإنساني بشكل مباشر قد يفضي إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع الدولي. ففي الحالة السودانية، يبدو أن الخط الفاصل بين الدعم والوصاية بات أكثر ضبابية، خاصة في ظل غياب توافق داخلي قوي يُعيد الإمساك بزمام المبادرة.وضعف البنى الانسانية ومؤسساتها المدنية التي تأثرت بالحرب.

سادساً: السياق الجيوسياسي ومصالح الفاعلين الدوليين
لا يمكن فصل مخرجات برلين عن التنافس الدولي والإقليمي على البحر الأحمر وموارده وموقع السودان الاستراتيجي. فالانخراط الإنساني المكثف قد يحمل في طياته أهدافًا غير معلنة تتعلق بتأمين النفوذ، وهندسة التدخلات الخارجية والضغوط بإعادة ترتيب خرائط المصالح، وخلق موطئ قدم دائم عبر البوابة الناعمة للعمل الإنساني. وهنا تتقاطع الاعتبارات الأخلاقية مع الحسابات الاستراتيجية، في مشهد معقد يصعب فصله إلى ثنائيات بسيطة.

خاتمة: ما بين الحاجة والسيادة
إن تفكيك مخرجات مؤتمر برلين لا يعني التقليل من أهمية الدعم الإنساني للسودان وحاجة البلاد اليه ، بل يهدف إلى إعادة طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن الاستفادة من هذا الدعم ان وجد وتنظيمه، دون التفريط في القرار الوطني؟ الإجابة تكمن في قدرة السودانيين – دولةً ومجتمعًا ومؤسسات – على صياغة رؤية موحدة لإدارة الأزمة وتببعات النزاع الممول خارجياً، والتوازن بين الانفتاح على المساعدة الدولية والحفاظ على السيادة بسياج منظومتها وقواعدها الوطنية بما يؤدي لغاياتها وحماية الامن القومي للبلاد. فغياب هذه الرؤية هو ما يفتح الباب أمام تحول “الإنساني” إلى “وصاية”، ويجعل من الأزمة فرصة لإعادة تشكيل السودان من الخارج بدلاً من أن تكون دافعًا لإعادة بنائه من الداخل ومعالجة الفجوات التي خلفتها الحرب، واعادة أنظمة الطواريء،الإنذار المبكر و درء الكوارث و الحماية الوطنية والاحتياطي المركزي من الغلال لمثل هكذا ظروف .
——————
٢١ أبريل ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!