الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

الهجرة النبوية… كيف تصنع الأمم مستقبلها من قلب المحنة

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

تكشف حركة التاريخ الإنساني حقيقة ظلت تتكرر عبر العصور دون أن تتغير كثيراً، وهي أن اللحظات الأكثر تأثيراً في مصير الأمم لا تولد عادة في أزمنة الاستقرار والوفرة والطمأنينة، وإنما تتشكل غالباً في لحظات الخطر الوجودي الكبرى، حين تجد الجماعات نفسها محاصرة بين خيار الانكسار والاستسلام، أو القدرة على إعادة إنتاج شروط بقائها بصورة جديدة. فالتاريخ لا تصنعه الأمم عندما تسير في ظروفها الطبيعية، بل حين تواجه اختبارات قاسية تجبرها على اكتشاف ما تختزنه في داخلها من قدرة على الصمود، وإعادة التنظيم، والتحول من مجرد الدفاع عن الوجود إلى صناعة المستقبل نفسه.

ومن هذا المنظور، لا تبدو الهجرة النبوية مجرد مناسبة دينية ترتبط ببداية التقويم الهجري، كما أنها في معناها العميق لم تكن مجرد انتقال اضطراري فرضته ظروف الاضطهاد الذي تعرض له النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته في مكة، وإنما كانت واحدة من أكثر اللحظات التأسيسية تأثيراً في التاريخ الإسلامي والإنساني معاً، لأنها تقدم نموذجاً بالغ العمق لكيف تواجه المشاريع الكبرى لحظات الاستهداف المنظم، وكيف يمكن للمحنة ذاتها أن تتحول إلى بداية تاريخ جديد أكثر اتساعاً وتأثيراً من كل ما سبقه.

لقد جاءت الدعوة الإسلامية في مكة تحمل تصوراً جديداً للإنسان والمجتمع والسلطة والعدالة والعلاقات العامة، ولم تكن قريش تنظر إليها باعتبارها مجرد دعوة روحية تختلف معها في مسائل العقيدة، بل أدركت سريعاً أن الرسالة الجديدة تحمل مشروعاً متكاملاً يعيد تعريف موازين القوة والنفوذ التي ظلت القبائل الكبرى تمسك بخيوطها لعقود طويلة. ولهذا لم يكن الصراع الذي واجهه النبي صلى الله عليه وسلم صراعاً دينياً مجرداً، بل كان في جوهره صراعاً سياسياً عميقاً بين مشروع ناشئ يريد إعادة بناء الإنسان والمجتمع والعلاقات العامة على أسس جديدة، وبين منظومة تقليدية رأت في هذا المشروع تهديداً مباشراً لبنيتها القائمة ومصالحها التاريخية الراسخة.

وحين أدركت قريش أن الفكرة تجاوزت مرحلة الاحتواء، بدأت في الانتقال التدريجي إلى أدوات أكثر خشونة وتعقيداً. فُرض الحصار الاقتصادي والاجتماعي في شعب أبي طالب، وتعرض المسلمون الأوائل لتعذيب قاسٍ وممنهج، وتصاعدت حملات التشويه والسخرية والعزل الاجتماعي، قبل أن تبلغ الأزمة ذروتها حين اجتمعت القبائل في دار الندوة للتوافق على خطة اغتيال جماعي تستهدف إنهاء القيادة نفسها، باعتبار أن القضاء على حامل المشروع يمثل الطريق الأقصر لإجهاض المشروع كله. ولعل ما يستوقف التأمل هنا أن القوى التي تسعى إلى إسقاط المشاريع الكبرى كثيراً ما تتجه أولاً إلى استهداف البنية الصلبة التي تمنح خصومها القدرة على الصمود والاستمرار، لأن الصراعات الكبرى علمتنا أن إسقاط الكيانات لا يبدأ عادة بالمواجهة النهائية المباشرة، وإنما بمحاولات تطويق مراكز القيادة وعزلها عن امتداداتها الحيوية، واستهداف المؤسسات التي تمثل البنية الصلبة التي تستند إليها الدول. فقد ظل إرباك مركز القرار وشل قدرته على إدارة الصراع عبر التاريخ أحد أكثر المداخل استخداماً في محاولات كسر الجيوش وتجريد الكيانات المستهدفة من قدرتها على الصمود.

وهنا تتكشف واحدة من السنن التي ظل التاريخ يعيد إنتاجها باستمرار؛ فحين تعجز القوى المعادية عن هزيمة الفكرة، تنتقل مباشرة إلى استهداف أصحابها، ثم محاصرة بيئتهم الحاضنة، ثم توظيف كل الأدوات الممكنة لإسقاط المشروع قبل اكتمال تشكله. واللافت أن هذه الأدوات لا تكون عسكرية فقط، بل تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية، والعزل الاجتماعي، والحرب النفسية، وإنتاج السرديات التي تبرر الاستهداف وتمنحه غطاءً سياسياً وأخلاقياً يسمح باستمراره. ولم تكن المواجهة آنذاك قائمة على الحصار المادي وحده، بل سبقتها ورافقتها حملة واسعة هدفت إلى ضرب صورة النبي صلى الله عليه وسلم وتقويض مصداقية الرسالة نفسها، فاتهموه بالكذب، ووصفوه بالسحر والجنون، وسعوا إلى تشويه صورته أمام المجتمع وإيذائه في نفسه وأهله وصحابته، في محاولة لصناعة رواية مضادة تسبق الحقيقة وتعيد تشكيل وعي الناس تجاهه. وهي أدوات لا يزال التاريخ يعيد إنتاجها باستمرار، لأن التحكم في الرواية كثيراً ما يصبح جزءاً أصيلاً من المعركة نفسها، وربما لا يقل أثراً عن المواجهة المباشرة ذاتها.

لكن اللحظة التي ظنت فيها قريش أنها اقتربت من إنهاء الدعوة، كانت في الحقيقة بداية التحول الأكبر في مسارها كله. فالهجرة لم تكن هروباً من المواجهة، ولم تكن انسحاباً فرضه الخوف من الخطر، وإنما كانت إعادة تموضع استراتيجية نقلت الرسالة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة. وهنا يتجلى واحد من أعظم دروس السيرة؛ فالقوة لا تُقاس دائماً بالقدرة على البقاء في المكان نفسه مهما بلغت كلفة ذلك، بل قد تكون الحكمة الكبرى في معرفة اللحظة التي يقتضي فيها الحفاظ على المشروع الانتقال إلى فضاء جديد يسمح بإعادة البناء والانطلاق بصورة أكثر قدرة على التأثير.

ولم تكن تفاصيل الهجرة نفسها مجرد وقائع عابرة في رحلة انتقال. اختيار الرفيق، توزيع الأدوار، استخدام عبدالله بن أبي بكر لجمع المعلومات، تكليف أسماء رضي الله عنها بالإمداد، الاستعانة بدليل للطريق رغم اختلاف العقيدة، اختيار طريق غير مألوف، والاختباء المؤقت في غار ثور… كلها تفاصيل تؤكد أن الإيمان العميق لم يكن يوماً بديلاً عن التخطيط المحكم، وأن التوكل الحق لا يعني تعطيل الأسباب، وإنما الجمع بين اليقين الكامل بالله وبين أعلى درجات الإعداد الممكن. بل إن الهجرة كشفت كذلك أن الأزمات الكبرى لا تُدار بردود الأفعال وحدها، وإنما بحسن قراءة الواقع، وتوزيع الأدوار بكفاءة، والبحث عن البدائل، وتوظيف العلاقات والقدرات المتاحة، وبناء دوائر الإسناد والتحالف التي تحمي المشروع في لحظات الخطر، لأن بقاء الأفكار الكبرى لا يرتبط فقط بعدالة مبادئها، وإنما بقدرتها على إنتاج أدوات البقاء والاستمرار.

غير أن المعنى الأبعد للهجرة لا يكمن فقط في النجاة من الاستهداف، وإنما في طبيعة التحول الذي أعقبها. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن آنذاك مجرد قائد ديني يواجه الاضطهاد دفاعاً عن عقيدته، بل كان يقود مشروعاً حضارياً متكاملاً. لقد كان في آن واحد قائداً دينياً ومرجعاً أخلاقياً وقائداً سياسياً وقائداً عسكرياً يحمل تصوراً جديداً للعالم وللدولة ولتنظيم المجتمع والعلاقات الإنسانية. ومن هنا تكتسب الهجرة معناها التاريخي الأعظم؛ إذ استطاع النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتقل بجماعة صغيرة محاصرة في شعاب مكة، قليلة العدد والموارد، مطاردة من القوى المهيمنة في بيئتها، إلى تأسيس دولة في المدينة أصبحت خلال سنوات قليلة مركز إشعاع سياسي وعسكري وحضاري، قبل أن تتحول هذه النواة الصغيرة إلى أمة امتدت عبر القارات وأعادت تشكيل جزء كبير من التاريخ الإنساني، ولا يزال أثرها ممتداً في العالم كله بعد أكثر من أربعة عشر قرناً.

لقد أثبتت الهجرة أن بقاء الجماعات والأمم لا يرتبط فقط بعدالة القضية التي تحملها، وإنما بقدرتها على إنتاج قيادة تدرك طبيعة اللحظة التاريخية التي تعيشها؛ قيادة تعرف متى تصمد، ومتى تناور، ومتى تعيد التموضع، ومتى تنتقل من مجرد الدفاع عن الوجود إلى بناء عناصر القوة القادرة على حماية المشروع وتوسيع مجاله. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينشغل فقط بحماية الجماعة المؤمنة من خطر الإبادة الذي كانت تخطط له قريش، وإنما كان يفكر في سؤال أكبر بكثير: كيف يتحول هذا الكيان الصغير المطارد إلى دولة قادرة على حماية رسالتها، ثم إلى أمة تمتلك القدرة على التأثير في العالم من حولها.

إن أخطر ما تواجهه الأمم في لحظات الاستهداف الكبرى ليس قوة الخصوم وحدها، وإنما عجزها عن إدراك طبيعة المعركة التي تخوضها. فبعض الشعوب تظن أنها تواجه أزمة عابرة أو نزاعاً محدوداً، بينما تكون في الحقيقة أمام مشروع كامل يستهدف إعادة تعريف وجودها السياسي وتفكيك أسس بقائها التاريخي، بحيث يتحول الصراع تدريجياً من أزمة ظرفية إلى عملية إعادة تشكيل شاملة لمستقبل الدولة نفسها.

ولعل هذه السنن التاريخية لا تنتمي إلى الماضي وحده، لأن كثيراً من الصراعات التي تعيشها الشعوب المعاصرة تعيد إنتاج البنية نفسها للصراعات القديمة، حيث لا يكون الهدف مجرد هزيمة طرف بعينه، وإنما منع تشكل مشروع وطني مستقل يمتلك القدرة على حماية قراره وسيادته ومصالحه الاستراتيجية.

وفي هذا السياق يمكن قراءة ما يمر به السودان اليوم. فالحرب الجارية لم تعد مجرد تمرد مسلح محدود أو نزاع داخلي على السلطة كما تحاول بعض السرديات تبسيطها، وإنما أصبحت ساحة تتداخل فيها حسابات إقليمية ودولية معقدة تسعى إلى إعادة تشكيل السودان وفق ترتيبات لا يملك السودانيون وحدهم حق صياغتها. لقد كشفت الحرب بمرور الوقت أن بعض القوى الخارجية لم تتعامل مع الأزمة باعتبارها نزاعاً ينبغي احتواؤه، بل باعتبارها فرصة استراتيجية لإضعاف الدولة الوطنية، واستنزاف الجيش السوداني، وتغذية مشروع المليشيات المسلحة باعتبارها أدوات أكثر قابلية للتوظيف وإعادة تشكيل موازين القوة الداخلية بما يخدم مصالح تتجاوز السودان نفسه.

وقد كشفت تطورات الحرب حجم الأدوار التي مورست عبر التمويل والتسليح والإسناد السياسي والإعلامي واللوجستي الذي منح مليشيا الدعم السريع القدرة على إطالة أمد الحرب وتحويلها من تمرد محدود إلى معركة استنزاف تستهدف مؤسسات الدولة السودانية في جوهرها. كما أن بعض الأطراف الإقليمية التي يفترض أنها جزء من منظومة الاستقرار في المنطقة اختارت الانخراط — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — في مسارات ساهمت في تعقيد الأزمة وتعزيز قدرة الفاعلين المسلحين على الاستمرار، بما جعل الحرب تتحول تدريجياً إلى مشروع أكبر يستهدف إعادة هندسة السودان سياسياً ومؤسسياً وجغرافياً وفق تصورات لا تعكس بالضرورة مصالح شعبه.

لكن الهجرة النبوية تمنحنا هنا درساً آخر لا يقل أهمية عن فهم طبيعة الاستهداف نفسه. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتوقف عند المؤامرة، ولم يجعل كل جهده منصباً على مقاومة الحصار وحده، بل انتقل مباشرة إلى بناء البديل. وما إن وصل المدينة حتى بدأ ببناء المجتمع، والمؤاخاة، وتنظيم العلاقات، ووضع الأسس الصلبة للدولة الجديدة. وهذه رسالة استراتيجية عميقة لكل الشعوب التي تمر بالحروب؛ فمعارك البقاء وحدها لا تكفي، لأن الانتصار الحقيقي لا يتحقق فقط في منع الخصم من تحقيق أهدافه، وإنما في القدرة على تحويل لحظة الأزمة إلى بداية مشروع وطني جديد أكثر قوة ومناعة.

وفي السودان، ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي ينبغي أن يرافقنا ونحن نخوض هذه المحنة. فالمعركة لا تتعلق فقط بكسر مشروع التمرد أو إفشال التآمر الخارجي، رغم مركزية ذلك، وإنما تتعلق بقدرتنا على التفكير منذ الآن في شكل الدولة التي نريد بناءها بعد انتهاء الحرب؛ دولة أكثر صلابة، وأكثر كفاءة، وأكثر عدالة، وأكثر وعياً بطبيعة الأخطار التي كشفتها هذه الأزمة وأعادت تعريف أولويات البقاء الوطني.

إن الهجرة النبوية تعلمنا أن التاريخ لا تصنعه الأمم التي تنجو من الاستهداف فحسب، وإنما الأمم التي تعرف كيف تحول الاستهداف نفسه إلى لحظة ميلاد جديدة. وأن المشاريع الكبرى لا تسقط بالحصار وحده، بل تسقط فقط عندما تفقد قدرتها على إعادة إنتاج شروط بقائها.

وهكذا يطل علينا عام هجري جديد ليذكرنا بأن الطريق من شعاب مكة الضيقة إلى بناء أمة امتدت آثارها عبر العالم كله لم يبدأ من وفرة القوة، ولا من توازنات الواقع القائمة آنذاك، وإنما بدأ من وضوح الرسالة، وصحة القيادة، وحسن إدارة المحنة، والإيمان العميق بأن الأزمات الكبرى ليست دائماً نهاية الطريق.

فالتاريخ أثبت مراراً أن الأمم لا تسقط حين تُحاصر، ولا حين تتكالب عليها القوى المعادية، وإنما تبدأ نهايتها الحقيقية عندما تعجز عن فهم طبيعة المعركة التي تخوضها، أو تفقد قدرتها على تحويل لحظات الخطر إلى بدايات جديدة. وتلك سنة لم تتغير منذ هجرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم… ولن تتغير ما بقيت الأمم تصنع تاريخها تحت الحصار أو الاستهداف.

الثلاثاء 16 يونيو 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!