الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

النضال بمقابل… وغياب من يفدي الوطن

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

في التجربة السودانية، الممتدة عبر تاريخها الحديث منذ ما قبل الاستقلال وإلى اليوم، تستقر الأزمة في الشعارات التي تُرفع، وفي الأثمان التي يُنتظر تحصيلها من ورائها. فقد خرج “النضال” من براءته وقيمته الدلالية بوصفه تضحية، ليغدو—في كثير من تجلياته—مدخلًا إلى التفاوض والمساومة، وسُلّمًا للصعود، وأداةً لإعادة توزيع المواقع وتحصيل المناصب واقتسام الثروة، لا لإعادة بناء الدولة. وهكذا انزلقت الكلمة من معناها الأخلاقي إلى وظيفتها السياسية، ومن فضاء العطاء إلى منطق المقابل، حتى تداخلت الحدود بين من يُقدّم للوطن ومن يستثمر فيه، وبين من يحمل قضيته ومن يحملها إلى طاولة القسمة.

لقد ظلّ السودان—منذ الاستقلال—ساحةً مفتوحة لصراعاتٍ متعددة، حملت فيها مجموعاتٌ مختلفة السلاح ضد الدولة المركزية، تحت عناوين بدت في ظاهرها عادلة، بل ومشروعة في كثيرٍ من أوجهها. فخطاب التهميش، والمطالبة بقسمةٍ عادلةٍ للثروة والسلطة، والحديث عن التمييز، واختلال التنمية، وغياب التوازن في الخدمات من تعليمٍ وصحةٍ وبنيةٍ تحتية ومياه وكهرباء، كلّها قضايا حقيقية لا يمكن إنكارها، بل كانت—ولا تزال—من أبرز التحديات التي واجهت الدولة السودانية.

غير أن المشكلة لم تكن يومًا في “المطالب” بقدر ما كانت في “المسارات” التي سلكتها، وفي “النتائج” التي انتهت إليها. فبدلًا من أن تتحوّل هذه القضايا إلى مشروعٍ وطني جامع للإصلاح، أصبحت—في كثيرٍ من الحالات—وقودًا لحروبٍ طويلة، ومبررًا لاستدامة الصراع، وأداةً لإعادة إنتاج النخب نفسها بأدواتٍ مختلفة.

وهنا يتبدّى الخلل الأكبر؛ إذ تحوّل “النضال” من كونه تضحيةً تُبذل بلا مقابل، إلى “صفقةٍ” يُعاد التفاوض حولها في كل مرحلة. فكم من قائدٍ حمل السلاح باسم قضية، ثم جلس على طاولة التفاوض ليحصد نصيبه من السلطة؟ وكم من حركةٍ رفعت شعارات العدالة، ثم انتهت إلى تقاسم المناصب والثروات مع من كانت تقاتلهم؟ وكم من “متمرد” صار “حاكمًا”، ثم عاد—حين تغيّرت موازين القوى—ليتمرّد من جديد؟

هذه الدورة المغلقة لا تُنتج دولة، بل تُعيد تدوير الأزمة. فهي تؤكد—في جوهرها—أن كثيرًا من الفاعلين لم يكونوا يسعون إلى تغيير بنية الدولة أو ترسيخ حقوقٍ عامة، بقدر ما كانوا يسعون إلى تغيير مواقعهم داخلها. وما بين التمرّد والحكم، لا تتغير الأهداف بقدر ما تتبدّل الوسائل.

وفي ظل هذا المشهد، يظلّ المواطن البسيط هو الثابت الوحيد في معادلةٍ متحركة. فهو الذي يدفع الثمن في كل مرة؛ أمنًا حين تُفتح جبهات القتال، ومعيشةً حين تنهار الموارد، واستقرارًا حين تتفكك مؤسسات الدولة، وكرامةً حين يُدفع إلى النزوح أو الهجرة. هو الذي لا يملك بندقيةً ليفاوض بها، ولا منصةً ليُسمع صوته من خلالها، ولا صفقةً يدخل بها إلى دائرة المكاسب.

وإذا كان “النضال” يُقاس بما يُقدَّم للوطن، فإن ما شهدناه—في كثيرٍ من تجاربنا—هو “نضالٌ بمقابل”، تُحدَّد قيمته بما يفضي إليه من سلطة أو مال أو موقع، فيفقد معناه الأخلاقي ويتحوّل إلى مجرد وسيلة ضغط، لا تختلف في جوهرها عن أدوات الصراع الأخرى.

بل إن الأخطر من ذلك، هو ما يخلّفه هذا النموذج من أثرٍ في الوعي العام. حين يرى الناس أن من يحمل السلاح يصل، ومن يفاوض ينال، ومن يبدّل موقعه يُكافأ، تتحول الرسالة—دون إعلان—إلى أن الطريق إلى المكاسب لا يمر عبر العمل المؤسسي أو الكفاءة أو الالتزام الوطني، بل عبر فرض الأمر الواقع.

وهنا يتآكل مفهوم الدولة ذاته، ويتراجع الإيمان بالقانون، وتُفتح أبواب الفوضى على مصاريعها. وليس المقصود من هذا الطرح إنكار مظالم حقيقية، ولا الدفاع عن اختلالات قائمة، بل وضع الأمور في سياقها الصحيح؛ فالقضية العادلة لا تُبرر المسار الخاطئ، كما أن المظلومية لا تمنح صاحبها صكًّا مفتوحًا لإعادة إنتاج الظلم بصيغةٍ أخرى. إن الفرق بين من يُصلح ومن يُساوم، هو أن الأول ينطلق من فكرة الوطن، بينما ينطلق الثاني من فكرة الحصة.

إن الوطن لا يقوم على تضخيم المطالب، بل على انضباطها بقدر ما يحفظ بقاء الدولة. ففي لحظات التأسيس والاختبار، تُقاس قيمة الفاعلين بقدرتهم على تقديم الوطن على مصالحهم، لا بمهارتهم في توسيع حصصهم منه. فالدول لا تُبنى بمنطق الغنيمة، ولا تستقر بثقافة المقايضة، وإنما تنهض حين تتحول المصلحة العامة إلى مرجعيةٍ حاكمة، ويصبح العطاء دون انتظار المقابل شرطًا أخلاقيًا سابقًا على أي ترتيب سياسي.

هنا يتحدد الفارق بين نضالٍ يُبنى عليه، ونضالٍ يُعاد به إنتاج الأزمة. فحين يصبح “النضال” طريقًا إلى المقابل، يفقد معناه، ويتحوّل إلى أداة صراع لا مشروع دولة. وما يبقى للوطن—في لحظاته الفاصلة—هو ذلك القليل النادر الذي يقدّمه دون أن يساوم عليه، ويمنحه دون أن ينتظر عائده. عند هذه النقطة وحدها، يبدأ الخروج من الدائرة، ويستعيد السودان معناه بوصفه دولة، لا ساحة تفاوض مفتوحة.

الخميس 30 أبريل 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!