تقاطع المصالح الكبرى وإعادة رسم موازين القوة!؟

في توقيت بالغ الحساسية، جاءت القمة التي جمعت بين، شي جنبينغ وفلاديمير بوتين، لتبعث برسائل تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين الصين وروسيا، نحو إعادة تموضع استراتيجي في قلب المشهد الدولي، خصوصًا مع اشتعال الأزمات في الشرق الأوسط، واتساع نطاق الحرب والتوترات المرتبطة بإيران وغزة والبحر الأحمر.
القمة لم تكن مجرد محطة بروتوكولية بين قوتين دوليتين؛ وتوقيع ٢٠ اتفاقاً استراتيجيا، بل بدت أقرب إلى إعلان سياسي عن ملامح نظام عالمي يتشكل تحت ضغط الحروب، وتآكل الهيمنة الغربية، وتزايد الشعور داخل المعسكر الشرقي بأن اللحظة الدولية الحالية تسمح بإعادة هندسة التوازنات الدولية، وتحرير من القبضة التقليدية في ظل التباعد الغربي الأمريكي.
الشرق الأوسط في قلب الحسابات الكبرى
رغم أن البيانات الرسمية للقمة تحدثت عن الشراكة الاقتصادية، والطاقة، والتنسيق السياسي، فإن القراءة العميقة للسياق تكشف أن الشرق الأوسط كان حاضرًا بقوة في خلفية اللقاء، خصوصًا مع التصعيد العسكري المرتبط بإيران، وتداعياته علي الخليج والمشرق العربي، والانقسام الدولي حول الحرب الإسرائيلية، وتزايد الحديث عن احتمال توسع الصراع إقليميًا.
فالصين وروسيا تنظران إلى المنطقة باعتبارها إحدى أهم ساحات إعادة تشكيل النظام الدولي.
المنطقة تمثل بالنسبة لموسكو ساحة لاستنزاف النفوذ الأمريكي، بينما تراها بكين محورًا حيويًا لمشروعها الاقتصادي العالمي المرتبط بالطاقة والممرات التجارية ومبادرة الحزام والطريق.
ومن هنا، فإن أي حرب شاملة تهدد استقرار الخليج أو مضيق هرمز أو خطوط التجارة البحرية، تمثل تهديدًا مباشرًا للمصالح الصينية، كما أنها قد تمنح واشنطن فرصة لإعادة إحكام قبضتها الأمنية على المنطقة، وهو ما لا ترغب فيه بكين.
الفيتو كأداة لإعاقة مشروعية الحرب
من أبرز انعكاسات التقارب الصيني الروسي في الملف الشرق أوسطي، تنامي استخدام مجلس الأمن كساحة لتعطيل منح الشرعية الدولية لأي تصعيد عسكري واسع ضد إيران أو القوى الحليفة لها.
لقد أصبح الفيتو الروسي ـ الصيني بمثابة مظلة سياسية تعيق تمرير قرارات دولية تمنح غطاءً قانونيًا للتدخلات العسكرية الغربية، أو تعيد إنتاج سيناريوهات شبيهة بالعراق أو ليبيا.
هذا لا يعني بالضرورة أن بكين وموسكو تدعمان كل سياسات إيران، لكنهما تنظران إلى أي مشروع لإضعاف طهران بالقوة باعتباره جزءًا من استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة ترتيب المنطقة وفق هندسة أمنية تخدم النفوذ الغربي والإسرائيلي، ولا تاخذ بحقيقة ابتدار الحرب.
ومن هنا، فإن “إعاقة مشروعية الحرب” أصبحت هدفًا قائمًا بذاته داخل الاستراتيجية الروسية الصينية، عبر:
• تعطيل القرارات الأممية الداعمة للتصعيد.
• الدفع نحو الحلول السياسية.
• التأكيد على سيادة الدول.
• رفض تغيير الأنظمة بالقوة.
• التشكيك في الروايات الغربية الأحادية للحرب.
مصالح مختلفة… لكنها تلتقي عند إيران
ورغم التقارب الكبير بين موسكو وبكين، فإن دوافع كل طرف تجاه إيران تختلف في العمق.
روسيا تنظر إلى إيران كشريك أمني وعسكري واستراتيجي في مواجهة الضغوط الغربية، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا، حيث تحولت العلاقة بين البلدين إلى مستوى أكثر حساسية في مجالات التسليح والطاقة والتنسيق الأمني.
أما الصين، فتتعامل مع إيران من زاوية أكثر براغماتية؛ فهي لا ترغب في الانخراط ضمن محور عسكري مباشر، لكنها ترى في استقرار إيران ضرورة لحماية تدفق الطاقة، وكسر الاحتكار الأمريكي للممرات والأسواق.
ومع ذلك، فإن المصالح المختلفة تلتقي عند نقطة مركزية:
منع سقوط إيران أو عزلها بصورة كاملة داخل النظام الدولي، لأن ذلك سيعني تعزيز الهيمنة الأمريكية على غرب آسيا، وإضعاف أي توازن عالمي ناشئ.
ولهذا، تحاول بكين وموسكو بناء معادلة دقيقة:
• دعم إيران سياسيًا.
• منع انهيارها اقتصاديًا.
• تجنب الانجرار إلى حرب عالمية مفتوحة.
• وفي الوقت نفسه إبقاء خطوط التواصل قائمة مع الخليج وإسرائيل والغرب.
“إدارة العالم بعدالة”: الرسائل المشفرة للقمة
اللافت في تصريحات الزعيمين حديثهما المتكرر عن “العدالة الدولية”، و”عالم متعدد الأقطاب”، وضرورة “إدارة الشؤون الدولية بإنصاف”.
هذه اللغة لم تكن مجرد خطاب دبلوماسي عام؛ بل تحمل في طياتها انتقادًا ضمنيًا للنموذج الغربي في إدارة الأزمات، وخاصة الانحياز الأمريكي لإسرائيل في الحرب الحالية.
فالحديث عن “الإنصاف” و”العدالة” في هذا التوقيت يعكس محاولة لبناء خطاب أخلاقي مضاد، يقدم الصين وروسيا باعتبارهما مدافعين عن التوازن الدولي وحقوق الشعوب، في مواجهة ما تصفه موسكو وبكين بازدواجية المعايير الغربية.
كما أن هذه التصريحات تستهدف أيضًا دول الجنوب العالمي، التي بات كثير منها ينظر بقلق إلى الانتقائية الغربية في تطبيق القانون الدولي.
التوقيت… ما بعد القمة الصينية الأمريكية
إحدى أهم الإشارات الخفية في القمة تكمن في توقيتها، خاصة أنها جاءت عقب جولات من الاتصالات والتفاهمات الحذرة بين واشنطن وبكين.
فهناك إدراك صيني بأن العلاقة مع الولايات المتحدة دخلت مرحلة “إدارة التنافس” لا “إنهاء الصراع”، ولذلك تحاول بكين إرسال رسالة مزدوجة:
• أنها لا تسعى لمواجهة مباشرة مع واشنطن.
• لكنها في الوقت ذاته تمتلك شراكات استراتيجية قادرة على تعطيل الهيمنة الأمريكية.
أما روسيا، فتسعى لاستثمار أي توتر أمريكي في الشرق الأوسط لتخفيف الضغط الغربي عليها في أوكرانيا، عبر توسيع بؤر الاستنزاف وتشتيت الأولويات الأمريكية.
ومن هنا، فإن القمة حملت بعدًا ردعيًا غير معلن، مفاده أن أي إعادة تشكيل للشرق الأوسط لا يمكن أن تتم دون أخذ المصالح الروسية والصينية في الاعتبار.
تطورات جديدة تعزز التقارب
ثمة تطورات متسارعة تجعل التنسيق الصيني الروسي أكثر أهمية في المرحلة المقبلة، أبرزها
• تنامي المخاوف من اتساع الحرب إلى الخليج ومضيق هرمز.
• تصاعد الهجمات المرتبطة بالممرات البحرية والطاقة.
• القلق من انهيار مسارات التهدئة الإقليمية التي رعتها الصين سابقًا بين إيران ودول الخليج.
• ازدياد الحديث داخل الغرب عن إعادة تشكيل تحالفات أمنية جديدة في المنطقة.
• توسع استخدام العقوبات الاقتصادية كسلاح جيوسياسي، ما يدفع موسكو وبكين نحو بناء شبكات مالية وتجارية بديلة.
كما أن الصين باتت أكثر انخراطًا سياسيًا في قضايا الشرق الأوسط مقارنة بالماضي، بعدما ظلت لعقود تركز على الاقتصاد فقط، وهو تحول يعكس إدراكًا صينيًا بأن حماية المصالح الاقتصادية تتطلب حضورًا سياسيًا وأمنيًا أكبر.
خاتمة
القمة الصينية الروسية ليست حدثًا معزولًا عن مشهد الحرب في الشرق الأوسط، بل تمثل جزءًا من معركة أوسع حول شكل النظام الدولي المقبل، وإفرازات الحرب علي الكل.
وفي قلب هذه المعركة، تتحول المنطقة العربية إلى ساحة اختبار لتوازنات القوى الكبرى، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية، والروسية، والصينية، والإيرانية، والإسرائيلية، والخليجية، ضمن مشهد بالغ التعقيد.
لكن الرسالة الأوضح التي خرجت بها القمة هي أن مرحلة الانفراد الأمريكي الكامل بإدارة أزمات الشرق الأوسط لم تعد كما كانت، وأن العالم يتجه تدريجيًا نحو نظام أكثر ازدحامًا بالقوى، وأكثر تعقيدًا في صناعة القرار الدولي.
وفي ظل هذا التحول، تبدو الحرب الحالية أبعد من مجرد صراع إقليمي؛ إنها جزء من إعادة تشكيل موازين القوة في العالم كله.
——————
٢١ مايو ٢٠٢٦ م



