
خمسة عشر مليونًا يغيّرون وجه السودان : من الرعي إلى الحرب
توطئة:
نشرع في هذه السلسلة من المقالات في كشف الستار عن حقائق مُزلزلة توثّق لصراع وجودي بين الهوية السودانية المتجذرة ومشاريع استيطان ممنهجة . فما يشهده السودان اليوم ليس حربًا تقليدية، بل واحدة من أخطر عمليات الهندسة الديموغرافية (السكانية) في التاريخ الحديث، نُفِّذت بتواطؤ قوى دولية وإقليمية استهدفت تفكيك الدولة وتشريد شعبها.
لم تبدأ هذه الحرب بالرصاص، بل بإغلاق مسارات الرعاة، لتتحول لاحقًا إلى حرب شاملة لا تهدف إلى إسقاط مؤسسات الدولة فحسب، بل إلى تفكيك الإنسان السوداني ذاته، واستبداله بآخرين.
من الرعي إلى الاستيطان: كيف أُعيد تشكيل سكان السودان :
خمسة عشر مليون مستوطن جاثمون على أرض السودان،
ليسوا ضيوفًا ولا لاجئين، بل قوة استيطانية تتقدّم لتُعرّف نفسها كـ«سيد جديد وحاكم فعلي».
تشير بيانات الأمم المتحدة للسكان إلى أن تعداد سكان السودان الموحّد قبيل انفصال الجنوب بلغ نحو 36 مليون نسمة، بينما قُدِّر عدد سكان جنوب السودان عند الانفصال في عام 2011 بنحو 10 ملايين نسمة، ما يعني أن عدد سكان السودان بعد الانفصال انخفض إلى قرابة 26 مليون نسمة.
ومع افتراض معدل نمو طبيعي ثابت قدره 2.4% واغفال عوامل الحرب و القتل والتشريد فإن التقدير المتوقع لتعداد سكان السودان في عام 2025 لا ينبغي أن يتجاوز حدود 36 مليون نسمة كمعدل نمو طبيعي.
غير أن الواقع الصادم يُظهر أرقامًا مختلفة تمامًا. فالإحصاءات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة والبنك الدولي تقدّر عدد سكان السودان في عام 2025 بنحو 52 مليون نسمة، أي بزيادة تفوق معدل النمو الطبيعي بنحو 15 مليون نسمة خلال الفترة من 2011 إلى 2025، وهي زيادة تعادل تعداد دول كاملة.
وإذا نظرنا إلى إحصاءات الأمم المتحدة للأعوام 2023 و2024 و2025، نجد أنها سجلت نزوح أكثر من أربعة ملايين سوداني ، إلى دول الجوار (مصر، تشاد، جنوب السودان، إثيوبيا، إريتريا، ليبيا، وأوغندا)، إضافة إلى موجات لجوء أبعد نحو الخليج وأوروبا، دون أن يؤثر ذلك النزيف البشري سلبًا على سجلات النمو السكاني، التي ارتفعت خلال الفترة نفسها بنحو مليوني نسمة.
إذا كان السودان يخسر الملايين من سكانه بالقتل والتشريد، ومع ذلك تستمر أعداد السكان على الأرض في الارتفاع، فإن هذه الزيادة لا يمكن تفسيرها إلا في إطار نظرية الإحلال والإبدال، أو التغيير الديمغرافي المنظّم والمستمر.
نعم، هناك نمو سكاني، لكنه نمو خبيث يتناسب عكسيًا مع تعداد أصحاب الأرض الأصليين. هناك كتلة سكانية وافدة كانت تتمدّد داخل الفراغ الطبيعي، ثم بدأت مؤخرًا بالتمدّد داخل الفراغ المصنوع بالقتل والتهجير الممنهج.
وهنا لابد أن نسأل: من هؤلاء و من أين جاؤا ؟ ولماذا؟
فما نشاهده في إحصاءات الأمم المتحدة ليس خطأً تقنيًا ولا اضطرابًا في منهجيات التعداد، ما نشاهده ويعززه الواقع على الأرض هو تحوّل ديمغرافي ذو أبعاد جيوسياسية واضحة، يهدف إلى تغيير موازين السلطة وتفكيك الهوية الوطنية. هو مشروع تضافرت لتحقيقه عوامل داخلية وخارجية، وتحالفت فيه مليشيا قبلية طامعة، وحلف سياسي متواطئ، وقوى إقليمية ودولية باغية.
يعاني السودان منذ استقلاله من مشكلات ، أمنية وسياسية واقتصادية مزمنة برغم مساحته الشاسعة وموقعه الاستراتيجي الذي يجعله بوابة جنوبية للشرق الأوسط وشمالية لوسط وشرق أفريقيا التي يتمدد حتى تخوم غربها، إضافة إلى شاطئ طويل على البحر الأحمر، الممر الدولي الأهم للنفط والتجارة العالمية. كما انه يمتلك ثروات معدنية مقدّرة، وأراضي زراعية خصبة، وموارد مائية وفيرة مما يؤهله ليكون أحد أعمدة الأمن الغذائي العالمي.
وهو مع ذلك قليل السكان نسبياً مقارنة بحجمه، و له تداخل قبلي ممتد مع دول الجوار، المباشر وغير المباشر، ما جعله داراً للهجرة، و هدفًا للطامعين، و مسرحاً لمغامرات القوى الإقليمية والدولية .
بدأت هجرة القبائل العربية الأفريقية إلى السودان كحركة رعي موسمية ، لكنها تحوّلت بفعل الجفاف والمجاعة في ثمانينيات القرن الماضي، ثم بفعل الاضطرابات السياسية والعسكرية في دول الجوار إلى استقرار غير منضبط ومحدود – حينها – لكنه و ضع اللبنات الأولى للتغيير الديمغرافي اللاحق
الإيكواس (ECOWAS):
الإيكواس منظمة غرب أفريقية تضم خمسة عشر دولة، تشكّلت تحت لافتة اقتصادية، لكنها كرّست عمليًا للنفوذ الفرنسي (Françafrique) وحماية مصالح باريس في المنطقة. الإيكواس لم تدفع القبائل للهجرة شرقًا بقرار معلن لكنها منذ 1979 أسهمت في توجيه حركة المسارات داخلها عندما أقرت حق التنقل داخل نطاقها، وهو ما أثّر بعمق على السودان برغم أنه ليس عضوًا فيها و ذلك لأن إلغاء الحواجز داخلها سمح بتراكم بشري–رعوي ضخم في مناطق حدودية هشّة، فلم تعد قبائل العرب البقارة و الأبالة أو عرب الشوا كما يطلق عليهم في نيجريا والكاميرون مجرد مجموعات رعوية، بل تحوّلت إلى «أمة عابرة للحدود» تمتد من مرتفعات آداماوا في نيجيريا والكاميرون، مرورًا بوسط و جنوب تشاد ( يعرفون بعرب تشاد) وصولًا إلى دارفور و كردفان.
نشطت هذه الهجرات شرقًا منذ ثمانينيات القرن الماضي، لكنها تحوّلت إلى مسار قسري بعد عام 2010، عندما تبنّت الإيكواس، -بدفع فرنسي – سياسات تضييق أمني و رقابي على المسارات الغربية على خلفية تمدد الجماعات المتطرفة و تهديدهم للمصالح والإستثمارات الفرنسية.
سياسات الإيكواس ،-فرنسية المنبع- لم تسعى لتوطين تلك القبائل والاستثمار في تعليمهم وتطويرهم وابقتهم على الهامش ولم تواجهه ظاهرة انتشار السلاح وسطهم وسعت للتخلص منهم و أسهمت سيئاتها الأمنية بين 2013 ـ 2022 في تفكيك نطاق الرعي في دول الساحل، والدفع بتلك القبائل الرعوية نحو السودان،
في كتاب «الحراك الدولي للرعاة في إقليم الساحل الإفريقي» (منشورات جامعة أكسفورد، 2021)، يوضح باحثو دراسات المناطق الجافة أن:
«ضعف الدولة الوطنية في أطراف إقليم الساحل يحوّل التنقّل الرعوي من استراتيجية تكيف بيئي إلى آلية لنقل الأزمات من دولة إلى أخرى.»
ونواصل …






