“الجغرافيا قدرٌ لمن لا يملك استراتيجية.”

✍🏼 يوسف ماجد يوسف
يتحرّك العالم بسرعةٍ تتجاوز قدرة معظم الحكومات على الاستيعاب. حروبٌ كانت تستغرق عقودًا لإعادة رسم النظام الدولي باتت تُعيد صياغة الخرائط الجيوسياسية في أشهر معدودة. الديناميكيات المتشابكة التي تتكشّف في الخليج والشرق الأوسط الأوسع ليست أحداثًا منعزلة، بل هي إشاراتٌ تكشف عن تحوّلٍ بنيوي عميق في طريقة تنظيم القوة وخطوط التجارة والتحالفات خلال العقود المقبلة.
يقف السودان أمام هذه اللحظة في مفترق طريقين: خطرٌ داهم وفرصةٌ نادرة.
إن أخفق السودان في قراءة الإشارات الجيوسياسية الصحيحة والدفاع الفاعل عن مصالحه الاستراتيجية، فإنه يخاطر بأن يتحوّل إلى مجرد جغرافيا سلبية يرسم الآخرون خطوطها. أما إن موضع نفسه بوعيٍ ودراية، فبإمكانه أن يُصبح أحد أهم المحاور الاقتصادية واللوجستية التي تربط البحر الأحمر بالخليج العربي وبعمق القارة الأفريقية.
الفارق بين المصيرين لا يُحدّده الموقع الجغرافي، بل يُحدّده وجود استراتيجية وطنية: أفق استراتيجي يمتد ثلاثين عامًا، ورؤية وطنية لعشر سنوات، وخطط تنفيذية انضباطية لخمس سنوات.
التاريخ يقدّم دروسًا عديدة في هذا الشأن. معظمها تحذيرات صريحة.
أولًا: حين أخفقت الدول في قراءة اللحظة الاستراتيجية
يُثبت التاريخ مرارًا أن الدول الموهوبة بموقعٍ جغرافي استراتيجي كثيرًا ما تُفرّط في ميزتها حين تُخفق في التخطيط للتحوّلات الجيوسياسية بعيدة المدى. النمط متكرر ولا رحمة فيه.
أوكرانيا: الترسانة الضائعة
عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، ورثت أوكرانيا طاقة صناعية هائلة وثالث أكبر ترسانة نووية في العالم آنذاك، إذ احتضنت أراضيها نحو ألفٍ وتسعمائة رأسٍ حربية استراتيجية. فضلًا عن ذلك، تمتّعت بقوة عاملة متعلّمة وأراضٍ زراعية خصبة وموقعٍ جغرافي يتوسط روسيا وأوروبا. غير أنها عجزت عن بناء استراتيجية طويلة الأمد تُوازن بين هذه القوى المتنافسة. وبحلول الوقت الذي بلغت فيه المنافسة الجيوسياسية ذروتها، كانت أوراق أوكرانيا قد استُنزفت، ومؤسساتها أُفرغت من مضمونها، وخياراتها الاستراتيجية تقلّصت بصورة مأساوية. الجغرافيا وحدها لم تكن كفيلةً بحمايتها.
أفغانستان: الجسر الذي تحوّل إلى ساحة معركة
تتبدّى الحكمة ذاتها في المثال الأفغاني، حيث أتاحت الانقسامات الداخلية للقوى الخارجية أن تتحوّل البلاد إلى حلبة صراع مدّت أربعة عقود متواصلة. تقع أفغانستان عند ملتقى آسيا الوسطى وجنوب آسيا والشرق الأوسط، وهو موقعٌ كان يُؤهّلها لتكون ممرًا تجاريًا ونفطيًا لا غنى عنه. بيد أنها بدلًا من أن تُصبح جسرًا، أضحت ميدانًا للحروب بالوكالة. القوى الخارجية لم تُفرز الهشاشة الأفغانية، بل استثمرت الفراغ الذي أوجده الانقسام الداخلي.
لبنان: المصرفي الذي أضاع ميزانيته العمومية
حتى لبنان، عاصمة المال في الشرق الأوسط وسويسرا العرب، رأى تأثيره الإقليمي ينهار حين حالت اللاستقرار السياسي دون تأسيس مزاياه الاقتصادية ومأسستها. كانت الميزة النسبية لبيروت في الخدمات المصرفية والتجارة الإقليمية حقيقيةً وثابتة، لكن بلا تماسكٍ سياسي يُسنّدها، لم تصمد أمام الانهيار الهيكلي الذي أطاح بكل شيء.
باكستان: الممر الذي لا يُفضي إلى وجهة
لعلّ أبلغ تحذيرٍ للسودان ما مثّله المثال الباكستاني. كُرّمت إسلام آباد بأحد أكثر الهدايا الاستراتيجية ثمنًا في القرن الحادي والعشرين: الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC)، الذي يصل الإنتاج الصيني عبر ميناء غوادر العميق إلى بحر العرب. كان الطموح هائلًا: ممرٌ تجاري يربط أسواق آسيا الوسطى بالصناعة الصينية وطرق التجارة الخليجية، مع باكستان دولةً عبورٍ لا غنى عنها.
إلا أن الاضطراب السياسي المتواصل، والتوترات المدنية-العسكرية، والعنف الأمني، وضعف الحوكمة، أعاقت جميعًا توظيف هذه الميزة الاستراتيجية وتحويلها إلى قوةٍ وطنية مستدامة. غوادر لا يزال يعمل بدون استغلاله لطاقته الكاملة، والإمكانات الكاملة للممر لم تتحقق. الدرس صريح: البنية التحتية بلا تماسكٍ مؤسسي ليست سوى إمكانية، وليست قوة.
الفرص الاستراتيجية نادرًا ما تختفي فجأة؛ هي تتآكل ببطء حين تُخفق الدول في تنظيم نفسها حول مصالحها الوطنية بعيدة المدى.
يقف السودان الآن أمام مفترق طريق مماثل.
ثانيًا: النقطة العمياء في الاستراتيجية السودانية: الانفصال عن أفريقيا
يُعدّ الانفصال التدريجي عن التكامل الإقليمي الأفريقي خلال العقود الثلاثة الماضية واحدًا من أشدّ الأخطاء الاستراتيجية السودانية وطأةً. فرغم أن السودان يقع جغرافيًا عند تقاطع شمال أفريقيا والساحل والقرن الأفريقي وشرق القارة، ظلّ توجّهه السياسي والاقتصادي يميل بثقلٍ نحو العالم العربي والخليج.
كان لهذا الخلل ثمنٌ مركّب.
في الوقت الذي كان فيه السودان يتفرّج من هامش المشهد، كانت دول شرق أفريقيا تبني بصمتٍ وصبر أحد أكثر التكتّلات الإقليمية حيويةً في القارة عبر مجتمع أفريقيا الشرقية (EAC). ضمّ هذا التكتّل كينيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا وبوروندي وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وعمّقت هذه الدول التكامل التجاري وتنسيق الاستثمارات البنية التحتية وتعزيز المؤسسات الإقليمية، كل ذلك ودول السودان يراقب من بعيد.
يُقدّم المثال الرواندي مقارنةً صارخة ومُحرجة. نهضت رواندا من رماد إبادة جماعية عام 1994 وهي مُثقلة باقتصادٍ منهك، وبلا منفذ بحري، وبلا نفط، وبلا بنية تحتية استراتيجية. ومع ذلك، من خلال رؤية بعيدة المدى تُوليّ الأولوية للحوكمة والتموضع الإقليمي وترسيخ صورة الاستقرار، أصبحت رواندا وجهةً مُفضَّلة للاستثمار الأجنبي في شرق أفريقيا. دولةٌ لم يكن بيدها شيء، بنت شيئًا. السودان الذي كان يملك ما يفوق ذلك بكثير، بنى القليل جدًا.
التكامل الإقليمي يُولّد حوافز مشتركة للاستقرار: حين تتشابك اقتصادات الجيران، يُصبح عدم الاستقرار في بلدٍ ما تهديدًا اقتصاديًا مباشرًا للدول الأخرى. أعضاء مجتمع أفريقيا الشرقية لديهم حصصٌ حقيقية في سلامة بعضهم البعض. السودان لم يُتح لجيرانه امتلاك مثل هذه الحصة في استقراره قط.
فوّت السودان تلك الفرصة. لكن النافذة لم تُغلق بعد.
ثالثًا: دولٌ حوّلت الرؤية الاستراتيجية إلى قوةٍ وطنية
في مقابل الدول التي أضاعت فرصها، ثمة دولٌ أخرى استخدمت استراتيجيتها بعيدة المدى لتحويل موقعها، وكثيرًا ما انطلقت من مواضع ضعفٍ ظاهر.
سنغافورة: المدينة التي صنعت من نفسها ضرورةً لا غنى عنها
حوّلت سنغافورة موقعها الجغرافي عند طرف شبه جزيرة الملايو، ذلك الممر الذي تعبر منه نحو أربعين بالمئة من حجم التجارة العالمية، إلى أحد أقوى مراكز اللوجستيات والمالية في العالم. لم تكن تملك موارد طبيعية، ولا قاعدة زراعية، ولا عمق استراتيجي. ما كانت تملكه هو حكومةٌ واعية وطموحة استثمرت في البنية التحتية للتجارة والتعليم وسيادة القانون والدبلوماسية الفاعلة عبر عقودٍ متتالية. واليوم، تضرب سنغافورة بثقلٍ يتجاوز حجمها في كل مجال يعتدّ به: التمويل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والوساطة الجيوسياسية.
تركيا: دولة المحور الدائمة
أمضت تركيا عقودًا في توظيف موقعها الجغرافي بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط للحفاظ على ثقلٍ استراتيجي بصرف النظر عن أي كتلةٍ في الصعود. ممراتٌ للطاقة، وطاقة تصنيعية، وعضويةٌ في حلف الناتو، وقنواتٌ دبلوماسية مستقلة مع واشنطن وموسكو في آنٍ واحد، كل ذلك منحَ أنقرة قدرةً على التفاوض من اتجاهاتٍ متعددة في وقتٍ واحد. تركيا ليست مجرد جسر، هي وسيطٌ يفرض ثمنًا على الوساطة.
الإمارات العربية المتحدة: البنية التحتية بوصفها سياسة خارجية
أمضت الإمارات عقودًا في بناء نفوذٍ عالمي عبر الموانئ والبنية التحتية اللوجستية وشبكات الاستثمار السيادي والدبلوماسية الاستراتيجية. تُدير موانئ دبي العالمية محطاتٍ في أكثر من ستين دولة. صندوق أبوظبي للاستثمار يُوزّع رأس المال على ست قارات. وفهم الطموحات الإماراتية يستلزم متابعةً دقيقة ليس فقط للبيانات الرسمية، بل للإشارات الصادرة عن مراكز الفكر والإعلام في دبي وأبوظبي، تلك الإشارات التي كثيرًا ما تُفصح عن خطط بعيدة الأمد تتعلق بشبكات اللوجستيات والشراكات الأفريقية وممرات تجارة البحر الأحمر. لا ينبغي إغفال هذه الإشارات. ينبغي دراستها بعنايةٍ فائقة.
جيبوتي: النموذج الأكثر إلهامًا للسودان
من بين كل الأمثلة المقارنة، تستحق جيبوتي أطول تأملٍ من المخططين الاستراتيجيين السودانيين. جيبوتي دولةٌ لا يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، ترتكز على شريطٍ من الأرض القاحلة عند مدخل خليج عدن، حيث يلتقي البحر الأحمر بالمحيط الهندي. لا نفط لديها، ولا قاعدة زراعية كبيرة، ولا موارد طبيعية تُذكر. ما لديها هو الموقع الجغرافي: قطعةٌ أرضٍ تتربّع على واحدة من أحرج نقاط الخنق البحرية في العالم.
من خلال سياسةٍ واعية وبعيدة المدى، تمكّنت جيبوتي من تحويل هذه الجغرافيا إلى مصدرٍ رئيسي للدخل الوطني. تستضيف البلاد قواعد عسكرية للولايات المتحدة وفرنسا والصين واليابان وإيطاليا، تجني من إيجاراتها عائداتٍ ثابتة، بينما تجعل نفسها في الوقت ذاته عصيّةً على الاستغناء عنها أمام كبار القوى. وتتدفق من خلال موانئها ما يقارب خمسة وتسعين بالمئة من تجارة إثيوبيا الضخمة، ما يُدرّ عليها مئات الملايين من الدولارات سنويًا في رسوم العبور.
لجيبوتي جزءٌ ضئيل من ساحل السودان، وجزءٌ ضئيل من أراضيه الزراعية، وجزءٌ ضئيل من سكانه. ومع ذلك، بلغت من النفوذ الجيوسياسي ما لم يقترب منه السودان قط بكل مزاياه المقارنة. الدرس لا يحتاج إلى تفسير.
المغرب: تصنيع البوابة الاستراتيجية
يُقدّم المغرب نموذجًا بالغ الأثر في إعادة التموضع الجغرافي بقصدٍ وتخطيط. إذ أدركت الرباط أن موقعها عند ملتقى أفريقيا وأوروبا كان أصلًا غير موظَّف، فاستثمرت بكثافةٍ في مجمع ميناء طنجة المتوسط، الذي غدا اليوم أكبر ميناء في أفريقيا والحوض المتوسط من حيث حجم تداول الحاويات. وفي موازاة ذلك، استقطبت المملكة استثمارات تصنيعية في قطاعات السيارات والفضاء والمنسوجات، لتُوضع نفسها منصةً للتصنيع والتصدير تربط سلاسل التوريد الأفريقية جنوب الصحراء بالأسواق الأوروبية. لم ينتظر المغرب الجغرافيا لتتكلّم وحدها، بل بنى البنية التحتية التي تجعل الجغرافيا مسموعة.
رابعًا: البحر الأحمر يتحوّل إلى ممرٍ استراتيجي، والرهانات في ارتفاع
تتجدّد خرائط التجارة العالمية بسرعةٍ تتجاوز إيقاع معظم دورات التخطيط الاستراتيجي.
يُصبح البحر الأحمر تدريجيًا أحد أهم الممرات في العالم، لعوامل متداخلة: الاضطرابات في سلاسل التوريد التقليدية، وتصاعد التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، وضخامة الاستثمارات الخليجية في البنية التحتية، وتفاقم عدم الاستقرار حول نقاط الخنق البحرية الحيوية.
كشفت حملة الحوثيين في البحر الأحمر، التي بدأت أواخر عام 2023 وامتدت طوال العام التالي، بجلاءٍ نادر عن هشاشة هذا الممر وفي الوقت ذاته عن مركزيته. حين بدأت الصواريخ تستهدف السفن التجارية، أعادت كبرى شركات الشحن توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح، مضيفةً أسابيع وآلاف الأميال إلى الرحلات. انهارت إيرادات قناة السويس المصرية تقريبًا بين عشيةٍ وضحاها. قفزت أقساط تأمين الرحلات في البحر الأحمر. وبلغت التكلفة الإجمالية للاضطراب عشرات المليارات من الدولارات.
ما كشفته تلك الأزمة ليس ضعف البحر الأحمر فحسب، بل مركزيته المطلقة. الممر الذي يُحدث هذا الحجم من الضرر حين يُهدَّد، يمثّل مصدر نفوذٍ هائل حين يُستقرّ ويُسيطَر عليه. والسودان يجلس مباشرةً على هذا الممر بساحلٍ يمتد 853 كيلومترًا على البحر الأحمر.
مضيق هرمز يُضاعف هذه المعادلة. أي اضطرابٍ مستدام في تدفق النفط الخليجي عبر هرمز سيدفع الأسواق العالمية للطاقة إلى البحث عن مسارات بديلة، مما سيمنح البنية التحتية اللوجستية للبحر الأحمر قيمةً استراتيجية أعلى، لا أدنى. وهذا يعني أن موقع السودان سيزداد أهميةً مع تصاعد كل أزمة في المنطقة.
ثمة ديناميكية أكثر إلحاحًا كاد السودان يُغفلها بالكامل: الاعتماد الوجودي الإثيوبي على الوصول البحري. إثيوبيا هي أكثر دول العالم اكتظاظًا بالسكان من غير الساحلية، إذ تعدّ أكثر من مئةٍ وخمسةٍ وثلاثين مليون نسمة دون أي منفذٍ على البحر، وتمرّ نحو خمسةٍ وتسعين بالمئة من تجارتها عبر موانئ جيبوتي. هذا الاعتماد يمنح جيبوتي نفوذًا استثنائيًا على أديس أبابا. ميناء بورتسودان يمثّل الممر التجاري الثانوي لإثيوبيا، وفي لحظات التوتر بين أديس أبابا وجيبوتي، يتحوّل هذا الممر إلى حيوي. ومع ذلك، أخفق السودان في استثمار هذه الأوراق الهيكلية لتحقيق رأسمالٍ دبلوماسي، أو استقطاب استثمارات في البنية التحتية، أو إبرام اتفاقياتٍ اقتصادية ملزمة. قدّم السودان لإثيوبيا حقّ الوصول دون أن يستخلص في المقابل قيمةً استراتيجية توازي هذا المنح.
هذا ليس انتقادًا للكرم، بل ملاحظةٌ على الفرق بين الجغرافيا السلبية والاستراتيجية الفاعلة.
للسودان 853 كيلومترًا من سواحل البحر الأحمر وأكثر دول العالم سكانًا وأشدّها حاجةً للمنفذ البحري على حدوده. ولم يقرر بعد كيف يُوظّف أيًا من هذين الأصلين.
خامسًا: الفرصة الاستراتيجية السودانية: ثلاثة محاور متشابكة
ينبغي للسودان أن يسعى إلى استراتيجيةٍ مبنية على ثلاثة محاور متكاملة ومتعزّزة لبعضها.
المحور الأول: تعميق التكامل الإقليمي الأفريقي
يجب أن يُعيد السودان انخراطه الفاعل مع شركائه الإقليميين الأفارقة، وأن يُموضع نفسه بوابةً اقتصاديةً لأفريقيا الداخلية، ليس تفضّلًا على جيرانه، بل ركيزةً بنيويةً في معمار اقتصاده الوطني.
الدول غير الساحلية كتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى بحاجةٍ ماسّة إلى منافذ بحرية موثوقة وبنية تحتية للمعالجة والتصدير. يمكن أن يُصبح السودان المحور التصنيعي والتصديري الذي يربط هذه الاقتصادات بالأسواق العالمية عبر:
▪️معالجة المواد الغذائية وسلاسل قيمة السلع الزراعية
▪️الخدمات اللوجستية والمستودعات وبنية التبريد والتخزين
▪️صناعاتٌ تحويليةٌ خفيفة موجّهة نحو التصدير الإقليمي
▪️بنية تحتية لنقل الطاقة تستثمر الاتصال البري للسودان
من شأن ذلك أن يُرسّخ السودان اقتصاديًا داخل القارة الأفريقية، ويمنح جيرانه حصصًا دائمة في استقراره، ويُدرّ على السودان عائداتٍ ثابتة بعيدًا عن تقلّبات أسعار السلع الأولية.
المحور الثاني: الانسجام الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية وتنمية البحر الأحمر
في الوقت ذاته، يجب أن يُعمّق السودان علاقته الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية، ولا سيما في ما يتعلق بمشاريع التنمية الاقتصادية على امتداد البحر الأحمر. تُمثّل استثمارات رؤية 2030 السعودية على طول محور البحر الأحمر، بما فيها نيوم ومشروع البحر الأحمر والبنية التحتية المرتبطة بهما، أحد أضخم البرامج التنموية في التاريخ المعاصر. يجعل القرب الجغرافي للسودان منه شريكًا طبيعيًا لا مجرد مراقب من البعيد.
وتشمل مجالات الشراكة المحتملة:
▪️سلاسل التوريد الغذائي ودعم الأمن الغذائي الخليجي، الطاقة الزراعية السودانية تُلبّي احتياجاتٍ خليجية ملحّة
▪️الربط اللوجستي بين موانئ البحر الأحمر من جدة إلى بورتسودان
▪️مناطق صناعية ومرافق معالجة مرتبطة بمسارات التجارة البحرية
▪️مشاريع مشتركة للطاقة والمياه في المناطق الحدودية
لكن هذه الشراكات لا تنشأ تلقائيًا بفعل القرب الجغرافي. تستلزم انخراطًا دبلوماسيًا فاعلًا، ومناصرةً استراتيجيةً ممنهجة، وعلاقاتٍ مؤسسية تُبنى على مدى سنوات، لا مجرد قمم متقطّعة.
المحور الثالث: الارتقاء إلى مركزٍ لوجستي ومحور معالجة يربط البحر الأحمر بأفريقيا
ينبغي أن تستهدف الاستراتيجية الاقتصادية السودانية بعيدة المدى تموضعه كعقدة مركزية تربط الإنتاج الأفريقي بالأسواق الخليجية والآسيوية، النسخة الموسّعة على الصعيد القاري لما أنجزته جيبوتي على نطاقٍ أصغر.
بمعالجة السلع الأفريقية وتصدير منتجاتٍ ذات قيمةٍ مضافة عبر موانئ البحر الأحمر، يمكن للسودان أن يُحوّل نفسه إلى اقتصاد بوابة يصل بين مناطق متعددة في آنٍ واحد: معادن الساحل، والمنتجات الزراعية لأفريقيا الشرقية، وسلع أفريقيا الوسطى، كلها تمرّ عبر البنية التحتية اللوجستية ومحطات المعالجة السودانية قبل بلوغها الأسواق العالمية.
هذا النموذج أثبت جدارته في التطبيق. الدول التي تتحكّم في شبكات اللوجستيات والمعالجة الرئيسية، روتردام وسنغافورة ودبي وطنجة المتوسط، تكتسب نفوذًا اقتصاديًا مُتراكمًا عبر العقود. المنطق ذاته متاحٌ للسودان. السؤال هو ما إذا كانت القدرة المؤسسية والإرادة السياسية قابلتين للتجميع والتسخير لتنفيذ هذا التصوّر.
سادسًا: أصلٌ كامنٌ غير موظَّف: شبكات الاستخبارات والدبلوماسية السودانية
يمتلك السودان أصلًا استراتيجيًا نادرًا يظلّ التحليل الجيوسياسي الرسمي دون استيعابٍ حقيقي لقيمته.
عبر عقودٍ من التشابك الإقليمي المعقّد مع دول الخليج وجماعاتٍ مسلحة في الساحل وحكومات القرن الأفريقي والحركات الإسلامية وخصومها على حدٍّ سواء، ظلّت أجهزة الاستخبارات والشبكات الدبلوماسية السودانية تحتفظ بقنوات اتصالٍ مع أطرافٍ في الشرق الأوسط وأفريقيا نادرًا ما تتحدث بعضها إلى بعض بصورة مباشرة.
في بيئةٍ جيوسياسية متشرذمة بشكلٍ متنامٍ، تُشكّل القدرة على التواصل عبر الانقسامات ليست قدرةً هامشية، بل قدرة محورية بامتياز. الدول القادرة على أداء دور الوسيط الموثوق، سويسرا في مالية أوروبا، وعُمان في دبلوماسية الخليج، وقطر في سياقاتٍ وساطية معينة، تكتسب نفوذًا يتجاوز قوّتها الرسمية بمراحل.
الشبكة السودانية في حالتها الراهنة هي أصلٌ بلا استراتيجية متكاملة. استُخدمت باتزانٍ، ومعاملاتيًا، وفي أغلب الأحيان لخدمة مصالح النظام الآنية لا للتموضع الوطني بعيد الأمد. وإذا تحوّلت إلى موقفٍ دبلوماسيٍّ واعٍ، السودان بوصفه الرابط الذي لا غنى عنه بين الدول الأفريقية ودول الخليج وأطراف البحر الأحمر، يمكن أن تغدو من أكثر مصادر النفوذ الوطني ديمومةً.
لكن هذا يستلزم فنّ الدولة، لا مجرد الاستخبارات. يستلزم الصبر والاتساق المؤسسي ووضوحًا تامًا فيما يسعى السودان إلى تحقيقه على أفقٍ يمتد ثلاثين عامًا. العلاقات التكتيكية لا تُعوّض الهندسة الاستراتيجية.
سابعًا: إطار التخطيط الاستراتيجي: ثلاثة آفاق زمنية
لا يمكن بناء مستقبل السودان على دورات سياسية قصيرة الأمد أو الإدارة التفاعلية للأزمات. يتطلّب الأمر تخطيطًا هيكليًا بعيد المدى، من النوع الذي يتجاوز تبدّل الحكومات، ويُلزم الإدارات المتعاقبة بالاستمرارية، ويُرسي مساءلةً مؤسسية حول النتائج.
يستلزم هذا الإطار الواقعي ثلاثة آفاق تخطيطية تعمل في وقتٍ واحد.
الأفق الأول: الاستراتيجية الثلاثينية: تحديد دور السودان في المنظومة الإقليمية
يُحدّد الأفق الثلاثيني الدور بعيد الأمد للسودان داخل المنظومة الاقتصادية للبحر الأحمر وأفريقيا. هذا ليس خطةً بالمفهوم التشغيلي؛ بل هو هوية، إجابةٌ عن السؤال: “أيّ نوعٍ من الدول يبني السودان لنفسه؟” والإجابة ينبغي أن تكون: مركزٌ لوجستي ومحور معالجة ووساطة دبلوماسية عند تقاطع أفريقيا والخليج وممر البحر الأحمر. ينبغي أن ينتظم كل شيءٍ آخر حول هذه الإجابة.
الأفق الثاني: الرؤية الوطنية العشرية: إرساء الأسس
تُطوّر الرؤية العشرية البنية التحتية والصناعات والشراكات الدبلوماسية اللازمة لدعم تلك الهوية الاستراتيجية. ويشمل ذلك توسيع ميناء بورتسودان وتحديثه، وتطوير مناطق معالجة الإنتاج الزراعي، وتشييد شبكات السكك الحديدية والطرق التي تربط عمق السودان بساحله، وتأسيس شراكاتٍ دبلوماسية راسخة مع المملكة العربية السعودية وإثيوبيا ودول مجتمع أفريقيا الشرقية والإمارات العربية المتحدة.
الأفق الثالث: خطط التنفيذ الخمسية: بناء المساءلة
تُنفّذ الخطط الخمسية مشاريع ملموسة وقابلة للقياس تُقدّم السودان تدريجيًا نحو الرؤية العشرية. الحكومات قد تتغيّر، لكن الخطط تضمن الاستمرارية. المشاريع قابلة للتقييم، والخطط تُؤسّس المساءلة. الشركاء الدوليون يستطيعون توجيه استثماراتهم، والخطط توفّر القابلية للتنبّؤ.
بلا هذه الهندسة الاستراتيجية، يخاطر السودان بالبقاء في حالةٍ تفاعلية دائمة، منهمكًا بإدارة الأزمة الآنية بينما تتسلّل الفرصة الهيكلية بصمتٍ إلى غير رجعة.
خاتمة: اللحظة التي لا يُمكن للسودان تفويتها
يدخل النظام الدولي مرحلةً من إعادة الترتيب الهيكلي السريع. الجغرافيا القديمة للقوة، المنتظمة حول المؤسسات الأطلسية وبنى تحالفات الحرب الباردة والإطار متعدد الأطراف الذي أعقب عام 1945، تتراجع أمام شيءٍ أكثر تعدديةً وتنافسيةً ومعاملاتية.
في هذا المحيط، باتت الجغرافيا تُعلي شأنها أكثر مما كانت في عهد النظام العالمي القائم على القواعد. طرق التجارة تُتنازع عليها. نقاط الخنق تُسلَّح. التكتلات الإقليمية تتصلّب. البنية التحتية تُصبح سياسةً خارجية بأدواتٍ مختلفة.
موقع السودان الجغرافي يضعه عند تقاطع كل ديناميكية استراتيجية ستُشكّل الجيل المقبل: ممر البحر الأحمر، والحدود التنموية الأفريقية، وحسابات الأمن الغذائي الخليجي، والتنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في الجنوب العالمي.
رأت جيبوتي ذلك وبنت اقتصادًا حوله. ورأى المغرب ذلك وبنى ميناءً. ورأت سنغافورة الشيء ذاته قبل عقودٍ وبنت حضارةً بأكملها. لم تكن هذه الدول أكبر من السودان أو أغنى موارد. كانت أشدّ منه قصدًا وتدبيرًا.
العقود الثلاثة المقبلة ستُقرّر ما إذا كان السودان يُصبح دولةً هامشيةً في نظامٍ إقليمي جديد، أم أحد أعمدته المركزية. الفرصة لا تزال قائمة. النافذة ليست مفتوحةً إلى الأبد.
الجغرافيا وحدها لا تُحدّد مستقبل أيّ دولة. الرؤية الاستراتيجية والتخطيط المنضبط والدبلوماسية الفاعلة هي وحدها القادرة على تحويل الجغرافيا إلى قوةٍ وطنية.
يمتلك السودان الجغرافيا. السؤال الوحيد الذي يعتدّ به الآن هو ما إذا كانت بيده الإرادة لبناء الاستراتيجية التي تُوازيها.
——————-
ملاحظة توثيقية: التحقق من الوقائع الواردة في المقال
•ساحل السودان على البحر الأحمر: 853 كيلومترًا (مصدر: السفارة السودانية، منظمة الصحة العالمية، ويكيبيديا)
•إثيوبيا: أكثر دول العالم سكانًا من غير الساحلية، 135 مليون نسمة في 2025 (مصدر: ويكيبيديا، الأمم المتحدة)
•نحو 95% من تجارة إثيوبيا تمر عبر ميناء جيبوتي (مصدر: دراسات مركزية متعددة عن الاقتصاد الإثيوبي)
•ميناء طنجة المتوسط: أكبر ميناء في أفريقيا والمتوسط من حيث حجم تداول الحاويات
•موانئ دبي العالمية (DP World): تُدير محطات في أكثر من 60 دولة
•ترسانة أوكرانيا النووية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي: ثالث أكبر ترسانة في العالم آنذاك (~1900 رأس حربي استراتيجي)
•حملة الحوثيين في البحر الأحمر: بدأت أواخر عام 2023، أثّرت مباشرةً على إيرادات قناة السويس وأقساط التأمين البحري



