
أصبح من المألوف أن تُقدَّم صورة السودان في بعض الأدبيات والتحليلات بوصفه دولةً على حافة الانهيار الدائم أو الفشل المزمن، أو كياناً يفتقر إلى الرابط الذي يجعله وطناً جامعاً. وفي كثير من هذه القراءات، يُختزل المشهد السوداني في ثنائية مبسطة تتراوح بين مجتمع بلا أمة، ودولة بلا أساس وجداني، وكأن البلاد تعيش حالة استثناء سلبي لا تشبه غيرها.
غير أن هذه المقاربات، على ما تبدو عليه من تماسك ظاهري، تعاني من خلل منهجي عميق، يتمثل في الخلط بين تعثّر الدولة وفشل المجتمع، وبين أزمة الحكم وغياب القابلية الوطنية.
فالسودان، في مستواه الاجتماعي، ليس فضاءً مفككاً كما يُصوَّر أحياناً، بل هو مجتمع غني بشبكات التضامن الأهلي، والتكافل الاجتماعي، والمرجعيات القيمية المشتركة التي ظلّت، رغم كل العواصف، تمسك بجزء معتبر من تماسكه الداخلي. وما يُقرأ على أنه غياب للرابط الوطني، قد يكون في حقيقته انعكاساً لغياب الدولة التي تستحق هذا الانتماء، لا غياب الانتماء ذاته.
إن الأزمة السودانية، في جوهرها، ليست أزمة شعب عاجز عن تشكيل أمة، بل أزمة نخبة عجزت عن بناء دولة. فالدولة التي تشكّلت عبر تراكمات إدارية واستعمارية موروثة، ثم أُديرت لاحقاً بمنطق مركزي ضيق، لم تنجح في تحويل التنوع الاجتماعي والثقافي إلى مشروع وطني جامع، بل أسهمت – في كثير من الأحيان – في تعميق الفجوة بين المركز والأطراف، وتحويل الانتماءات المحلية إلى ملاذات بديلة عن كيان لم يكتمل.
فالأزمة في السودان ليست أزمة هوية بقدر ما هي أزمة احتكار تعريف الهوية داخل دولة مُتنازعة في شرعيتها، حيث تتحول السلطة من إطار جامع إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام.
وفي هذا السياق، كثيراً ما تُطرح مسألة القبيلة بوصفها العائق الأكبر أمام تشكّل الدولة الحديثة، غير أن هذا الطرح يغفل حقيقة أساسية، وهي أن البنى التقليدية لم تنشأ في مواجهة الدولة، بل في غيابها. فالقبيلة، في سياقات عديدة، لم تكن بديلاً عن الوطن، بل كانت آلية للبقاء والتنظيم في ظل فراغ مؤسسي مزمن. ومن ثمّ، فإن تصويرها كسبب للأزمة يتجاهل كونها في جوهرها نتيجة لا سبباً.
أما ما يُلاحظ من تحولات سريعة نحو العنف عند كل أزمة سياسية، وما يصاحبها من تآكل في مؤسسات الدولة، فلا يمكن فهمه بوصفه عداءً شعبياً لفكرة الدولة، بقدر ما هو انعكاس لانهيار بنية سياسية تم تسييسها وعسكرتها على مدى عقود، وتداخلت فيها الصراعات الداخلية مع تدخلات إقليمية ودولية، أعادت تشكيل المشهد وفق منطق القوة لا منطق العقد الاجتماعي.
وفي مقابل هذه القراءات التي تميل إلى التعميم، يُستدعى أحياناً نموذج دول أخرى تبدو أكثر تماسكاً، بوصفها أمثلة على نجاح “الدولة–الأمة”. غير أن هذه المقارنات، رغم وجاهتها الجزئية، تتجاهل أن تشكّل الدول الوطنية لم يكن مساراً سلساً أو طبيعياً، بل جاء في كثير من الأحيان عبر صراعات طويلة، ومراحل من المركزية الصارمة، وإعادة تشكيل الهوية على نحو تدريجي أو حتى قسري.
وفي هذا التوقيت تحديداً، لا يمكن فصل هذه النقاشات النظرية عن واقع الحرب الجارية، التي لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة لطبيعة الدولة وحدودها.
إن أخطر ما تفرزه الحرب الجارية اليوم ليس فقط حجم الدمار المادي، بل إعادة إنتاج سردية خطيرة مفادها أن السودان “غير قابل للحياة”، وهي سردية تجد للأسف من يغذيها داخلياً قبل أن تُسوَّق خارجياً. فحين تتحول الحرب إلى صراع صفري تُستدعى فيه الهويات الضيقة، ويُستقوى فيه بالخارج على الداخل، لا يجري فقط تفكيك الدولة، بل يُعاد تشكيل الوعي الجمعي على نحو يجعل فكرة الوطن نفسها موضع شك.
كما أن هذه السرديات لا تتحرك في فراغ، بل تتقاطع في كثير من الأحيان مع تصورات ومصالح دولية تسعى إلى إعادة تعريف أولويات التدخل، وترتيب مسارات النفوذ، تحت غطاء توصيف الأزمة لا حلّها.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ ليس في تعدد الجبهات، بل في تآكل الفكرة الجامعة. فالدول لا تنهار فقط حين تسقط مؤسساتها، بل حين يفقد أهلها إيمانهم بأنها تستحق البقاء.
إن ما يحدث اليوم يضع النخبة السياسية والعسكرية أمام مسؤولية تاريخية مزدوجة،
إما الاستمرار في إدارة الصراع بمنطق الغلبة، بما يفتح الباب أمام سيناريوهات التفكك الفوضوي،
أو الانتقال – ولو متأخراً – إلى تأسيس عقد وطني جديد، يعيد تعريف الدولة بوصفها ملكاً للجميع، لا غنيمة لطرف، وهو عقد لا يقوم على التوافق السياسي المؤقت، بل على إعادة تأسيس الشرعية عبر قواعد حكم واضحة، وتوزيع متوازن للسلطة، وضمانات مؤسسية تُخرج الدولة من منطق السيطرة إلى منطق الإدارة.
وبالتالي، فإن النظر إلى السودان بوصفه حالة مكتملة الفشل يتجاهل أنه، في الواقع، مشروع دولة لم يُنجز بعد، لا كيان فقد قابليته للحياة، والدول الناجحة يجب ألا تنتظر من يمنحها قابليتها للحياة من الخارج، بل الأفضل أن يُنتزع ذلك من الداخل عبر بناء مؤسسات قادرة على فرض جدواها ومعناها في الواقع.
إن أخطر ما في بعض هذه السرديات ليس تشخيصها للأزمة، بل ما تحمله ضمنياً من نزعة حتمية، تُصوّر التفكك وكأنه المصير الوحيد الممكن، وتغفل عن أن المجتمعات – مهما بلغت أزماتها – تظل قادرة على إعادة إنتاج ذاتها حين تتوفر شروط سياسية ومؤسسية مختلفة.
فالسودان، رغم كل ما مرّ به، لا يزال يحتفظ بعناصر قوة كامنة:
في تنوعه الذي يمكن أن يتحول من مصدر صراع إلى مصدر غنى
وفي مجتمعه الذي لم يفقد قدرته على التماسك الأهلي
وفي ذاكرته التاريخية التي شهدت لحظات متكررة من إعادة التشكل
فالمشكلة في السودان لم تكن يوماً في تعدده، بل في عجز الدولة عن إدارته. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل السودان دولة أم لا؟
بل: كيف يمكن تحويل هذا الكيان المركب إلى دولة عادلة تستحق الانتماء، وتُعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة على أسس جديدة؟
إن التحدي ليس في إثبات وجود الأمة أو نفيها، بل في بناء الدولة التي تُنتج هذه الأمة، لا تلك التي تُبددها. فبين سرديات الفشل وإمكانات التشكّل، لا يقف السودان عند نهاية الطريق، بل في منتصفه… حيث لم يُحسم المستقبل بعد.
الإثنين 30 مارس 2026م


