
من نوادر الأدب الروسي قصة للأديب الروسي تشيخوف تحت عنوان ( إنسان في بيت نظارة). مختصر القصة أن بطلها رجل يرتدي معطفا شتويا في كل فصول السنة ونظارة سوداء في الليل والنهار، وقبعة جلدية ويحمل مظلة مطر وحقيبة. لا يغير شيئا في حياته ويخشى كل جديد. تمر عليه الأيام تسلمه لياليها لنهاراتها دون أن يرفع بصره ليتأمل السماء وزينتها، ولا يلق السمع لضجيج الأرض وثورتها. فيعيش بلا حس ويموت بلا أثر كأنه إنسان في بيت نظارة.
القصة بسيطة في بناءها بليغة في رسالتها، فهي تحدث عن غرباء يدخلون الحياة ويخرجون دون أن ينشئوا حدثاً أو يتركوا أثرا.
وكما تصلح القصة لتصوير الأشخاص فهي تصلح كذلك لتصوير الأمم. فقد عرف التاريخ البشرى نماذج متعددة لأمم مرت بقطار الحياة، منها من اندثرت ومنها من هي شاخصة حتى يومنا هذا تقبع على رقاع جغرافية ملؤها الخيرات والثروات والمنن، يورثها جيل لجيل دون مساس بالخام في منتهى التسليم والسلام.
من المعلوم أن الغاية العظمى للاقتصاد هي الاستغلال الأمثل للموارد لتحقيق رفاهية الشعب. ومن أجل هذه الغاية عرف العالم الحروب والإبادة والاستعمار والعبودية والإقطاع والإمبريالية وغيرها من أساليب الهيمنة على الموارد الطبيعية أينما كانت. وقد تأسست العلاقات الدولية على صيغ متعددة من المثالية إلى العملية كلها تبحث عن أنجع السبل لتحقيق المكاسب والمصالح.
إن البقاء داخل بيت (النظارة) لا يمنع البغاة الغاصبين من الولوج بكل السبل ولا يمنح الباقين معنى الحياة.
عندما انتصر البلشفيك في ثورة الجياع ضد القيصر والنبلاء والإقطاعيين في روسيا في العام ١٩١٧، رفع لينين شعار البناء الأول ( الاشتراكية هي كهربة الإتحاد السوفياتي). فالطاقة هي مفتاح التنمية وعماد البناء، ثم أطلق الثورة الثقافية فقامت دولة صناعية حديثة على أنقاض دولة إقطاعية زراعية متخلفة كانت تستعبد المزارعين الذين بقوا تحت العبودية حتى العام ١٨٦١.
عالم البشر ليس جنة والأرض ليست بقعة مقدسة والناس ليسو ملائكة. بل الغالب على الحياة هو الطمع والترصد والتعدي. فحياكة المؤامرات والاستهداف لمقدرات الشعوب والأمم أمر أزلي مغروس في طبيعة النفس البشرية. فالتاريخ يحكي ملايين الحكاوي عن مغالبة الأمم ومنازعاتها مع غيرها من الطامعين . ولا توجد أمة على وجه الأرض عاشت بمعزل عن هذا. فالدنيا تؤخذ غلابا والأمم يحميها ويبنيها بنوها، ولا مناحة للضعاف والكسالى إن لم ينهضوا لاستغلال مواردهم فسوف يأتي الغزاة الطغاة لفعل ذلك كما فعلوا فينا من قبل وما زالوا يفعلون.
إن الأمجاد القائمة على الإرث التاريخي والقيمي مهما عظمت لا تطور شعبا ولا تحقق رفاهية. فالناس لا يأكلون التفاخر بالموروث ولا يلبسون التباهي بالأصول فتلك معاني تصلح للتغني ورفع الهمم ولكنها لاتبني مصانع ولا تفلح حقول. وإنما يفعل ذلك الأخذ بأسباب النهضة والخروج من بيت (النظارة).
▪️سفير السودان لدى النيجر





