إقتصاد

الخبير الإقتصادي أحمد التجاني المنصوري : الأزمة الاقتصادية مفتعلة وهناك جهات تستفيد من مواردنا.!!

• الماشية ومنتجاتها يمكن أن تحقق (40 مليار دولار)

• الحلول السريعة في إدخال صغار المنتجين دورة الإنتاج

• علينا الاعتذار للشعب السوداني وإفساح المجال للشباب

• الزمن ليس في صالحنا وكثير من الجهات تتربص بالبلاد

حاورته بدبي : سمية سيد
يعد دكتور أحمد التجاني المنصوري من شموع السودان التي أضاءت فضاء الخليج العربي.. فهو من قام بتأسيس شركة الروابي للألبان بدولة الإمارات العربية المتحدة من الصفر الى أن أصبحت أكبر شركة في المنطقة العربية والعالم بفضل الإدارة الذكية والرشيدة.
د. المنصوري يشغل الآن منصب الرئيس التنفيذي لشركة الروابي العالمية قصدته في الحديث حول الأزمة السودانية بكل أبعادها، وكيفية الخروج منها، ومآلات تطورها على الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، هدفي من ذلكأن يسمع قادة البلاد وصناع القرار فيها الى أصوات العقل من شخصيات سودانية كان لها دور مشهودا في تطور دول أخرى، استفادت من خبراتهم وأفكارهم.

تلافي الأوضاع :

  • قلت لدكتور المنصوري كيف تقرأ الأزمة السودانية الآن.. وما تصوراتك للحل؟
    قال: سؤال كبير.. الأزمة أصبحت مستفحلة وتتعقد يوماً بعد يوم، ولابد من تلافي الأوضاع الحالية وإلا سنندم كلنا ولن نجد أمامنا دولة اسمها السودان.. لابد أن يجلس الجميع بتروٍّ وحكمة عبر حوار يسع الجميع وذلك لأن الوضع خطير يتجاوز مسألة المناصب والخلافات السياسية .
    علينا أن نتناسى الخلافات ويكون لدينا قدر من التسامح، ونتوقف عن الاستمرار في معارك نحن في غنى عنها، ونحاول جمع الناس . فرصة للشباب :
  • هل تعتقد أن الحلول المطروحة الآن قد تضع حداً للأزمة؟
    مع بداية الثورة ناديت بأن هذه الثورة ثورة شباب، وعليه لابد أن يمنح الشباب فرصة تولي المسؤولية .
  • كانت التخوفات ولا تزال أن الاعتماد على شباب بدون خبرة في وضع كما السودان غير مأمون العواقب؟
    بالعكس.. هذا قول مردود ومحبط ولا أساس له من الصحة.. الشباب مسلحون بالعلم والتكنولوجيا وهم جيل عصر الذكاء الصناعي، وتجاوز عصر المعلومات الذي انتهى العام 2020. وكل عصر له ناسه، ولديه طريقة تفكير مختلفة، وإدارة مختلفة.
    جيلنا الذي عاش فترة الاستقلال ثم حكومة الديمقراطية الأولى، ونظام عبود، ثم الأحزاب، وحكومة نميري، ثم الديمقراطية الثالثة وحكم البشير عليه أن يبعد تماماً عن الحكم وإدارة الدولة.. أكثر من 65 عاماً لم نتمكن من إنجاز أي شيء.. فشلنا.. وعلينا أن نعترف بالفشل، ونبعد ونمنح الفرصة لجيل جديد.
    أنتي تقولين إن الشباب ليست لديه الخبرة للحكم، وكثيرون يعتقدون بذلك.. فما الخبرة التي تتحدثون عنها.. فإذا كانت الخبرة المقصودة هي المعرفة فلتقارنوا أنفسكم بأبنائكم، ستجدون أنهم ذوي معرفة أفضل منكم بسبب المعلومات التي تتدفق عليهم بكثافة.. هل تعلمين أن تدفق المعلومات يتضاعف 13 مرة في الساعة، المؤكد أن جيلنا لا يستطيع أن يواكب تدفق هذه المعلومات.
    كانت لدي تجربة عملية في أغسطس الماضي حيث أجريت معاينات لنحو 150 خريجاً من جامعات سودانية مختلفة دهشت من كمية المعلومات لدى الشباب والشابات بصورة لا تصدق، وهي معلومات لم يتحصلوا عليها من الكتب الدراسية ولا من المناهج المعتمدة، بل كانت تمثل مواكبتهم واستفادتهم من التكنولوجيا وتدفق المعلومات واستيعابهم الخاص. في حين أن كثيرين من أبناء جيلنا لا يستطيع حتى الآن التعامل مع جهاز الكومبيوتر، لذلك علينا أن نبعد في هذه اللحظة ونترك للشباب الفرصة.
  • ما تفسيرك لفشل النخب السياسية منذ الاستقلال؟
    كل الأجيال السابقة تحركها عوامل مختلفة وهي تفكر في السلطة، هذه العوامل مرتبطة إما بتوجهات سياسية، أو عرقية، أو مناطقية جهوية، أو دينية وليست رؤية وطنية خالصة، فلو لاحظتي للشباب في ساحة الاعتصام لن تجدي فيهم من يركز في مثل هذه الاختلافات، لا يفرقون بين شيوعي وأخ مسلم، ولا اتحادي وحزب أمة ولا مسلم ومسيحي.. فيهم من يواظب على صلواته ومن يقرأ القرآن، وفيهم غير ذلك. لا يفرقون بين شايقي ونوباوي وجعلي. كان يجمع بينهم هدف واحد وحققوه ،لا ينظرون إلى هذه التباينات السياسية والعرقية والثقافية والاجتماعية، وطبعاً يا هو دا السودان.
    كنت في برنامج مكثف للقادة بجامعة وارتون بأمريكا، دعوا لنا الرئيس الرواندي بول كاغاما تحدث معنا مدة 9 ساعات عن تجربته في إخراج رواندا من الأزمة السياسية بعد الحرب الأهلية، قال إنه واجهته مشكلة الجهوية والعنصرية، قال إنهم استمروا لأكثر من شهرين في تجميع الجثث من الشوارع، تحدث عن كيف كان يحث الشعب على تناسي الماضي وفي كل خطاب يكرر جملته التي صارت ملهمة للشعب.. من أجل رواندا.. حتى أصبح الشعب يردد.. من أجل رواندا.. وتسيل دموعهم. قال إنه جمع 250 من الشباب ودربهم فأنجزوا تطبيق الحكومة الإلكترونية التي كافحت الفساد..
    الآن رواندا أصبحت سويسرا أفريقيا وكنا حتى التسعينيات نسبقها بزمن طويل.
    لا بد أن يجلس الشباب الذي يقود الحراك الآن من كل التيارات دون عزل لأي انتماء سياسي، يشمل ذلك شباب الحركات المسلحة، كذلك نحتاج الى جلوس كل الأجهزة الرسمية دون استقصاء القوات المسلحة، الأجهزة الأمنية والشرطية، قوات الدعم السريع، الحركات المسلحة لحفظ الأمن ولا تعزل جهة، كل ذلك من أجل السودان .
    الأزمة الاقتصادية
  • ما توصيفك للأزمة الاقتصادية والخروج منها؟
    الأزمة الاقتصادية في السودان أنا أعتبرها أزمة مفتعلة.. ولا يوجد سبب واحد لمعاناة الشعب السوداني وسوء الأوضاع الاقتصادية.
    انظري لموارد البلاد مقارنة مع من حولنا من الدول.. نحن من الدول الغنية عربياً وأفريقيا وتحيط بنا أسواق متعطشة جداً للإنتاج السوداني.. فشل النخبة السياسية في إدارة الدولة هو الذي قاد الى الأزمة الاقتصادية منذ الاستقلال وحتى اليوم.

  • هناك سؤال مهم لا توجد له إجابة منطقية.. وهو: لماذا نصدر منتجاتنا كمواد خام؟
    هنا تكمن مشكلتنا وأزمتنا الاقتصادية.. أنا أعتقد أن الخروج من الأزمة السياسية الآن هو التركيز على الوضع الاقتصادي وإيجاد حلول لمعيشة الناس، مفترض تكون هذه المسألة أولوية الحكومة وليست الانتخابات.. تحدثت عن ذلك مع رئيس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك وقلت له البلد (كاتلاها) السياسة وإهمال الإنتاج.. اهتموا بالاقتصاد ومعاش الناس قبل فوات الأوان.. الزمن ليس في صالحنا وكثير من الجهات تتربص بالسودان وتتعمد عدم استقراره حتى تستمر في استنزاف موارده بالتهريب وغيره.
  • مع التحديات الماثلة الآن وتعدد الأزمات ما رؤيتك في إيجاد حلول سريعة للأزمة الاقتصادية قبل حدوث الانهيار التام؟
    أنا أعتقد أن الحل الإسعافي غير عصي حتى الآن، وهناك العديد من الموارد لمعالجة المشكلة الاقتصادية بوضعنا الراهن ودون أن تخسر الحكومة أي أموال للتطوير.
    خذي مثلاً قطاع الثروة الحيوانية ومنتجاتها، في تقديراتنا يمكن أن يأتي بعائد 40 مليار دولار في العام.. لدينا 8 مسالخ مؤهلة تأهيلاً جيداً بأعلى المواصفات العالمية.. سجلت لها زيارة ورأيت ذلك من ضمنها مسلخ الكدرو ليس أقل من أي مسلخ هنا في الإمارات أو السعودية، فلو تم تشغيل هذه المسالخ بطاقتها القصوى مؤكد ستغير كثيراً في المشهد الاقتصادي.. لدينا 20 مليون رأس من العجول، لو تم تصدير لحومها فقط بوزنها الحالي ودون أن نخسر في عمليات التسمين يمكن أن نحصل على ذلك المبلغ، بواقع 500 كيلو للعجل، علماً بأن هنالك عجول يمكن أن تحقف 2500 كيلو وبنفس تكلفة التسمين، عندك أيضاً إنتاج الألبان.. نحن في الروابي في بلد صحراوي وأرض رطبة قاحلة لدينا أبقار تنتج 60 ليتر في اليوم، لو قلنا إنتاج البقرة في السودان 10 ليتر فقط.. وأنا متحفظ على هذا الرقم.. فهذا يعني عائد صادر يصل 80 مليون دولار، دون أن نعمل تحسين أو نقل أجنة، مطلوب فقط من الحكومة أن تمنح القطاع الخاص فرصة العمل دون مضايقات.
    دولة مثل البرازيل صدرت للإمارات العام الماضي منتجات بقيمة 13 مليار دولار، مع العلم أن أي إنتاج للبرازيل زراعي أو حيواني ينتج في السودان للتطابق الظروف المناخية.. أين البرازيل من الإمارات من حيث الموقع الجغرافي؟. الباخرة منها تصل في 8 أسابيع فيما تصل من السودان للإمارات في 8 ساعات.
    قبل أيام في اجتماع مع الغرفة التجارية مع رجال أعمال من البرازيل وافقوا على طلب توريد فراخ طازج وليس مجمداً كما هو معتاد.. سألتهم كيف تفعلون ذلك مع المسافة الطويلة التي تستغرقها الرحلة؟ الإجابة كانت مدهشة.. قالوا إنهم سيقومون بتربية الدواجن داخل الباخرة من عمر يوم لتكون جاهزة للذبيح عند الوصول إلى الميناء.. ونحن رغم ما لدينا من إنتاج وميزات لسه شغالين بهذا شيوعي وذاك كوز. هذا شايفي وذاك فوراوي!
    السودان دولة غنية أضاعته النخب السياسية، نحن شعب يجيد تفشيل بعضنا البعض. أي شخص يأتي لمسؤولية معينة نبحث له عن السلبيات حتى يفشل عن أداء مهمته.. هكذا عانى د. حمدوك وكل من أتى لإنجاز مهمة في مصلحة الوطن.. أكثر ما نجيد من عمل هو الحسد الذي قاد بلادنا للفشل، لذلك أنا أرى في جيل الشباب غير هذه النظرة.
    أما إذا تحدثنا عن خطة طويلة الأجل فلابد من مراجعة سياسات الدولة الاقتصادية التي تسمح بتصدير الإنتاج كمواد خام.
    لماذا نصدر الثروة الحيوانية كقطيع ماشية؟ لك أن تتصوري القيمة المضافة من تصدير لحوم العجل في الجلود.. جلد العجل ينتج 10 بدل سعر البدلة 2 ألف دولار هذا بخلاف المنتجات الأخرى ولماذا نصدر القطن خاماً بنفس طريقة الإنجليز عندما أرادوا تشغيل مصانعهم في إنجلترا، منتجات السمسم والفول السوداني المصنع.. خذي مثلاً الصمغ العربي نحن نتحصل على عائد ضئيل جداً فيما تستأثر الدول المصنعة لإنتاجنا منه على أعلى العوائد.. الذهب الذي نصدره خام انظري الى عائد الذهب المشغول هنا في دبي.. الفواكه والخضروات تصنيعها لا يكلف كثيراً، لكننا نصدرها خاماً.. لابد من تحفيز القطاع الخاص في عملية التصنيع.
    شركة مثل زادنا بدأت بدايات جيدة جداً ونفذت بنية أساسية ممتازة في مجال الري بمبلغ 2 مليون دولار. لكن لم تدار بشكل جيد.. كان من الممكن إدخال صغار المنتجين في منطقة المشروع في منظومة زادنا بحيث تقدم لهم الخدمات الأساسية ويتم تجميع الإنتاج. وإنشاء مصنع للتصنيع ومن ثم التصدير.. علينا تطوير صغار المنتجين وليس محاربتهم.
    فرصة ذهبية

الآن أمامنا فرصة ذهبية.. يقول د. أحمد المنصوري.. في الشهرين الماضيين حدثت متغيرات كبيرة في الاقتصاد العالمي بالنسبة للشحن والترحيل من الممكن أن تصب في مصلحة بلادنا حيث ارتفع سعر الباخرة الى 12 ألف دولار بدلاً عن 2000 دولار وذلك بسبب الشح في الحاويات وزيادة الطلب عليها من الصين، إضافة إلى زيادة تعرفة التأمين. وارتفاع جنوني في أسعار النقل.. السودان على مرمى حجر من مجلس التعاون الخليجي لذلك أسعار الحاويات القادمة منه ما زالت دون تغيير. وكما ذكرت هذه الدول متعطشة للإنتاج السوداني من اللحوم والمنتجات الزراعية وبالتالي يمكن أن يكون بديلاً للبرازيل والدولة الأخرى، ليت الحكومة تنتبه لهذه الفرصة.
الحكومة الذكية.

  • مع الأزمة السياسية الحالية هل من طريقة للحديث حول الاستثمار؟
    صحيح الاستثمار يحتاج الى بيئة آمنة مستقرة سياسياً واقتصادياً.. الآن ليس لدينا قدرة في إنشاء بنية تحتية تحفز رؤوس الأموال، لكن من الممكن فتح هذا المجال لمستثمرين بنظام البوت (BTO) تقام الطرق بمواصفات عالمية وتعاد التكلفة بفرض ضريبة طرق.. نظام معمول به في العالم، كذلك خطوط السكة الحديد وشبكات الري وغيرها لا نتوقف في بلدان المستثمرين، المطلوب فقط تسهيل الإجراءات ووقف الفساد والابتزاز.
    أعطيك مثالاً.. عندما فتح شيخ زايد عليه رحمة الله هنا فرص الاستثمار للأجانب احتج المواطنون بحجة لماذا نفتح المجال للأجانب للاستفادة من موارد البلاد، كانت إجابته.. وهل سيأخذ الأجنبي مشروعه معه الى بلاده.. نحن محتاجين أن نفتح السودان للاستثمار دون قيود.
    لكن لن تكون لدينا بيئة جاذبة إلا بتبسيط الإجراءات ومكافحة الفساد وهذه الأمور حلها بسيط جداً من خلال إنشاء الحكومة الذكية، أنت تكمل كل إجراءاتك الحكومية من ملء استمارة الطلب وحتى منح التصديق عبر الموبايل دون أن تلتقي أو تحادث أي مسؤول حكومي لا في بنك ولا وزارة.. منح التصديق لأي مشروع لا يستغرق 6 ساعات عبر الهاتف.
    أجريت عدة اتصالات ومقابلات مع شخصيات مهمة هنا في الإمارات وطلبت منهم نقل تجربتهم في الحكومة الذكية إلى السودان فأبدوا استعداداً وحماساً كبيراً، تواصلت مع قيادات السودان مع رئيس المجلس السيادي وعدد من المسؤولين وحتى اللحظة لم يرد أحد.
    لا بد من إدخال رجال الأعمال في المنظومة الاقتصادية وتيسير الإجراءات لهم وتحفيزهم وتقديم تنازلات من الدولة وعدم منافستهم، كذلك منح الضمانات الكافية من البنوك.
    وعلى القوات المسلحة بسط الأمن والابتعاد عن المعارك السياسية.

• النشر بالتعاون مع ( اليوم التالي)

اترك رد

error: Content is protected !!