الجيش… بين ضرورة الإصلاح وخطر هدم الفكرة(حين يتحول النقد من أداة إصلاح… إلى معولٍ لهدم المؤسسة)

ليس من حق أحدٍ أن يطلب من الناس تقديس مؤسسات الدولة العامة، فالتقديس—في الدولة الحديثة—ليس من طبيعة العمل العام، ولا من طبيعة المؤسسات التي تُبنى لخدمة المجتمع. لكن الفرق كبيرٌ بين النقد الذي يستهدف الإصلاح، والخطاب الذي ينتهي عمليًا إلى نزع الشرعية عن المؤسسة الوطنية نفسها، وتحويلها من موضوعٍ للنقاش إلى كيانٍ فاقدٍ لأي سندٍ أخلاقي أو وطني أو تاريخي. وهنا تكمن المشكلة الأساسية في خطاب الأستاذة رشا عوض الذي نشرته كمقال بتاريخ الخميس 14 مايو.
فالمقال لا يكتفي بانتقاد أداء الجيش السوداني أو مساءلة دوره السياسي، بل يذهب إلى بناء صورةٍ تختزل المؤسسة العسكرية كلها في كونها “حزبًا سياسيًا مسلحًا”، ثم يُحمّلها وحدها مسؤولية تاريخ الدولة السودانية وأزماتها الممتدة، وكأن السودان—منذ الاستقلال—كان يُدار في فراغٍ سياسي ومدني، بلا أحزاب، ولا نخب، ولا انقسامات أيديولوجية، ولا تدخلات إقليمية ودولية، ولا انهيارٍ مستمر في المشروع الوطني المدني نفسه.
وهذا تبسيطٌ شديد القسوة على الحقيقة.
فالجيش السوداني—مثل أي مؤسسة وطنية في دولة ما بعد الاستعمار—لم ينشأ في بيئةٍ مستقرة، بل داخل دولةٍ تعرّضت منذ ميلادها لصراعات الهوية، وضعف البناء المؤسسي، والحروب الأهلية، والانقسامات الحزبية، والتدخلات الخارجية.
وخلال كل تلك العقود، لم تكن المؤسسة العسكرية وحدها الفاعل في المشهد، بل كانت—في كثير من الأحيان—تتحرك داخل فراغٍ سياسي أنتجته النخب المدنية نفسها، حين عجزت عن إدارة التنافس السياسي بصورة مستقرة تحفظ الدولة من الانهيار.
إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب، أنه يتحدث عن الجيش وكأنه جسمٌ منفصل عن المجتمع السوداني، لا يخرج ضباطه وجنوده من بيوت الناس، ولا يتكوّن من أبناء القبائل والمدن والأقاليم والتيارات الفكرية نفسها التي يتكوّن منها السودان كله. ولذلك فإن الحديث عن “اختراقات” أو “تيارات” داخل الجيش لا يمكن أن يتحول إلى مبررٍ لإسقاط شرعية المؤسسة ذاتها، وإلا لوجب إسقاط شرعية كل مؤسسات الدولة والمجتمع التي اخترقتها السياسة والأيديولوجيا والانقسامات.
ثم إن المفارقة اللافتة في الخطاب المعادي للمؤسسة العسكرية، أنه يطالب دائمًا بجيشٍ قومي مهني، لكنه في الوقت نفسه يهاجم الجيش القائم بطريقة تؤدي عمليًا إلى تحطيم ما تبقى من رمزيته وهيبته ووحدته المعنوية، في لحظةٍ تواجه فيها الدولة نفسها خطر التفكك والانهيار والتشظي المسلح. فكيف يُبنى جيشٌ وطني جديد في ظل خطابٍ يعمل يوميًا على تجريد فكرة الجيش ذاتها من أي قيمة وطنية أو معنوية؟
إن نقد الجيش حقٌ مشروع، بل ضرورة وطنية أحيانًا، لكن النقد المهني يختلف عن التحريض الرمزي ضد المؤسسة. وهناك فارقٌ بين الدعوة إلى إصلاح المؤسسة العسكرية، وبين تقديمها للرأي العام بوصفها أصل الشر كله، ومصدر كل أزمة، وكأن بقية القوى السياسية والمدنية والمسلحة كانت طوال العقود الماضية نماذج كاملة للديمقراطية والنزاهة والرشد الوطني.
والواقع أن تجربة السودان تكشف عكس ذلك تمامًا؛ فالأزمة لم تكن أزمة مؤسسة عسكرية فقط، بل أزمة بنية سياسية كاملة، شاركت فيها الأحزاب التقليدية، والحركات المسلحة، والتنظيمات الأيديولوجية، والنخب المدنية، والقوى الإقليمية، بل وحتى الخطابات الإعلامية التي أسهم بعضها في تأجيج الاستقطاب والكراهية وتفكيك الثقة الوطنية الجامعة.
أما تصوير الجيش باعتباره مجرد “أداة لحماية جماعة سياسية”، فهو تجاهلٌ متعمد لحقيقة أن هذه المؤسسة قدّمت—عبر تاريخها—آلاف الشهداء والجرحى دفاعًا عن حدود السودان ووحدته واستقراره، وأنها ظلت، رغم كل العيوب والاختراقات والأخطاء، العمود الفقري الأخير للدولة السودانية في لحظات الانهيار الكبرى. ولو سقط الجيش بالكامل، لما بقي في السودان فضاءٌ سياسي تُناقش فيه الديمقراطية أصلًا، بل لتحولت البلاد إلى ساحة مليشيات مفتوحة بلا مركزٍ ولا دولة.
وهنا تظهر إحدى أخطر الإشكالات في الخطاب الذي يساوي بين الجيش والمليشيا؛ لأن هذا النوع من المساواة لا يدمّر صورة الجيش فقط، بل يطبع الوعي العام مع فكرة تعدد الجيوش، ويجعل المؤسسة العسكرية النظامية مجرد طرفٍ بين أطرافٍ مسلحة أخرى، لا مؤسسة سيادية تحتكر القوة باسم الدولة. وهذه نقطة شديدة الخطورة على مستقبل السودان.
صحيحٌ أن السودان يحتاج إلى إصلاحٍ أمني وعسكري عميق، وإلى إعادة بناء العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة المدنية على أسسٍ دستورية ومهنية واضحة، لكن هذا المسار لا يمكن أن يتم عبر خطاب الكراهية تجاه الجيش، ولا عبر شيطنته، ولا عبر التعامل معه بوصفه “العقبة الأساسية” أمام مستقبل السودان، لأن الدول التي تُهدم فيها الثقة الكلية بمؤسساتها النظامية لا تنتقل غالبًا إلى الديمقراطية، بل إلى الفوضى والحروب الأهلية طويلة الأمد.
إن المطلوب اليوم ليس تقديس الجيش، كما تقول الأستاذة رشا عوض، ولا تحطيمه معنويًا كما يفعل بعض خصومه، بل بناء معادلة وطنية متوازنة؛ جيشٌ مهني قوي، يخضع للدستور والقانون، ويحمي الدولة لا السلطة، وفي الوقت نفسه يُصان من حملات التبخيس والتحريض التي تستهدف إضعافه كآخر مؤسسات السيادة الوطنية في بلدٍ يواجه واحدةً من أخطر لحظات تاريخه الحديث.
فالفرق كبير بين إصلاح المؤسسة… وهدم فكرة المؤسسة نفسها.
الجمعة 15 مايو 2026م



