الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

الثقة الرقمية تبدأ من الهوية والاقتصاد الرقمي

د. محمد عبدالرحيم يسن


يشهد السودان خطوات مهمة في مسار التحول الرقمي، يأتي في مقدمتها مشروع الهوية الرقمية SUDAPASS والتطورات التي يشهدها قطاع الخدمات المصرفية الإلكترونية. ورغم اختلاف طبيعة كل مشروع، إلا أن كليهما يلتقي عند هدف واحد يتمثل في بناء الثقة الرقمية، وهي الأساس الذي تقوم عليه الحكومة الرقمية والاقتصاد الرقمي والخدمات الذكية.
ومع توسع الخدمات الحكومية والمالية والتجارية عبر القنوات الإلكترونية، أصبحت الهوية الرقمية واحدة من أهم مكونات البنية الرقمية الوطنية، لأنها تمنح المواطن وسيلة موثوقة لإثبات هويته والوصول إلى الخدمات المختلفة بصورة آمنة وميسرة، لذلك تكمن أهمية SUDAPASS في قدرته على توفير منصة موثوقة للتحقق الرقمي من الهوية، مما يسهم في تبسيط الإجراءات ، ورفع مستوى الأمان والثقة في التعاملات الإلكترونية.
وعلى الجانب الآخر، تشهد البنية المصرفية الرقمية تطورات مهمة تقودها شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية EBS المملوكة لبنك السودان، التي تعمل على تطوير واستقرار منظومة المدفوعات والخدمات المالية الرقمية في السودان. وقد بذلت جهود كبيرة خلال الفترة الماضية لاستعادة تشغيل المحول القومي وتسوية المعاملات بين البنوك، مما يساعد في تعزيز استقرار النظام المصرفي ورفع كفاءة التحويلات المالية على المستوى الوطني.
ومن البشريات حصول الشركة على اعتماد عالمي كمكتب خدمة لشبكة سويفت SWIFT، واجتيازها متطلبات البنية التحتية المشتركة للشبكة وفق المعايير الدولية للأمن والحوكمة والامتثال التشغيلي، مع ارتباطها حاليا بستة وعشرين بنكا داخل السودان. “سويفت هي نظام المراسلات الذي يربط البنوك حول العالم لتنفيذ التحويلات الدولية بأمان وسرعة.”
هذه الإنجازات تحمل بعدا يتجاوز حدود الخدمات المصرفية اليومية. فالقطاع المصرفي السوداني يعمل على استعادة اندماجه في النظام المالي العالمي بعد سنوات طويلة من التحديات والتعقيدات. هذا الإنجاز يرتبط ببناء الثقة والالتزام بالمعايير الدولية وتطوير البنية التقنية التي تعتمد عليها المؤسسات المالية العالمية.
في عالم المال المعاصر أصبحت معايير الامتثال والحوكمة والأمن السيبراني وجودة البيانات عناصر أساسية في بناء العلاقات المصرفية الدولية. وكل خطوة تتخذ نحو تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز موثوقية المدفوعات، وتطبيق المعايير العالمية، تسهم في بناء الجسور التي يحتاجها السودان للعودة بصورة أقوى إلى شبكات التجارة والاستثمار والتمويل الدولية.
وعند النظر إلى SUDAPASS ومنظومة الخدمات المصرفية الرقمية باعتبارهما مشروعين وطنيين متكاملين، تتضح صورة أكثر شمولا. فالهوية الرقمية الموثوقة تمثل نقطة البداية، والخدمات المالية الرقمية تمثل إحدى أهم التطبيقات العملية لهذه الهوية. وكلما ارتفع مستوى التكامل بين المنظومتين ازدادت فرص تقديم خدمات أكثر كفاءة وسهولة وأمانا للمواطنين والمؤسسات.
وتبرز أهمية المشروعين في كونهما من أهم مشاريع التحول الرقمي في السودان خلال مرحلة التعافي وإعادة بناء ما تم تدميره. فهما يشكلان جزءا من البنية الأساسية التي ستعتمد عليها الخدمات الحكومية والاقتصادية والمالية مستقبلا. ولهذا فإن نجاحهما يتطلب جهدا مضاعفا من القائمين عليهما، واستمرارا في التطوير والتحسين، وقدرة على التعامل مع التحديات الفنية والتشغيلية والأمنية التي تواجه أي مشروع تقني. وتزداد أهمية هذه المسؤولية عندما يتعلق الأمر بمشروعات ترتبط بهوية المواطنين وأموالهم وخدماتهم اليومية، لأن الموثوقية والاستقرار والأمن تمثل الركائز التي تبنى عليها الثقة الرقمية.
بناء الاقتصاد الرقمي عبارة عن منظومة متكاملة تضم الهوية الرقمية، والبنية التحتية للمدفوعات، ومراكز البيانات، والأطر التنظيمية، والكوادر البشرية، والثقة بين المواطن والمؤسسات. وكل خطوة تنجح في تعزيز هذه المنظومة تمثل استثمارا مباشرا في مستقبل السودان الرقمي.
إن نجاح SUDAPASS واستمرار تطور الخدمات المصرفية الرقمية يمثل خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد أكثر كفاءة وشمولا، ودولة أكثر قدرة على تقديم خدماتها للمواطنين، ومستقبلا رقميا يواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

٨ يونيو ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!