الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرواية الأولى / مجدي عبدالعزيز

“إسواتيني” في مواجهة الإجماع الدولي : لماذا ينتصر مبدأ الصين الواحدة؟

مجدي عبدالعزيز

في السياسة الدولية، قد تنجح بعض المناورات في صناعة ضجيج إعلامي مؤقت، لكنها تعجز عن تغيير الحقائق الكبرى التي يرسخها التاريخ ويكرسها القانون الدولي ويعترف بها المجتمع الدولي. ومن بين هذه الحقائق الراسخة يبرز مبدأ “الصين الواحدة” بوصفه أحد أكثر المبادئ استقراراً في النظام الدولي المعاصر.

لقد كشفت التطورات الأخيرة المرتبطة بزيارة زعيم سلطات تايوان لاي تشينغ-ته إلى مملكة إسواتيني – سوازيلاند سابقاً – عن حجم العزلة التي تواجهها النزعة الانفصالية في الجزيرة، وعن اتساع الفجوة بين طموحات دعاة ما يسمى “استقلال تايوان” وبين الواقع الدولي القائم على الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية ممثلاً شرعياً وحيداً للصين.

ففي الوقت الذي ترتبط فيه 53 دولة إفريقية بعلاقات دبلوماسية كاملة مع بكين، وتؤكد التزامها الصريح بمبدأ الصين الواحدة، تجد إسواتيني نفسها الدولة الإفريقية الوحيدة التي ما تزال تغرد خارج هذا الإجماع القاري والدولي. وهي معادلة سياسية لا يمكن تجاهل دلالاتها أو التقليل من أهميتها.

إن القضية في جوهرها ليست مجرد خلاف سياسي عابر، بل تتعلق بمبدأ أساسي يحكم العلاقات الدولية الحديثة، هو احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. وهو المبدأ ذاته الذي تتمسك به الدول الإفريقية والآسيوية والعربية في مواجهة محاولات التقسيم والتفكيك والتدخل الخارجي.

لقد حسمت الأمم المتحدة هذا الملف منذ عقود عندما اعترفت بجمهورية الصين الشعبية ممثلاً شرعياً وحيداً للصين. ومنذ ذلك التاريخ، أخذت غالبية دول العالم تبني علاقاتها مع بكين على أساس واضح وصريح: لا توجد سوى صين واحدة، وتايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية.

ومن اللافت أن كل المحاولات التي بذلتها القوى الانفصالية في تايوان خلال العقود الماضية لم تفلح في تغيير هذه الحقيقة. بل على العكس، شهد العالم تراجعاً مطرداً في عدد الدول التي تحتفظ بعلاقات رسمية مع سلطات الجزيرة، مقابل اتساع الاعتراف الدولي بمكانة الصين ودورها العالمي المتصاعد.

ولم يعد الأمر مقتصراً على الاعتبارات القانونية أو التاريخية فحسب، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالتحولات الكبرى في الاقتصاد والسياسة الدولية. فالصين اليوم ليست مجرد دولة كبرى، وإنما شريك اقتصادي رئيسي لعشرات الدول، وقوة مؤثرة في ملفات التنمية والاستثمار والتجارة والبنية التحتية والتكنولوجيا. ومن الطبيعي أن يزداد الاقتناع الدولي بضرورة التعامل مع الواقع السياسي القائم بدلاً من الرهان على مشاريع انفصالية أثبتت السنوات محدودية فرص نجاحها.

إن ما يلفت الانتباه في الخطاب الصيني خلال السنوات الأخيرة هو اعتماده المتزايد على منطق الإجماع الدولي. فبكين لا تقدم قضية تايوان باعتبارها شأناً وطنياً فحسب، وإنما باعتبارها قضية تحظى بتأييد واسع من المجتمع الدولي الذي يعترف بمبدأ الصين الواحدة ويعتبره جزءاً من القواعد الأساسية الناظمة للعلاقات بين الدول.

وفي المقابل، تبدو محاولات استدعاء الدعم الخارجي أو البحث عن اعترافات رمزية هنا وهناك أقرب إلى معارك إعلامية منها إلى تحولات سياسية حقيقية. فالعلاقات الدولية لا تُبنى على الصور التذكارية ولا على العناوين المؤقتة، وإنما على الشرعية والاعتراف والمصالح الاستراتيجية طويلة المدى.

لقد أثبت التاريخ أن الدول الكبرى لا تتخلى عن وحدتها الوطنية، وأن محاولات الانفصال غالباً ما تصطدم في النهاية بجدار الواقع السياسي والجغرافي والقانوني. كما أثبت أن الإرادة الدولية تميل دائماً إلى دعم الاستقرار ووحدة الدول بدلاً من تشجيع الانقسامات والصراعات.

وبينما تتبدل التحالفات وتتغير موازين القوى، تبقى بعض الحقائق عصية على التغيير. وفي مقدمة هذه الحقائق أن العالم يعترف بصين واحدة، وأن الشرعية الدولية قامت على هذا الأساس وستظل قائمة عليه. أما محاولات الالتفاف على هذه الحقيقة أو تأجيل استحقاقاتها السياسية، فلن تغير من جوهرها شيئاً، لأن التاريخ قد حسم وجهته، ولأن المجتمع الدولي حسم موقفه، ولأن مبدأ الصين الواحدة لم يعد مجرد شعار سياسي، بل أصبح عنواناً لواقع دولي راسخ لا يمكن تجاوزه.

تعليق واحد

اترك رد

error: Content is protected !!