
د. محمد حسب الرسول
يا لَهُ من رِزْءٍ فادحٍ زلزلَ أركانَ الروح، وحسرةٍ لاهبةٍ استوطنتِ القلوب؛ إذ غابَ عن دنيانا الحبيبُ طارق الفحل، فاستحالَ ذاك الحضورُ الهادئُ الوضيءُ صمتاً مهيباً، وكأنما انطفأ بموته سراجٌ كان يملأ المدى سكينةً وأنساً.
لم يكن طارق الفحل رقماً يُحصى بين الرجال، بل كان طوداً أشمَّ تتصدّى لعواصف التيه. كان صفيّاً وخدِيناً وفياً في رحاب الحق والخير والجمال، وفاعلاً مخلصاً سخر طاقاته لِعُمران وطنه بالأخلاق والقيم، ومساهماً دؤوباً بصدقِ سريرته في بناءِ نهضةِ مجتمعه ورفعةِ شأنه. كان عطاؤه فيضاً متصلاً بلا مَنّ؛ جوهرةً نادرة اجتمعت فيها صلابة الوفي المخلص وطهر المبدئي، وحكمة المتدبّر وثبات الراسخ.
لقد كان طارق أنقى من ماء المطر، وأعذب من مياه النهر؛ زانه الصدق وجمله التفاني والإخلاص، تمثّل القيم النبيلة وصار رمزاً لها في زمنٍ عزّت فيه الرموز.
بَصيرةُ النّورِ وصَبرُ الأنبياء
لقد اختبره الله بابتلاءٍ عظيم في بَصره وهو في عُنفوان الشباب، فصبر صبراً تعجزُ عن وصفه الكلمات، وصبرَ صَبْرَ الأنبياءِ المحتسبين. وبالرغم من حجابِ الرؤية، كان إبّانَ حجابِ بصرِهِ أرهفَ بصيرةً من المُبصرين؛ يرى بنور الله ما لا تراه العيون، وكانت له فراسةٌ نافذة تنفذ إلى ما تكنّه القلوب، فكافأه المولى بمكرمةٍ لا يستحقها إلا أولو العزم والمكارم، إذ أعاد له بصره ليظلّ شاهداً على لُطف الله بعباده الصادقين.
تشبّث بأخلاقه فلم ينحنِ لقاهر، وتمسّك بمبادئه فلم يبدلها بزائل. ومضى ثابت الخطى، واضح الوجهة، حتى استقر حضوره في سُوَيْداءِ القلوب؛ لا بسلطان ولا بخيلاءِ الادّعاء، بل بسيرة تُروى وموقف يُحتذى.
وعلى مثل “طارق” فلتبكِ البواكي، وعلى مثله فلتذرف المآقي. تُرَى كيف يكون الحال بعده؟ ومَنْ للخير من بعده يحمل الراية؟ وهو الرجل الذي يبلغك ضياؤه وإن تباعدت المسافات، ويغمرك لطفه وإن غابَ عنك المحيّا.
واليوم، إذ تغسله ملائكة الرحمة، نستذكرُ بيتينِ للشاعرِ صلاح أحمد إبراهيم، كأنما نُسِجَا على مِنوالِ سجاياه، وفُصِّلَا على مقاسِ طُهره:
يا مَنايا حَوِّمِي حَوْلَ الحِمَى واسْتَعْرِضِينَا
واصْطَفِي كُلَّ سَمْحِ النَّفْسِ بَسَّامِ العَشِيَّاتِ الوَفِي
كان رحمه الله، سمح النفس بسّامها، وفيّاً في عشيّات الوداد وأصيله. كان حليماً عفّاً، كالنسيم روحاً وسجايا، يفيض رقّة دون ادّعاء. كان كريمًا بطلّته، يفتحُ أبوابَ الودّ قبل أن تُفتح الأبواب، إذا لاقاك، أشعرك بأنك الشقيق لا الصديق، وإذا صافحك، ملأ اللقاء أُلفة وأماناً. كان بضميرٍ طاهر؛ يستقيم إذا اعوجّ المسار، ويعتصمُ بالحق إذا زاغت الأبصار، ويشهد حيث يُختبر الرجال.
العهدُ والوفاء
سيبكيك يا طارق كل من عرف أصلك، ويبكيك كل من رافقك وعرف فضلك. سيبكيك كل مكروبٍ فرّجت كربته. سنبكيك بحرقة الروح لا بدموع المآقي، فالرزء جلل، والمصاب عظيم. والآن، فإن أمان الله فينا أن نصون الدرب الذي سلكت، وأنْ نقتفيَ أثرَ خُطاك في الطريقِ الذي شرّفتَهُ بنبلِ مسعاك، وأضأتَهُ بطِيبِ سيرتك:
كُلَّما اشْتَقْتِ لِمَيْمُونِ المُحَيَّا ذِي البَشائِرِ
شَرِّفِي تَجِدِينَا مَثَلًا في النّاسِ سائِرْ
نُقْهِرُ المَوْتَ حَياةً، ومَصائِرْ
رحلت عن أعيننا، لكنك حيّ في ضمائرنا، خالدٌ في إرثك الوضّاء. إلى جنات الخلد أيها الصادق الشجاع، أيها الكريم الأصيل، أيها الصديق الحفي الحبيب. تحيةٌ لك في السابقين المقرّبين في جنات النعيم، وسلامٌ لروحك الطاهرة التي فاضت بالبِرّ والإحسان.
إنا لله وإنا إليه راجعون. سلاماً يا من كان أنقى من ماء المطر، وسلاماً على أم درمان والأمة التي أنجبتك، وحزناً في القلب لا يبرحه.
18/2/2026




