الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

حرب المسيّرات على السودان: من استهداف الميدان إلى محاولة شلّ الدولة وإرهاق المجتمع!؟

قراءة في دوافع التصعيد، وتحولات الحرب، وخيارات المواجهة وبناء منظومة الحماية الوطنية:

السفير د. معاوية التوم




لم تعد حرب المسيّرات في السودان مجرد امتداد للمواجهات العسكرية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع المتمردة ورعاتها ، ولا يمكن قراءة تصاعدها الأخير باعتباره تطوراً تقنياً عابراً في أدوات القتال. فما تشهده البلاد من استهداف متكرر لمحطات الكهرباء والمطارات ومنشآت الوقود والبنية التحتية الحيوية، وما يصاحب ذلك من تهديد لإمدادات المياه والخدمات الصحية والأنشطة الاقتصادية، والأعيان المدنية يشير إلى تحول نوعي في طبيعة الحرب وأهدافها وميادينها.
لقد بات المجال الجوي السوداني أحد أهم مسارح الصراع، وأصبحت المسيّرات الاستراتيجية بعيدة المدى وسيلة لإحداث تأثير يتجاوز نتائج الضربة العسكرية المباشرة، إلى تعطيل الوظائف الأساسية للدولة، وإرباك حياة المواطنين وترويعهم، وإضعاف الثقة في قدرة المؤسسات الوطنية على توفير الحد الأدنى من السلامة والاستقرار والخدمات.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا تتزايد وتيرة هذه الهجمات كما ونوعا في هذا التوقيت تحديداً؟ وهل نحن أمام محاولة لتعويض التراجع في الميدان العسكري بأدوات الحرب غير المتكافئة، أم أمام انتقال إلى استراتيجية أوسع تستهدف البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة السودانية، وتثبيت مساعي رعاة الحرب في ضرب الشرعية وفرض أسس وارادة التسوية الخارجية؟

أولاً: لماذا تصاعدت حرب المسيّرات الآن؟
من الصعب فصل التصعيد الأخير عن التحولات التي شهدتها مسارح العمليات خلال الفترة الماضية. فالحرب لا تتحرك في فراغ، وتطور أدواتها يرتبط عادة بتغير موازين القوة، وتراجع الخيارات المتاحة، وطبيعة الأهداف التي يسعى كل النمر والرعاة إلى تحقيقها. وفي تقديري، يمكن قراءة التصعيد من خلال مجموعة من المعطيات المتداخلة:

  1. تعويض خسائر الميدان بتوسيع نطاق الاستهداف الجوي
    تراكمت خلال الأشهر الماضية تطورات ميدانية، شملت استعادة القوات المسلحة مواقع استراتيجية ومدناً ومناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات التمرد، إلى جانب الضغط على خطوط تحركها وإمدادها، وما رافق ذلك من تراجع في قدرتها على الاحتفاظ ببعض المواقع وإدامة وجودها العسكري.
    ومن منظور عسكري، فإن تراجع القدرة على تحقيق مكاسب برية مستدامة قد يدفع إلى البحث عن وسائل بديلة لإبقاء الحرب مفتوحة، وفرض كلفة متزايدة على المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة، حتى دون القدرة على تغيير خطوط السيطرة على الأرض.
    وهنا تكتسب المسيّرات أهمية استثنائية؛ فهي تتيح إحداث أضرار في العمق الجغرافي، واستهداف منشآت ذات تأثير اقتصادي وخدمي واسع، دون الحاجة إلى السيطرة الميدانية المباشرة عليها من خلال كثافة الأهداف المختارة.
  2. تراجع الإمداد والاستنزاف البشري واللوجستي
    يمثل الإمداد والتشوين أحد أهم محددات استمرار أي قوة مسلحة في حرب طويلة. وكلما تعرضت طرق الإمداد للضغط، وتراجعت القدرة على تعويض المقاتلين والمرتزقة والآليات والوقود والذخائر، ارتفعت الحاجة إلى أدوات قادرة على إحداث تأثير كبير بكلفة تشغيلية مختلفة. خاصة عقب إعلان السودان القبض على مرتزقة أوكرانيين بكردفان يقومون بتجهيز وإطلاق المسيرات.
    وفي هذا السياق، يصبح استهداف البنية التحتية والمرافق الاقتصادية وسيلة لخلق معادلة استنزاف متبادل، ونقل جانب من كلفة الحرب إلى المجتمع والاقتصاد الوطني وحى الدولة في التعافي.
    وقد رصدت مجموعة الأزمات المسلحة ACLED في تحليلها لتحولات حرب المسيّرات السودانية أن قوات الدعم السريع اتجهت بصورة متزايدة إلى ضربات أكثر انتقائية ضد البنية الاقتصادية والمنشآت الحيوية والقواعد العسكرية في مناطق سيطرة الجيش والمدنيين ، بالتزامن مع التغيرات التي طرأت على شبكات الإمداد والقدرات الجوية للطرفين.
  3. استهداف التعافي الوطني وإعاقة العودة الطوعية
    من أبرز التطورات التي لا ينبغي إغفالها أن السودان، على الرغم من ضخامة الأعباء الإنسانية والمعيشية، يشهد محاولات متواصلة لاستعادة الحياة المؤسسية والخدمية والاقتصادية في عدد من المناطق، واسترجاع حركة الخدمة المدنية وانتظامها.
    عودة بعض المؤسسات، واستئناف الأنشطة التجارية والتعليمية، وإعادة تأهيل المرافق الصحية والخدمية، وعودة أعداد من المواطنين، كلها مؤشرات على أن الحياة لم تتوقف، وأن المجتمع السوداني يحاول استعادة قدرته على التكيف والتعافي وتجاوز المنغصات.
    ولا يمكن تجاهل أن ضرب الكهرباء والمياه والمطارات والوقود يهدد هذه العملية مباشرة. فالمواطن الذي يفكر في العودة إلى منزله يحتاج إلى خدمات أساسية، والمستثمر يحتاج إلى بيئة قابلة للعمل، والمؤسسات تحتاج إلى الطاقة والاتصال والنقل. ومن ثم، فإن تعطيل هذه الخدمات لا يقتصر أثره على اللحظة العسكرية، بل يمتد إلى إضعاف شروط الاستقرار والعودة وإعادة التأهيل والإعمار.
  4. تعثر المسارات السياسية ومحدودية فرص التسوية
    بسبب الانحياز الخارجي وانتقائيته السياسية، لم تنجح المبادرات الإقليمية والدولية المتعاقبة حتى الآن في إنتاج تسوية تنهي الحرب وتضع ترتيبات قابلة للتنفيذ على الأرض. كما ظلت محاولات تسويق الهدنة تصطدم بخلافات جوهرية حول طبيعة وقف إطلاق النار، والانسحاب، وتجميع القوات، والضمانات، ومستقبل المؤسسات الوطنية واجراءات الدمج والتسريح.
    وفي ظل غياب اختراق سياسي، قد يصبح توسيع الضغط العسكري والاقتصادي وسيلة للتأثير في حسابات التفاوض، أو محاولة فرض وقائع جديدة قبل أي استحقاق سياسي.لكن من المهم التنبيه إلى أن استهداف المرافق المدنية لا يصنع تسوية، بل يضاعف الكلفة الإنسانية ويزيد تعقيد فرص إنهاء الحرب.وهو ما تراهن عليه المعارضة وصولا لكراسي الحكم على ما يصدر عنها من تماهي مع الأجندات الاقليمية التي تمول الحرب وترعاها.
  5. التحولات الإقليمية والدولية
    لا يمكن عزل السودان عن البيئة الإقليمية المحيطة به، ولا عن التنافس على الممرات الاستراتيجية والبحر الأحمر والموارد الطبيعية ومناطق النفوذ.
    وقد أصبحت المسيّرات جزءاً من تحولات أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث تتداخل التكنولوجيا والتمويل والتدريب وسلاسل التوريد العابرة للحدود واستغلال بعض قنوات الجوار السوداني. وهذا يجعل الحرب السودانية أكثر ارتباطاً بحسابات خارجية تتجاوز حدود المواجهة الداخلية.

ثانياً: اتساع مسرح العمليات وتعدد مسارات الإمداد الخارجي
من السمات اللافتة في حرب المسيّرات السودانية أن مداها الجغرافي لم يعد محصوراً في خطوط التماس أو المناطق القريبة من مسارح القتال. فقد امتدت الهجمات إلى ولايات بعيدة عن الجبهات، وشملت مواقع استراتيجية في الشمال والشرق والوسط، بما في ذلك محطات الكهرباء والمطارات والمنشآت الاقتصادية.
وتبرز هنا أهمية الحدود السودانية الممتدة مع إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد وليبيا، فضلاً عن المسارات التي يمكن أن تتصل بها شبكات النقل والتوريد الإقليمية.
وقد تعددت الاتهامات السودانية بشأن استخدام أراضي بعض دول الجوار أو المجال الجوي الإقليمي في عمليات الإمداد أو إطلاق الهجمات. ومن المهم التعامل مع هذه الاتهامات باعتبارها قضايا تستوجب التحقيق والتوثيق والأدلة الفنية، لا الاكتفاء بالتقديرات السياسية أو تداول المعلومات غير المتحققة.
وفي هذا الإطار، تكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة. فقد أفادت تقارير صحفية في مطلع نوفمبر 2026 بأن ضربات استهدفت محطات كهرباء في ولايتي كسلا والشمالية، وأن عدد الهجمات المبلغ عنها على شبكة الكهرباء بلغ مستويات مرتفعة خلال أسبوع واحد. كما نقلت وكالة أسوشيتد برس في الأول من نوفمبر أن استهداف محطات الدبة وأبو حمد جاء ضمن حملة أوسع طالت نحو 15 محطة فرعية منذ مطلع أكتوبر، وفق السلطات السودانية ومصادر حقوقية محلية.
وتشير هذه الوقائع إلى أن المسألة لم تعد مجرد استهداف منشأة هنا أو موقع هناك، وإنما أصبحت تمس شبكة مترابطة من الخدمات والإنتاج والنقل والاتصال.
أما الاتهامات المتعلقة بانطلاق بعض الهجمات من الأراضي الإثيوبية، فقد أعلنت الحكومة السودانية تقديم شكاوى إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي بشأنها، بينما تنفي الأطراف المعنية الاتهامات. وهو ما يجعل التحقيق الدولي المستقل ضرورة لتحديد المسؤوليات ومنع انتقال الحرب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

ثالثاً: البعد الأجنبي والتكنولوجيا العابرة للحدود
من أخطر جوانب هذه الحرب تزايد الاعتماد على الخبرات الفنية الأجنبية والتقنيات المستوردة، سواء في تشغيل المسيّرات أو صيانتها أو تطوير قدراتها أو توفير المعلومات اللازمة لتوجيهها.
وقد أصبحت هذه المسألة جزءاً من طبيعة النزاعات المعاصرة، حيث لم يعد المقاتل وحده هو العنصر الحاسم، بل أصبحت شبكات التمويل والتدريب والصيانة والتشغيل والنقل ذات تأثير بالغ في استمرار العمليات.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما أثير بشأن وجود عناصر فنية أو مشغلين أجانب في بعض مسارح العمليات السودانية، بما في ذلك الادعاءات المتعلقة بفنيين أو خبراء أوكرانيين في منطقة كردفان، وما قيل عن معلومات واعترافات حصلت عليها القوات المسلحة في هذا الشأن. وهي قضية تستحق الفحص والتوثيق الفني والقانوني، والتحقق المستقل من هوية الأشخاص وطبيعة أدوارهم وصلاتهم بسلاسل التشغيل والإمداد، قبل بناء استنتاجات نهائية عليها.
وفي المقابل، قدمت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، في تقريرها الصادر في 3 سبتمبر 2026، معلومات مهمة عن شبكات الدعم الخارجي. فقد وثقت وجود متعاقدين عسكريين أجانب، بينهم ما يصل إلى ألفي متعاقد سابق من كولومبيا، ارتبطوا بعمليات تشغيل المسيّرات والأسلحة المتقدمة إلى جانب قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان، كما تناول التقرير شبكات نقل وتدريب وتسليح امتدت عبر دول ومناطق متعددة.
والدلالة هنا أن الحرب لم تعد شأناً محلياً خالصاً من حيث أدواتها ومواردها، وأن أي مقاربة جادة لوقفها ينبغي ألا تقتصر على أطراف القتال داخل السودان، بل يجب أن تشمل شبكات التمويل والتوريد والتشغيل والدعم اللوجستي العابرة للحدود, وقد تم مؤخرا توقيف خبر أوكرانيين .

رابعاً: لماذا تُستهدف البنية التحتية والمرافق المدنية؟
إن استهداف محطات الكهرباء والمطارات ومنشآت النفط والمياه ليس مجرد اختيار لأهداف ذات قيمة مادية، بل إن هذه المنشآت تمثل حلقات مترابطة في منظومة بقاء المجتمع والدولة.
فالكهرباء تشغل المستشفيات ومحطات المياه والمخابز والاتصالات، والوقود يحرك وسائل النقل والآليات الزراعية ومولدات الطوارئ، والمطارات تمثل شرياناً للإمداد الإنساني والاقتصادي والاتصال الخارجي.وبالتالي فإن تعطيل منشأة واحدة قد ينتج عنه أثر متسلسل يتجاوز بكثير حجم الضرر المادي الذي أصابها.
ولعل استهداف شبكة الكهرباء يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فقد أشارت تقارير حديثة إلى تراجع إنتاج الكهرباء في السودان من نحو 4,400 ميغاواط قبل الحرب إلى قرابة 1,100 ميغاواط، وأن محطة مروي أصبحت مصدراً رئيسياً للإمداد الكهربائي. كما أن تعطل المحطات الفرعية ينعكس مباشرة على خدمات المياه والمستشفيات والري والإنتاج الزراعي.
وهنا تبرز ثلاثة أهداف محتملة لهذه الهجمات:
• الهدف الاقتصادي: زيادة كلفة الحرب وإضعاف قدرة الدولة على إعادة تشغيل الاقتصاد واستعادة الخدمات.
• الهدف الاجتماعي والنفسي: تعميق الشعور بعدم الأمان، وإشاعة الخوف، ودفع المواطنين إلى تأجيل العودة أو مغادرة المناطق المتأثرة.
• الهدف السياسي والاستراتيجي: تقديم صورة عن دولة عاجزة عن حماية عمقها الجغرافي ومرافقها الحيوية، ومحاولة التأثير في المواقف الإقليمية والدولية من خلال إبقاء الأزمة الإنسانية مفتوحة.
ولا ينبغي إغفال أن هذه الآثار قد تتداخل، وأن تحديد القصد المباشر وراء كل هجوم يحتاج إلى أدلة تتعلق بطبيعة الهدف وظروف الضربة والجهة المنفذة، وهي تقع ضمن أعمال الارهاب الموجه.
لكن الثابت أن المدنيين هم الأكثر تعرضاً لتبعات هذه الهجمات، وأن القانون الدولي الإنساني يحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية، كما يفرض التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة لحمايتهم.
خامساً: هل نجحت القوات المسلحة في الحد من التهديد الجوي؟
لا يمكن اختزال تقييم القدرات الدفاعية في عدد المسيّرات التي جرى إسقاطها أو اعتراضها، وإن كان ذلك مؤشراً مهماً. فالمعيار الحقيقي هو قدرة الدولة على حماية المجال الجوي، وتقليل احتمالات وصول التهديد إلى أهدافه، واستدامة الخدمات الأساسية رغم محاولات التعطيل.
وقد أظهرت تطورات الحرب أن القوات المسلحة السودانية استطاعت في مناسبات متعددة إحباط هجمات جوية وإسقاط أو تعطيل مسيّرات، كما اتجهت إلى تطوير قدراتها في مجالات الرصد والتشويش والدفاع الجوي.
لكن استمرار وصول بعض المسيّرات إلى منشآت حيوية يكشف أن هناك فجوة ينبغي التعامل معها بجدية، لا سيما في حماية المنشآت الممتدة جغرافياً، وفي تنسيق الإنذار المبكر والاستجابة الدفاعية، وفي القدرة على التعامل مع الهجمات المتزامنة أو المتكررة.
وتشير تحليلات ACLED إلى أن المواجهة الجوية أصبحت سباقاً متسارعاً بين قدرات الهجوم والدفاع، وأن التمرد طور وسائل أكثر تقدماً في الاستطلاع والضربات بعيدة المدى. وهذا يعني أن الاعتماد على وسائل الدفاع التقليدية وحدها لم يعد كافياً لمواجهة تهديد متغير باستمرار.وكذلك قدرات المسلحة كمؤسسة معنية بمثل هذه الحروب.

سادساً: من رد الفعل إلى استراتيجية وطنية متكاملة لحماية المجال الجوي
إن مواجهة حرب المسيّرات لا ينبغي أن تكون استجابة ظرفية لكل هجوم، ولا أن تظل رهينة إسقاط المسيّرة بعد دخولها المجال الحيوي للمنشأة المستهدفة. المطلوب هو الانتقال من مفهوم الدفاع عن المواقع بصورة منفصلة إلى مفهوم حماية المجال الوطني والمنظومة الحيوية بصورة متكاملة.
وأقترح في هذا السياق سبعة مسارات متوازية:

  1. بناء منظومة وطنية موحدة للإنذار المبكر
    تطوير منظومة تنسيق تجمع المعلومات المتاحة من الرصد الجوي والمصادر الفنية والاستخباراتية، وتربطها بمراكز الاستجابة المختصة، مع ضمان تبادل المعلومات بين الجهات العسكرية والمدنية. والهدف هو اكتشاف التهديد مبكراً وإتاحة الوقت الكافي لاتخاذ الإجراءات الوقائية.
  2. تطوير الدفاع الجوي متعدد الطبقات
    ينبغي أن تتكامل وسائل الرصد والاعتراض والتشويش والحماية بحسب طبيعة التهديد، بدلاً من الاعتماد على وسيلة واحدة أو منظومة مكلفة لا تتناسب مع طبيعة جميع المسيّرات.
    والأهم هو تبني مفهوم الدفاع المتعدد الطبقات، الذي يجمع بين الكشف المبكر والتصنيف والتحذير والاعتراض، مع إعطاء الأولوية لحماية المرافق التي يؤدي تعطيلها إلى آثار إنسانية واقتصادية واسعة.
  3. اعتماد مفهوم الإنزال المبكر أو تحييد التهديد قبل بلوغ أهدافه
    من الضروري تطوير القدرات الدفاعية التي تمكن من اكتشاف المسيّرات والتعامل معها في وقت مبكر، وإبعادها عن المنشآت الحيوية قبل وصولها إلى نطاق إحداث الضرر.
    ويشمل ذلك دراسة وسائل الحرب الإلكترونية والتشويش الآمن والاعتراض المخصص للمسيّرات، إلى جانب تعزيز التكامل بين أنظمة الرصد والإنذار ووسائل الدفاع المناسبة.
    والفكرة هنا ليست انتظار الضربة ثم التعامل مع آثارها، وإنما منع وصول التهديد إلى مرحلة التأثير، مع مراعاة سلامة الطيران المدني والاتصالات والخدمات العامة.
  4. حماية المنشآت الحيوية من خلال المرونة والتوزيع
    لا يمكن افتراض أن جميع الهجمات ستُحبط، ولذلك يجب ألا تكون سلامة الدولة وخدماتها رهينة منشأة واحدة أو نقطة مركزية واحدة.
    وتبرز هنا أهمية توفير بدائل احتياطية للطاقة والمياه والاتصالات، وتعزيز قدرة المؤسسات على استعادة الخدمة سريعاً، وإعداد خطط استمرارية الأعمال والطوارئ، بحيث لا يتحول الضرر المحدود إلى أزمة وطنية واسعة.
  5. إنشاء مركز وطني متخصص في تقنيات المسيّرات ومواجهتها
    من المقترحات التي تستحق الدراسة إنشاء مركز وطني مشترك يضم الكفاءات العسكرية والهندسية والتقنية والجامعية، يتولى دراسة تطور المسيّرات، وتحليل الحطام والمكونات، وتقييم مصادر التهديد، وتطوير وسائل الكشف والحماية، وتدريب الكوادر الوطنية.
    وهنا يمكن الاستفادة من خبرات الجامعات السودانية والكفاءات الهندسية في الداخل والخارج، ومن التعاون الفني مع الدول التي تمتلك خبرة في مواجهة هذا النوع من التهديدات.
  6. تطوير منظومة الحماية المدنية والإنذار المجتمعي
    لا تقل حماية المواطنين أهمية عن حماية المنشآت. وينبغي وضع آليات واضحة للإنذار المبكر، وإرشادات السلامة العامة، وخطط إخلاء المنشآت عند الضرورة، وتوفير مصادر طاقة ومياه بديلة للمستشفيات ومراكز الإيواء، وتعزيز جاهزية الدفاع المدني والإسعاف.
    كما ينبغي مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة التي قد ترافق الهجمات وتضاعف حالة الخوف والارتباك.
  7. بناء تعاون إقليمي ودولي لمراقبة شبكات الإمداد
    لا يمكن معالجة المشكلة من داخل الحدود السودانية وحدها، في ظل الطبيعة العابرة للحدود لشبكات توريد المسيّرات وقطع الغيار والتقنيات والخبرات.
    ومن ثم، ينبغي تفعيل القنوات الدبلوماسية والقانونية مع الدول المعنية، والاستفادة من آليات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وطلب التحقيق في مسارات الإمداد والتشغيل والتمويل، ومساءلة كل جهة يثبت تورطها في تسهيل الهجمات غير المشروعة.

سابعاً: المعركة القانونية والدبلوماسية لا تقل أهمية عن المعركة التقنية
من الأخطاء الاستراتيجية التعامل مع الاعتداءات على البنية التحتية باعتبارها شأناً عسكرياً داخلياً فحسب. فهذه الهجمات تثير مسائل تتعلق بالقانون الدولي الإنساني، ومسؤولية الدول عن منع استخدام أراضيها في أعمال غير مشروعة، ومسؤولية الجهات التي تمول أو تسلح أو توفر الخبرات اللازمة لتنفيذ الاعتداءات.
وهنا يحتاج السودان إلى بناء ملف وطني متكامل، لا يكتفي بالبيانات السياسية والإدانات، وإنما يستند إلى أدلة فنية قابلة للفحص والتحقق، تشمل تحديد نوع المسيّرات ومكوناتها، وتحليل مساراتها وبياناتها المتاحة، وتوثيق مواقع الإطلاق عند ثبوتها، وربط الوقائع بشبكات التمويل والتوريد والتشغيل.
كما ينبغي أن تكون هناك تقارير دورية موثقة عن الأضرار التي لحقت بالمدنيين والمرافق العامة، وأن تُتاح المعلومات الموثوقة للمنظمات الدولية والهيئات القانونية والبعثات الدبلوماسية ووسائل الإعلام.
إن تحويل الاعتداءات إلى ملف قانوني ودبلوماسي وإعلامي موثق من شأنه أن يوسع دائرة المساءلة، ويمنع اختزال القضية في تبادل الاتهامات السياسية والمعالجات الآنية.

ثامناً: السودان أمام اختبار حماية الدولة لا مجرد حماية المواقع
لقد كشفت الحرب عن حقيقة استراتيجية مهمة، وهي أن السيطرة على الأرض لم تعد وحدها معيار السيطرة على المجال الوطني. فالدولة قد تستعيد المدن والمواقع، لكنها تظل معرضة لتهديدات عابرة للمسافات تستهدف منشآتها ومرافقها وخدماتها.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة شاملة لمفهوم الأمن الوطني، بحيث لا ينحصر في حماية الحدود والقوات والمنشآت العسكرية، بل يمتد إلى أمن الطاقة والمياه والغذاء والاتصالات والنقل والصحة، باعتبارها مكونات متكاملة للأمن القومي.
كما أن التعافي الوطني لا ينبغي أن يُقاس فقط بتحسن سعر العملة أو عودة بعض الأنشطة الاقتصادية، وإنما بقدرة المؤسسات على الاستمرار، وقدرة المجتمع على استعادة حياته، وقدرة الدولة على حماية مواطنيها ومرافقها.

خاتمة: حين تعجز المسيّرات عن حسم الأرض، لا ينبغي أن تنجح في تعطيل الحياة
إن تصاعد حرب المسيّرات على السودان يمثل تحدياً يتجاوز الحسابات العسكرية الآنية، ويضع الدولة أمام ضرورة الانتقال من رد الفعل إلى بناء استراتيجية وطنية متكاملة لحماية المجال الجوي والبنية التحتية والمجتمع.
فإذا كانت هذه الهجمات تسعى إلى تعويض تراجع ميداني أو إرباك التعافي أو الضغط على القرار الوطني، فإن الرد لا يكون بمجرد إسقاط المسيّرات أو إصدار بيانات الإدانة، وإنما ببناء قدرة وطنية مستدامة على الكشف المبكر والتحييد والحماية، وبإعادة تأهيل المرافق الحيوية، وتفعيل أدوات القانون والدبلوماسية، وتعزيز صمود المجتمع.
وفي نهاية المطاف، فإن معركة السودان ليست فقط معركة استعادة الأرض، بل معركة الحفاظ على مقومات الدولة والحياة فيها.
فالدولة التي تحمي أرضها مطالبة أيضاً بأن تحمي سماءها، والدولة التي تستعيد مدنها ينبغي ألا تسمح بتعطيل حياتها. والانتصار الحقيقي ليس في إسقاط المسيّرة وحدها، بل في منعها من إسقاط قدرة الوطن على النهوض.
«حين يتعذر حسم الحرب على الأرض، يصبح استهداف مقومات الحياة محاولةً لحسمها فوق أنقاض الدولة؛ لكن قوة الأوطان لا تُقاس بما تتعرض له من ضربات، بل بقدرتها على حماية إنسانها، وصون مؤسساتها، وتحويل المحنة إلى طاقة للنهوض. فإسقاط المسيّرات ضرورة دفاعية، وإفشال أهدافها الاستراتيجية معركة وطنية أشمل بحاجة الي وعي عملياتي استثنائي».
——————
٨ نوفمبر ٢٠٢٦ م

اترك رد