الرواية الأولى

نروي لتعرف

من اعماقي / د. امجد عمر

فضيلة النقص

د. امجد عمر



تمضي حياة الإنسان بين أشياء تتحقق له وأخرى تظل بعيدة عن متناول يده؛ فليس من الممكن أن تجتمع له كل أسباب الراحة، أو أن يمتلك كل ما يرغب فيه، أو أن يجد في كل مرحلة من حياته ما يحتاج إليه. قد تتوفر له أسباب النجاح المادي، بينما يفتقد شيئًا من الطمأنينة النفسية، وقد يجد الحب ولا يجد التوافق، وقد يبلغ درجة من العلم تجعله أكثر إدراكًا لما يجهله. تلك طبيعة الحياة التي لا تمنح الإنسان كل شيء، ولا تحرمه من كل شيء، بل تضعه دائمًا بين ما أُتيح له وما لم يُتح، وبين ما استطاع بلوغه وما لا يزال يسعى إليه.
غير أن المفارقة لا تكمن في وجود هذه المساحات غير المكتملة في حياتنا، بل في الطريقة التي ننظر بها إليها؛ إذ نتعامل أحيانًا مع ما ينقصنا باعتباره عيبًا ينتقص من قيمتنا، بينما نرى في الاعتراف بنقص المعرفة والعلم علامة على الوعي والنضج. من هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا نشعر بالدونية حين ينقصنا المال أو الحب أو الاستقرار النفسي، بينما نرى في الاعتراف بجهلنا دليلًا على الحكمة والاستعداد للتعلم؟
ربما لا تكمن المشكلة في النقص نفسه، بل في المعنى الذي نمنحه له. فليس كل ما ينقص الإنسان ينتقص من قيمته، وليس كل ما يمتلكه يضيف إلى جوهره. قد يكون المال قليلًا، لكن النفس غنية بما تحمله من قناعة وكرامة، وقد تكون الممتلكات كثيرة، لكن صاحبها يظل فقيرًا أمام مرآة المقارنة، يبحث في حياة الآخرين عما يؤكد له أنه لم يصل بعد. إن الفارق بين الحالتين لا تصنعه الأرقام وحدها، بل تصنعه نظرة الإنسان إلى نفسه، وقدرته على الفصل بين ما يملك وما يكون.
في كثير من الأحيان، لا نشعر بالنقص المادي لأن حاجاتنا الأساسية غير متوفرة فحسب، بل لأننا نقيس حياتنا على مقاس حياة الآخرين. يصبح منزلنا أقل جمالًا حين نرى منزلًا أفخم، وتبدو سيارتنا أقل قيمة حين تمر أمامنا سيارة أحدث، وتتراجع سعادتنا بما أنجزناه كلما ظهر أمامنا من أنجز أكثر. عندها لا يعود المال وسيلة للحياة، بل يتحول إلى ميزان نقيس به مكانتنا، ونطلب منه أن يمنحنا شعورًا بالقيمة قد لا يستطيع، مهما تضاعف، أن يمنحنا إياه. فنحن لا نطارد حاجاتنا وحدها، بل نطارد أحيانًا صورة صنعناها لأنفسنا تحت تأثير نظرات الآخرين.
الأمر نفسه يحدث في الجانب النفسي والعاطفي، حين يعتقد الإنسان أن عليه أن يبدو قويًا طوال الوقت، وألا يعترف بحاجته إلى الدعم، أو أن يشعر بالخجل إذا أحب ولم يُبادل الحب، أو احتاج إلى كلمة طيبة فلم يجدها. كأن الاعتراف بالحاجة إقرار بالهزيمة، وكأن القلب الذي يتألم أقل شأنًا من القلب الذي يخفي ألمه. لكن الحاجة إلى الحب والأمان والتقدير ليست عيبًا في تكوين الإنسان؛ إنها جزء من طبيعته. العيب ليس في أن نحتاج، بل في أن نسمح لاحتياجاتنا بأن تتحول إلى أحكام قاسية على ذواتنا، أو أن نقبل الإهانة ونتنازل عن كرامتنا خوفًا من فقدان من يمنحنا شيئًا من الطمأنينة.
قد يرفضنا شخص، فنظن أن رفضه كشف عن نقص فينا، مع أنه قد يعكس اختلافًا في الرغبات أو القيم أو التوافق. وقد نفشل في تجربة، فنعتبر أنفسنا فاشلين، مع أن الفشل ربما يخص تجربة بعينها ولا يمتد إلى حياتنا كلها. كما قد نمر بمرحلة من الضعف النفسي، فننسى أن الإنسان ليس مطالبًا بأن يكون متماسكًا في كل لحظة. إننا أحيانًا نمنح موقفًا عابرًا سلطة الحكم على ذواتنا، ونسمح لغياب شيء واحد بأن يحجب عنا أشياء كثيرة ما زالت موجودة فينا.
على الجانب الآخر، حين يكتشف الإنسان نقصًا في معرفته، قد يشعر بالامتنان لهذا الاكتشاف؛ لأنه أدرك أن أمامه مساحة جديدة للتعلم. لا يخجل العاقل من السؤال، ولا يرى في اعترافه بالجهل انتقاصًا من مكانته، بل يعتبره بابًا لم يكن ليفتح لولا إدراكه لحاجته إلى المعرفة. فالعقل الذي يعتقد أنه يعرف كل شيء يشبه نافذة أُغلقت بإحكام؛ لا يدخلها ضوء جديد، ولا ترى ما وراء حدودها. أما العقل الذي يعترف بما يجهله، فيظل مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي.
لعل السبب في اختلاف نظرتنا إلى هذه الأنواع من النقص أن المجتمع علّمنا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن المال علامة على النجاح، وأن القبول العاطفي دليل على الجاذبية، وأن القوة النفسية تعني عدم إظهار الضعف، بينما جعل من التواضع العلمي فضيلة يُمدح صاحبها. وهكذا أصبحنا نتعامل مع بعض أوجه القصور باعتبارها تهديدًا لصورتنا أمام الناس، ونتعامل مع أوجه أخرى باعتبارها فرصًا للنمو. لكن هذه المعايير ليست دائمًا عادلة؛ فالفقر لا يسلب الإنسان كرامته، والحاجة إلى الحب لا تعني ضعف الشخصية، والتعثر النفسي لا يلغي القدرة على العطاء والنجاح. كما أن الشهادة العلمية لا تمنح صاحبها الحكمة بالضرورة، ولا يكفي الاعتراف بالجهل وحده ليصبح الإنسان متواضعًا، ما لم يتبعه استعداد حقيقي للتعلم.
هنا يتضح الفرق بين من يرى النقص تهديدًا للصورة التي يريد أن يظهر بها أمام الآخرين، ومن يراه حقيقة تساعده على فهم نفسه وتحديد خطوته التالية. الأول ينشغل بإخفاء ما يفتقده حتى لا تهتز صورته، بينما ينشغل الثاني بفهم أسبابه والعمل على تجاوزه. لا تكمن فضيلة النقص في أن نفتقد شيئًا، بل في أن يمنحنا افتقاده وعيًا لم يكن ليتشكل لو توهمنا الاكتمال. فالنقص الذي يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا والتعلم وتطوير قدراتنا قد يكون بداية لنضج جديد، أما الذي نحوله إلى دليل على عدم استحقاقنا، فإنه يصبح عبئًا يثقل خطواتنا ويحد من قدرتنا على التقدم.
إن النقص، في جوهره، ليس فضيلة مطلقة ولا عيبًا مطلقًا؛ إنه مساحة بين ما نحن عليه وما نطمح إلى بلوغه. وقد تكون هذه المساحة مصدرًا للألم إذا نظرنا إليها باعتبارها دليلًا على عدم استحقاقنا، وقد تصبح مصدرًا للأمل إذا تعاملنا معها بوصفها فرصة للتغيير. فالإنسان الذي يدرك ضعف ثقته بنفسه ويعمل على تطويرها لا يقل شأنًا عن الإنسان الذي يدرك محدودية معرفته ويسعى إلى توسيعها. كلاهما يمتلك فرصة للنمو، بشرط ألا يتحول الوعي بالنقص إلى إدانة للذات، وألا يصبح السعي إلى التحسن محاولة للهروب من صورة يكرهها الإنسان عن نفسه.
من المهم أيضًا ألا نقع في الطرف المقابل، فنرفع شعار الرضا حتى نبرر العجز، أو نتحدث عن تقبل الذات حتى نتوقف عن إصلاح ما نستطيع إصلاحه. الرضا لا يعني أن نترك ظروفنا المادية الصعبة دون سعي، أو أن نستسلم لضعف نفسي يمكن معالجته، أو أن نستمر في علاقات تستنزفنا بحجة أن الاحتياج العاطفي طبيعة إنسانية. تقبل الذات يعني أن نبدأ من واقعنا دون إنكار أو احتقار، ثم نعمل على تحسينه دون أن نجعل سعادتنا مؤجلة إلى يوم نبلغ فيه صورة مثالية قد لا تتحقق أبدًا.
الحياة ليست سباقًا للوصول إلى حالة لا ينقصنا فيها شيء؛ فكلما اتسعت خبرتنا ظهرت لنا آفاق جديدة، وكلما تحقق لنا هدف اكتشفنا أهدافًا أخرى. ولو انتظر الإنسان اكتمال ظروفه ليشعر بقيمته، فقد يقضي عمره كله واقفًا أمام باب لا ينتهي انتظاره. الأجمل أن يتعلم كيف يسعى دون أن يحتقر ما لديه، وكيف يطمح دون أن يكره واقعه، وكيف يعترف بحاجته دون أن يتنازل عن كرامته، وكيف يقر بجهله دون أن يشكك في قدرته على التعلم.
في النهاية، ربما لا يحتاج الإنسان إلى التخلص من كل شعور بالنقص بقدر حاجته إلى فهمه. فبعض ما نفتقده ينبهنا إلى ما ينبغي تغييره، وبعضه يعلّمنا حدود قدرتنا، وبعضه يكشف لنا أننا نبحث في الخارج عما ينبغي أن نعيد بناءه في الداخل. ليست الحكمة أن نقنع أنفسنا بأننا نمتلك كل شيء، بل أن نعرف ما ينقصنا دون أن ننسى ما نملكه، وأن نسعى إلى الأفضل دون أن نجعل حاضرنا عقوبة، وأن نفهم أن اختلاف الناس في المال والعلم والعاطفة والقدرة لا يجعل أحدهم نسخة مكتملة والآخر نسخة معيبة.
فليس كل نقص منقصة، كما أن ليس كل امتلاء فضيلة؛ فقد ينقص الإنسان شيء من متاع الدنيا، لكنه يمتلك من الوعي ما يحفظ كرامته، وقد تنقصه بعض المعرفة، فيكون اعترافه بذلك بداية حكمته. وبين النقص الذي يكسر الإنسان، والنقص الذي يبنيه، تقف نظرته إلى نفسه؛ فهي التي تحدد إن كان ما يفتقده جرحًا يختبئ منه، أم بابًا يتعلم كيف يعبره.

اترك رد