الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

أزمة الكرة السودانية من فرحة الإنتصارات وإحباطات الهزائم إلى ضرورة إعادة بناء المنظومة

د. طارق عثمان الطاهر


خلال شهر سبتمبر الماضي ، عاشت جماهير كرة القدم السودانية لحظات من الفرح بعد فوز المنتخب الوطني تحت سن العشرين ببطولة سيكافا للشباب ، ثم فوز المنتخب الوطني الأول على منتخب إثيوبيا .

وكالعادة ، فقد عمّت الفرحة ربوع الوطن ، وإرتفعت سقوف التوقعات ، قبل أن تأتي الخسارة أمام موزمبيق ، ثم خسارة المنتخب الوطني تحت سن الثالثة والعشرين أمام رواندا ، لتنقلب حالة الفرح إلى إحباط شديد ، وتتعالى الأصوات المطالبة برحيل الاتحاد السوداني لكرة القدم .

غير أن قراءة واقع الكرة السودانية لا ينبغي أن تخضع لمشاعر الإنتصار والهزيمة ؛ فالفوز في مباراة أو بطولة ، مهما كانت أهميته ، لا يعني بالضرورة أن المنظومة قد تعافت ، كما أن الخسارة لا تعني وحدها أن كل شيء قد إنهار .

فالإنتصارات والهزائم جزء من طبيعة الرياضة ، أما نجاح كرة القدم كمنظومة ، فيقاس بمدى قدرتها على إنتاج المواهب ، وبناء الفرق ، وتأهيل المدربين والإداريين ، وتوفير الملاعب والبنية التحتية ، وإدارة المسابقات بصورة إحترافية ، وتحقيق الإستدامة المالية والمؤسسية .

ومن هذه الزاوية ، فإن السؤال الحقيقي ليس : لماذا خسر المنتخب؟ و إنما : لماذا لم نستطع ، طوال أكثر من قرن من تاريخ كرة القدم السودانية ، أن نبني منظومة كروية مستدامة قادرة على صناعة النجاح والمحافظة عليه؟

كرة القدم السودانية .. أكثر من قرن دون إنتقال حقيقي إلى عصر الإحتراف

رغم التاريخ الطويل لكرة القدم السودانية ، فإن واقعها المؤسسي والفني لا يزال في كثير من جوانبه ، أسيرًا لمنهج البدايات .

فلا توجد حتى الآن رؤية وطنية متكاملة وطويلة المدى للنهوض بكرة القدم ، ولا مشروع واضح يبدأ من التكوين الأساسي للناشئين ، ويمر بالمراحل السنية المختلفة ، وصولًا إلى كرة القدم الإحترافية والمنتخبات الوطنية .

كما أن منظومة تكوين اللاعبين لا تزال تفتقر إلى العدد الكافي من الأكاديميات والمدارس المتخصصة التي تعمل وفق مناهج حديثة ، وتكتشف المواهب في سن مبكرة ، ثم ترعاها بصورة علمية وفنية وبدنية متدرجة .

والأمر لا يتعلق باللاعبين وحدهم ؛ فالإداري والمدرب والحكم والطبيب الرياضي وأخصائي التأهيل والإعداد البدني والإعلامي الرياضي جميعهم جزء من منظومة كرة القدم الحديثة ، وكلهم يحتاجون إلى برامج مستمرة للتأهيل والتطوير .

أما البنية التحتية ، فهي تمثل أزمة أخرى قائمة بذاتها . فالملاعب التي تستضيف المنافسات تعاني من مشكلات كبيرة في التأهيل والصيانة والإدارة ، في وقت أصبحت فيه الملاعب الحديثة جزءًا أساسيًا من صناعة كرة القدم ، وليست مجرد أرضية لممارسة اللعبة .

وإذا كانت ملاعبنا لا تستوفي متطلبات المنافسات القارية والدولية ، فإن المشكلة هنا لا تتعلق بكرة القدم وحدها ، وإنما تكشف عن خلل مؤسسي يحتاج إلى معالجة جذرية .

ترهل الهيكل التنظيمي

من أكبر التحديات التي تواجه كرة القدم السودانية أيضًا تضخم هيكلها التنظيمي .

فوجود عشرات الإتحادات المحلية ، وما يرتبط بها من درجات ومسابقات وأندية ، أدى إلى تضخم هائل في قاعدة المنافسات دون أن يقابله تطور مماثل في الموارد والبنية التحتية والإدارة والتكوين الفني .

وعندما تصبح لدينا أعداد ضخمة من الأندية واللاعبين والمسابقات ، بينما تظل الموارد محدودة ، فإن النتيجة الطبيعية هي تشتت الجهد والموارد، وانخفاض مستوى المنافسة ، وصعوبة الرقابة والتطوير ، وتحول جزء كبير من العمل الرياضي إلى إجراءات إدارية روتينية بدلاً من أن يكون مشروعًا لصناعة كرة القدم .

المطلوب إذن ليس مجرد زيادة عدد المسابقات أو الأندية ، وإنما إعادة تصميم الهرم الكروي السوداني بما يتناسب مع إمكانات الدولة وإحتياجات اللعبة .

المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم .. وإنما في النظام

لا يمكن إختزال أزمة الإتحاد السوداني لكرة القدم في الأشخاص الذين تعاقبوا على إدارته .

فهناك كوادر سودانية مؤهلة ومخلصة للعبة ، وقدمت الكثير في ظروف بالغة الصعوبة ، لكن المشكلة الأعمق تكمن في طبيعة النظام نفسه .

فالنظام الإنتخابي التقليدي للإتحادات الرياضية أفرز ، على مدى سنوات طويلة ، علاقة شديدة الارتباط بالحسابات الإنتخابية ، بحيث أصبح الحفاظ على التحالفات والأصوات جزءًا أساسيًا من المعادلة الإدارية .

وبالتالي ، فإن مطالبة أي مجلس جديد بتغيير هذه المنظومة من داخلها قد لا تكون كافية ؛ لأن تغيير الأشخاص مع بقاء قواعد اللعبة نفسها يعني في الغالب إعادة إنتاج المشكلة بصورة مختلفة .

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من النظام الأساسي ، وهيكل الجمعية العمومية ، وطريقة التمثيل والتصويت ، وتوزيع الصلاحيات ، ونظام المسابقات ، وعلاقة الإتحاد بالأندية والإتحادات المحلية .

أندية القمة والدرجة الممتازة .. الحلقة الغائبة

ومن المفارقات أن الأندية التي تمثل الواجهة الحقيقية لكرة القدم السودانية ، وتتحمل العبء الأكبر في المنافسات القارية ، لا تزال ضعيفة التمثيل المؤسسي في صناعة القرار الكروي .

كما أن عدم قدرة أندية الدرجة الممتازة على تكوين رابطة قوية وفاعلة تدير مصالحها وتشارك في تطوير مسابقاتها يمثل مشكلة إضافية .

وإذا كان الهدف هو الوصول إلى كرة قدم إحترافية ، فمن الطبيعي أن تكون للأندية المحترفة مؤسساتها الجامعة ، وأن تشارك بصورة منظمة في إدارة المسابقة التي تمثل جوهر نشاطها .

كما أن تضخم عدد أندية الدوري الممتاز إلى درجة تجعل تنظيم المسابقة بنظام الذهاب والإياب أمرًا مستحيلا ، يفرض إعادة النظر بصورة عاجلة في هيكل المنافسة .

فالمسابقة الإحترافية لا تقاس بعدد الأندية بقدر ما تقاس بجودة المنافسة ، وإستدامة الموسم ، والموارد المتاحة ، ومستوى الملاعب ، وقدرة الأندية على الوفاء بالتزاماتها المالية والفنية والإدارية .

من أين يبدأ الإصلاح؟

إن الخروج من الأزمة لا يحتاج إلى قرارات إنفعالية مرتبطة بنتيجة مباراة ، وإنما إلى مشروع وطني متكامل لإعادة بناء كرة القدم السودانية .

وأرى أن هذا المشروع يمكن أن يقوم على المحاور الآتية :

أولًا : إعادة تأسيس الإطار القانوني للإتحاد السوداني

إلغاء النظام الأساسي الحالي وإعداد نظام أساسي جديد يعيد تنظيم العلاقة بين الاتحاد والأندية والاتحادات والجهات الرياضية المختلفة، بما يحقق التوازن بين المتطلبات القارية والدولية وبين الخصوصية الوطنية.

ومن المهم إعادة النظر في تكوين الجمعية العمومية، بحيث تضم تمثيلًا متوازنًا للولايات ولأندية الدرجة الممتازة، بما يجعل أصحاب المصلحة الرئيسيين في اللعبة جزءًا أصيلًا من صناعة القرار.

كما ينبغي إعادة النظر في آلية التصويت، بما يقلل من الشخصنة ويعزز ارتباط التصويت بالجهة الإعتبارية العضو ومسؤوليتها المؤسسية.

ثانيًا: إنشاء رابطة لدوري المحترفين

ينبغي أن يسمح النظام الأساسي صراحة بقيام رابطة دوري المحترفين، على أن تكون لها شخصية تنظيمية واضحة واختصاصات محددة، وتتولى إدارة منافسات الدوري من الجوانب التنظيمية والتجارية والتسويقية، بالتنسيق مع الاتحاد السوداني لكرة القدم.

فالإحتراف لا يعني فقط تحويل النادي إلى شركة، وإنما يعني أيضًا بناء مؤسسة تدير المنافسة وفق قواعد اقتصادية وتسويقية وإدارية حديثة.

ثالثًا: إعادة هيكلة درجات المنافسة

يمكن إعادة بناء الهرم الكروي وفق تصور أكثر واقعية، بحيث تكون :

  • الدوري الممتاز (أ) : منافسة قومية للمحترفين.
  • الدوري الممتاز (ب) : منافسة قومية إنتقالية إلى مستوى الاحتراف الكامل.
  • الدرجة الأولى : على مستوى الولايات.
  • الدرجة الثانية: على مستوى المحليات.
  • الدرجة الثالثة: على مستوى مدن المحليات.

وبذلك تصبح المنافسات المحلية قاعدة لاكتشاف المواهب وتطويرها، بينما تتولى المستويات القومية صناعة كرة القدم الاحترافية.

رابعًا: إعادة النظر في نظام الاتحادات المحلية

يمكن الاستعاضة تدريجيًا عن نظام الإتحادات المحلية التقليدي بنظام أكثر مرونة يعتمد على لجان للمنافسات والتطوير ترتبط بالهيكل القومي، مع الحفاظ على الدور المجتمعي والرياضي للمناطق والولايات.

والهدف ليس إلغاء المشاركة المحلية، وإنما التخلص من التضخم الإداري وتعدد مراكز القرار، وتوجيه الموارد نحو تطوير اللعبة نفسها.

خامسًا: إعادة تأهيل الملاعب

ينبغي وضع مشروع قومي للملاعب الرياضية.

وتؤول ملكية الإستادات العامة (عدا الملاعب المملوكة للأندية) إلى الجهة الحكومية المختصة، على أن تتم إعادة تأهيلها وتشغيلها وفق نماذج استثمارية حديثة، من خلال شركات متخصصة، وبمواصفات فنية وأمنية وتجارية ملزمة.

فالاستاد الحديث ليس مجرد ملعب، وإنما منشأة اقتصادية يمكن أن تحقق إيرادات مستدامة من المباريات والإعلانات والرعاية والمتاجر والأنشطة المختلفة.

سادسًا: تحويل أندية دوري المحترفين إلى مؤسسات اقتصادية

لا يمكن بناء كرة قدم محترفة بأندية تعتمد بصورة أساسية على التبرعات والمساهمات الشخصية.

لذلك ينبغي أن تتحول أندية دوري المحترفين تدريجيًا إلى شركات أو كيانات اقتصادية رياضية وفق القانون، مع توفير التسهيلات اللازمة لها، وربط أي دعم حكومي أو امتيازات تحصل عليها بالحوكمة والشفافية والامتثال المالي والإداري.

ويجب أن تكون لكل نادٍ ميزانية واضحة، وحسابات مدققة، ونظام رقابة داخلي، وإدارة محترفة، وخطة إستثمار وتسويق وتنمية موارد.

سابعًا: إنشاء أكاديمية وطنية للإدارة الرياضية

إذا كنا نريد تغيير واقع كرة القدم، فعلينا أن نغير أيضًا طريقة إدارتها.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء أكاديمية وطنية للإدارة الرياضية تتولى تأهيل وتطوير الكوادر في مجالات الإدارة الرياضية، والقانون الرياضي، والحوكمة، والإستثمار والتسويق الرياضي، وإدارة المنشآت، والعقود والانتقالات، والإعلام والعلاقات العامة، والإمتثال المالي.

فالإحتراف يبدأ بالعقل الإداري قبل أن يبدأ بالملعب.

ثامنًا: مشروع وطني لإكتشاف وتكوين المواهب

لا يمكن أن نطالب المنتخب الوطني بالإنجاز بينما لا نمتلك قاعدة مستدامة لإنتاج اللاعبين.

لذلك يجب أن تكون هناك شبكة وطنية من أكاديميات ومراكز تكوين الناشئين، ترتبط بمنهج موحد ومعايير فنية واضحة، وتعمل بالتنسيق مع الأندية والاتحاد والجهات التعليمية.

فالمنتخب الوطني القوي هو في النهاية نتيجة طبيعية لقاعدة تكوين قوية، وليس مشروعًا يبدأ قبل البطولة بأسابيع .

الدولة .. دورها التخطيط لا إدارة المباريات

إن الحديث عن تطوير كرة القدم السودانية يقود بالضرورة إلى دور الدولة .

وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين إدارة كرة القدم التي يجب أن تبقى للاتحاد والأندية والمؤسسات الرياضية المختصة، وبين مسؤولية الدولة عن وضع الإطار القانوني والاقتصادي والبنية التحتية والسياسات العامة التي تسمح للرياضة بالنمو .

ولا ينبغي أن تتحول إستقلالية الاتحادات الرياضية إلى ذريعة تمنع الدولة من القيام بدورها الطبيعي في التشريع والتخطيط وتوفير البنية التحتية وتنظيم الإستثمار الرياضي .

وفي المقابل ، فإن قيام الدولة بهذا الدور لا يعني التدخل في نتائج المباريات أو القرارات الفنية أو الانتخابات الرياضية ، وإنما يعني توفير البيئة القانونية والمؤسسية التي تسمح للرياضة بالعمل بصورة حديثة ومستدامة .

الخروج من دائرة ردود الفعل

إن أزمة الكرة السودانية أكبر من نتيجة مباراة ، وأعمق من تغيير مدرب أو مجلس إدارة .

قد نفوز غدًا على منتخب كبير ، وقد نخسر بعد غد أمام منتخب أقل تصنيفًا ، لكن ذلك لن يغير حقيقة أن منظومة كرة القدم نفسها تحتاج إلى إعادة بناء .

المطلوب إذن أن ننتقل من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة التخطيط ، ومن البحث عن المسؤول عن كل خسارة إلى البحث عن الأسباب التي تجعل النجاح استثناءً والفشل قاعدة متكررة .

كرة القدم السودانية تمتلك تاريخًا عريقًا وجمهورًا واسعًا ومواهب لا تنضب ، لكنها تحتاج إلى منظومة حديثة تستثمر هذه المقومات .

إن الإصلاح الحقيقي لن يتحقق بتغيير الأشخاص وحدهم ، ولا بتبديل مجالس الإدارة ، ولا بالاحتفال بإنتصار عابر أو الحزن على هزيمة عابرة .

إنه يحتاج إلى إعادة بناء شاملة للمنظومة : قانونًا ، وهيكلًا ، وإدارةً ، وتمويلًا ، وبنيةً تحتية ، وتكوينًا ، ومسابقات ، وحوكمةً .

وعندما ننجح في بناء هذه المنظومة، فلن تعود إنتصارات منتخباتنا وأنديتنا مفاجآت عابرة ، بل تصبح نتيجة طبيعية لعمل مؤسسي مستدام .

فالمطلوب ليس أن نبحث عن جيل جديد من الإداريين فقط ، وإنما أن نبني نظامًا جديدًا لكرة القدم السودانية . والله الموفق.

اترك رد