الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

تقرير تقصي الحقائق… الدعم الخارجي للمليشيا من دائرة الاتهام إلى دائرة التوثيق

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

ليست القيمة الأساسية في التقرير الجديد لبعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، والذي صدر في 3 سبتمبر 2026م؛في أنه أضاف اتهامات جديدة إلى سجل الحرب، فالسودانيون عاشوا كثيراً من وقائعها ورأوا آثارها قبل أن تصل إلى تقارير المؤسسات الدولية. القيمة الأهم أن التقرير نقل جانباً مهماً من ملف الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع من مساحة الاتهامات السياسية المتبادلة إلى مستوى أكثر تقدماً من التوثيق الدولي، مستخدماً عبارته القانونية المحسوبة: وجود «أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد» بأن شبكة عابرة للحدود أسهمت في إمداد قوات الدعم السريع بالسلاح والمعدات والتدريب والأفراد والدعم اللوجستي.

وهنا تحديداً ينبغي أن تبدأ القراءة السودانية للتقرير.

فبحسب ما أوردته البعثة، لم تعد شبكة الإمداد الخارجي مجرد حديث عام عن أسلحة تصل إلى السودان من وراء الحدود، وإنما ظهرت أمامنا منظومة مترابطة تمتد عبر الإمارات وتشاد وجنوب شرق ليبيا وبونتلاند في الصومال، وتستخدم مسارات جوية وبرية وبحرية لنقل السلاح والأفراد والمعدات إلى مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

وتكتسب الإشارة إلى الإمارات أهمية خاصة، فالتقرير لم يكتف بذكرها ضمن السياق الإقليمي للحرب، وإنما تحدث عن أدلة تربط أفراداً وكيانات مقرها الإمارات بعناصر من ترتيبات الإمداد، وعن معدات تتسق مع معدات سبق تصديرها إليها، وهي نقلة مهمة في مستوى التوثيق الدولي لهذا الملف.

وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأنها تنقل النقاش من سؤال: هل يوجد دعم خارجي؟ إلى أسئلة أكثر تحديداً: من يموّل؟ ومن يجنّد؟ ومن ينقل؟ وعبر أي دولة تمر الأسلحة؟ ومن يوفر التدريب والتشغيل والصيانة؟

والأكثر خطورة أن التقرير يرسم صورة لحرب لم تعد سودانية الأدوات بالكامل. فحديثه عن نشر ما يصل إلى ألفي متعاقد عسكري كولومبي سابق، شارك بعضهم في تشغيل وصيانة الطائرات المسيّرة وأنظمة التسليح المتطورة، يكشف مستوى مختلفاً من تدويل الحرب. نحن هنا أمام انتقال من مجرد توريد السلاح إلى استجلاب الخبرة البشرية اللازمة لتشغيله وتحويله إلى قدرة قتالية مؤثرة على الأرض.

ويكتسب ذلك ثقله الأكبر عندما يوضع إلى جانب ما أورده التقرير عن منظومات المدفعية والدفاع الجوي والمركبات المدرعة والذخائر والإمدادات التي وصلت إلى قوات الدعم السريع عبر مسارات إقليمية متعددة. فهذه ليست، وفق الصورة التي يقدمها التقرير، عمليات تهريب متناثرة، وإنما شبكة لوجستية تحتاج إلى التمويل والتنسيق ونقاط العبور والحماية والوسطاء.

والأسماء والمسارات التي حددها التقرير مهمة بقدر أهمية الأسلحة نفسها. فالنظر إلى الدول والكيانات والشبكات التي ورد ذكرها، وإلى طبيعة ارتباطاتها ومسارات تحركها، يكشف بوضوح أكبر اتجاه الدعم الخارجي الذي أسهم في تعزيز القدرات العسكرية لقوات الدعم السريع وإطالة أمد الحرب. وهذا يضع تلك الشبكات والجهات أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة، ويفتح قانونياً باب التحقيق في مدى مسؤوليتها عن النتائج التي ترتبت على استمرار الحرب من قتل للمدنيين وانتهاكات وجرائم محتملة. وهي نتيجة مهمة للدولة السودانية، لأنها تمنحها سنداً دولياً أقوى في إثبات أن جزءاً أساسياً من قدرة المليشيا على مواصلة الحرب ارتبط بإسناد خارجي منظم.

لكن التقرير يحتاج، في الوقت نفسه، إلى قراءة نقدية في الطريقة التي يضع بها طرفَي الحرب داخل إطار واحد.

فالقوات المسلحة السودانية ليست مجرد «طرف مسلح» يقف على الدرجة القانونية والسياسية نفسها مع قوات الدعم السريع. الجيش مؤسسة رسمية من مؤسسات الدولة السودانية، يستمد وجوده واختصاصاته من النظام القانوني للدولة، بينما قوات الدعم السريع قوة مسلحة تمردت على الدولة وقاتلت جيشها وسيطرت بالقوة على مدن ومرافق ومؤسسات عامة. وهذه ليست مسألة توصيف لغوي، وإنما فارق جوهري لا يستقيم تغييبه في أي قراءة سياسية أو قانونية للنزاع.

ولا يعني ذلك منح القوات المسلحة حصانة من أحكام القانون الدولي الإنساني أو من التحقيق في أي انتهاك يثبت وقوعه؛ فصفة الجيش النظامية تزيد مسؤوليته في الالتزام بالقانون. لكن مساءلة مؤسسة الدولة عن كيفية استخدامها للقوة شيء، ومساواتها سياسياً وقانونياً بقوة متمردة تحارب الدولة ومؤسساتها شيء آخر. الخلط بين الأمرين يصنع ضبابية لا تساعد في فهم طبيعة الحرب ولا في الوصول إلى تسوية مستدامة لها.

وينطبق الأمر نفسه على ملف المدنيين والأعيان المدنية.

فالتقرير أشار إلى هجمات بالمسيّرات أوقعت ضحايا مدنيين، وانتقد عمليات للقوات المسلحة رأى أن الاحتياطات فيها لم تكن كافية، وهذه وقائع ينبغي التعامل معها والتحقيق فيها وفق القانون. لكنه أشار أيضاً إلى تغلغل قوات الدعم السريع داخل الأعيان المدنية، وهنا توجد مسألة قانونية لا ينبغي تجاوزها. فاستخدام منشأة مدنية استخداماً عسكرياً قد يجعلها، أو الجزء المستخدم منها، هدفاً عسكرياً متى تحققت الشروط التي يقررها القانون الدولي الإنساني، مع استمرار التزام القوة المهاجمة بمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين.

كما أن القراءة الكمية والنوعية لنمط الاستهداف تظل مهمة. فما تعرضت له محطات الكهرباء والمياه ومستودعات الوقود والمستشفيات وغيرها من مرافق البنية الأساسية من هجمات متكررة لقوات الدعم السريع لا ينبغي وضعه آلياً في المستوى التحليلي نفسه مع حالات محدودة تستهدف فيها القوات المسلحة مواقع تقول إنها استُخدمت لأغراض عسكرية وسط مناطق مدنية. والتقرير نفسه يقدم مثال الأبيض، حيث أدت هجمات متكررة لقوات الدعم السريع إلى الإضرار بمنشآت الكهرباء والوقود وتعطيل المياه والرعاية الصحية والنقل والخدمات الأساسية.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التقرير: السياق والنمط والهدف العسكري الفعلي أمور لا تقل أهمية عن اسم المكان الذي أصابته الضربة.

ومن ناحية أخرى، فإن حصول القوات المسلحة السودانية على السلاح والتقنية والعتاد العسكري لا يمكن النظر إليه، من حيث المبدأ، باعتباره مماثلاً لتسليح قوة متمردة. فالدولة، ممثلة في مؤسساتها المختصة وفي مقدمتها القوات المسلحة، مسؤولة عن حماية أراضيها ومواطنيها وفرض سيادتها، ومن حقها، في إطار القانون الدولي والالتزامات النافذة على السودان، الحصول على الوسائل العسكرية اللازمة لأداء هذه الوظائف. فلا يستقيم أن تُطالب الدولة بالدفاع عن شعبها وحماية أراضيها وفرض سيادتها، ثم تُجرّد من الأدوات التي تمكنها من القيام بهذه المهام، خصوصاً في مواجهة قوة مسلحة تتلقى، وفق ما يوثقه التقرير نفسه، إمداداً عسكرياً ولوجستياً وبشرياً عابراً للحدود.

ومن هنا تبرز الإشكالية الأكبر في توصية البعثة بتنفيذ حظر الأسلحة المفروض على دارفور والدعوة إلى توسيع نطاقه ليشمل جميع أنحاء السودان.

فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق التوسيع هو: ماذا أنجز الحظر القائم في دارفور فعلياً؟

فالمشكلة، كما تكشفها الوقائع التي يوثقها التقرير نفسه، لم تكن دائماً في غياب الحظر، وإنما في القدرة على إنفاذه ومنع الالتفاف عليه ومحاسبة من يخرقونه.

إذا كانت الأسلحة المتطورة والمركبات والمرتزقة وأنظمة الدفاع الجوي والمدفعية قد واصلت الوصول إلى قوات الدعم السريع داخل دارفور رغم وجود الحظر، فإن توسيعه جغرافياً دون معالجة آليات التهريب والتمويل والعبور قد يقود إلى نتيجة عكسية. فالقوات المسلحة مؤسسة نظامية يمكن تتبع مشترياتها ومسارات توريدها والضغط على الدول والشركات المتعاملة معها، بينما تستطيع الشبكات غير الرسمية والمليشيات والوسطاء العمل عبر الأسواق السوداء والحدود المفتوحة وشركات الواجهة وشبكات التهريب.

وعندها قد يصبح الحظر أكثر قدرة على تقييد الدولة من قدرته على تقييد من يتمرد عليها.

لهذا فإن التقرير، رغم هذه الملاحظات، يظل في تقديري إيجابياً ومهماً بدرجة كبيرة؛ لأنه مضى خطوات أبعد في تسمية شبكات الدعم الخارجي ومساراتها ووسائلها والجهات المرتبطة بها، ووضع أمام المجتمع الدولي مادة يصعب بعد اليوم التعامل معها باعتبارها مجرد اتهامات صادرة عن أحد أطراف الحرب.

ويبقى السؤال: ماذا ستفعل الدولة السودانية بهذه المادة؟

المطلوب ألا تتعامل الحكومة معه باعتباره نصاً للاستهلاك الإعلامي أو مناسبة لإصدار بيانات الإدانة. المطلوب إنشاء ملف دولة متكامل يجمع ما ورد في هذا التقرير مع تقارير فريق خبراء مجلس الأمن والوثائق والأدلة الوطنية، ويحولها إلى مسارات قانونية ودبلوماسية متوازية. وينبغي أن تتحرك وزارة الخارجية ووزارة العدل والأجهزة المختصة والبعثات السودانية في الأمم المتحدة والعواصم المؤثرة ضمن استراتيجية واحدة، تطالب بالتحقيق في شبكات التمويل والتجنيد والنقل، ومساءلة الشركات والوسطاء والأفراد المتورطين، والضغط على دول العبور لإغلاق خطوط الإمداد.

كما ينبغي مخاطبة الدول التي وردت في التقرير بصورة مباشرة، والبناء على أي استعداد رسمي منها للتحقيق والتعاون، وتحويل القضية من سجال سياسي إلى ملاحقة عملية للشبكات والأفراد والكيانات التي تسهم في استمرار الحرب.

لقد منح التقرير السودان شيئاً مهماً: وثيقة دولية تعزز الأدلة على أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة داخلية، وإنما صراعٌ تغذيه شبكات إقليمية وعابرة للحدود بالمال والسلاح والرجال والتكنولوجيا.

ومن هنا فإن المعركة التالية ليست عسكرية وحدها.

إنها معركة قانون ودبلوماسية وتوثيق ورأي عام دولي. وإذا كان الآخرون قد نجحوا في تدويل أدوات الحرب، فإن مسؤولية الدولة السودانية أن تنجح في تدويل مساءلة من يمدونها بأسباب الاستمرار.

فالتقرير الذي يوثق الدعم الخارجي لا يغيّر الواقع بذاته؛ الذي يغيّره هو أن تتحول أدلته من صفحات محفوظة في أرشيف الأمم المتحدة إلى ملف دولة تتحرك به الخرطوم في كل عاصمة ومحفل ومحكمة تستطيع الوصول إليها.

الجمعة 4 سبتمبر 2026م

اترك رد