
تمر الدول أحياناً بأحداث كبرى لا تغيّر حكوماتها وموازينها السياسية فحسب، وإنما تعيد تعريف الأسئلة التي تقوم عليها الدولة نفسها: من يملك الشرعية؟ ومن يتحدث باسم المجتمع؟ وما المرجعية التي ينبغي أن يُبنى عليها النظام السياسي القادم؟ والسودان، بعد ثورة ديسمبر 2018م–2019م، ثم سنوات الانتقال المضطربة، وصولاً إلى حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، يقف اليوم أمام واحد من هذه الأسئلة التاريخية الثقيلة.
فهل لا تزال ثورة ديسمبر تمثل، بعد كل ما جرى، مرتكزاً صالحاً لأي شرعية ثورية أو سياسية جديدة؟ وهل ما تزال الوثيقة الدستورية التي نشأت في سياقها قادرة على توفير مرجعية دستورية لبلد تغيرت مؤسساته وتحالفاته وواقعه السياسي والأمني والاجتماعي؟ أم أن حرب أبريل وما ترتب عليها من تحولات عميقة قد نقلت السودان إلى مرحلة جديدة تحتاج إلى تأسيس شرعيتها من واقع مختلف تماماً؟
السؤال هنا لا يتعلق بمحاكمة ديسمبر تاريخياً، ولا بإنكار الأسباب التي أخرجت السودانيين إلى الشوارع، ولا بحق الناس في الاحتجاج على أوضاعهم والمطالبة بحكم أفضل. فتلك صفحة من تاريخ السودان، لها سياقها وشعاراتها وتضحياتها وآمال من شاركوا فيها. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين احترام حدث تاريخي وبين تحويله إلى مصدر دائم للشرعية السياسية مهما تغيرت البلاد من حوله.
فالشرعية السياسية لا يمكن تجميدها عند لحظة بعينها، ثم مطالبة المجتمع بالعودة إليها كلما دخل مرحلة جديدة. والزمن السياسي الذي أنتج الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019م لم يعد هو الزمن الذي يعيش فيه السودان اليوم. لقد تغيرت القوى، وتفككت تحالفات، وسقطت ترتيبات، وظهرت مؤسسات ووقائع جديدة، ثم جاءت الحرب لتعيد تشكيل المجال السياسي والجغرافي والأمني والاجتماعي بصورة يصعب معها التعامل مع تلك الوثيقة وكأن السنوات الماضية لم تقع.
بل إن الوثيقة نفسها تعرضت خلال المرحلة الانتقالية لتعديلات وتحولات وممارسات سياسية أضعفت كثيراً من بنيتها الأصلية، قبل أن تأتي أحداث الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، ثم حرب أبريل 2023م، لتجعل السؤال عن قدرتها على تنظيم الواقع الراهن أكثر إلحاحاً. كما أن المسار السياسي الذي أعقب ديسمبر أخفق في الوصول إلى تسوية وطنية مستقرة وقادرة على بناء مؤسسات الدولة وإدارة خلافاتها. وتراكمت خلال تلك المرحلة أزمات سياسية وأمنية ودستورية، وفشلت التسويات المتعاقبة في معالجة اختلالات الدولة وقضية السلاح وتعدد مراكز القوة، حتى أصبحت تلك التناقضات جزءاً من الطريق الذي انتهى بالبلاد إلى انفجار حرب أبريل.
والمشكلة أن بعض السياسيين لا يزالون يتحدثون عن «شرعية ثورة ديسمبر» كما لو أنها تفويض سياسي مفتوح لا تنتهي صلاحيته، وكأن الانتماء إلى الثورة يمنح صاحبه حقاً دائماً في تحديد مستقبل البلاد أو رسم حدود المشاركة في العملية السياسية القادمة.
وهنا ينبغي التمييز بين الإرث السياسي لديسمبر واحتكار الشرعية باسم ديسمبر.
فالثورات تفتح أبواب التغيير، لكنها لا تمنح أصحابها وكالة سياسية أبدية؛ وشرعيتها التاريخية لا تتحول تلقائياً إلى شرعية دستورية مستمرة. فالشرعية، في الدولة الحديثة، لا بد أن تنتقل في نهاية المطاف من الشارع إلى المؤسسات، ومن لحظة الثورة إلى الدستور، ومن التفويض المفترض إلى التفويض الشعبي المتجدد. وعندما تعجز مرحلة انتقالية عن إنجاز هذا الانتقال، ثم تتجاوزها أحداث بحجم ما شهده السودان، يصبح التمسك بشرعيتها الأولى بديلاً عن إنتاج شرعية جديدة، لا امتداداً طبيعياً لها.
يمكن أن تبقى قيم الحرية والعدالة والحكم المدني والمواطنة من المطالب الوطنية المشروعة، ويمكن أن تدخل تجارب السنوات الماضية بكل نجاحاتها وإخفاقاتها في الذاكرة السياسية للسودانيين، لكن ذلك شيء، والقول إن الدولة السودانية بعد حرب بهذه الضخامة يجب أن تعود إلى نقطة سياسية ودستورية تعود إلى عام 2019م شيء آخر.
فحرب الخامس عشر من أبريل لم تكن حادثة عابرة في المسار السياسي السوداني. لقد هددت وجود الدولة ذاتها، ودفعت ملايين المواطنين إلى النزوح واللجوء، ودمرت مدناً ومؤسسات وبنية اقتصادية واجتماعية، وأعادت قضية الجيش والسيادة ووحدة الأرض ومؤسسات الدولة إلى قلب التفكير السياسي السوداني. كما أعادت ترتيب أولويات المجتمع نفسه؛ فأصبحت أسئلة الأمن وبقاء الدولة وعودة المواطنين واستعادة المؤسسات وإعادة الإعمار جزءاً أصيلاً من أي مشروع سياسي للمستقبل.
لكن الحرب، في المقابل، لا تمنح شرعية سياسية لمجرد أنها وقعت، ولا ينبغي أن نستبدل مفهوم «الشرعية الثورية» بمفهوم «شرعية الحرب». فالسلاح يستطيع أن يحسم معركة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع عقداً اجتماعياً أو دستوراً دائماً أو نظاماً سياسياً قابلاً للاستمرار.
الأدق أن نقول إن حرب أبريل صنعت لحظة تأسيس وطنية جديدة.
لحظة تجعل حماية الدولة ووحدتها وسيادتها ومؤسساتها نقطة البداية، وتجعل تجربة الحرب نفسها، بما كشفته من اختلالات في بنية الدولة والسلاح والسياسة والعلاقة بين المركز والأطراف، مادة أساسية عند صياغة المستقبل. ومن هذه اللحظة يمكن أن تنشأ شرعية جديدة، مصدرها الشعب السوداني في مجموعه، وتتجسد عبر حوار وطني واسع يقود إلى توافق دستوري وسياسي جديد.
وهذا يكتسب أهمية خاصة الآن، بينما تمضي الدولة في مواجهة تمرد المليشيا، وتتجه في الوقت ذاته إلى فتح أبواب الحوار السوداني–السوداني، وتتسع خطوات استعادة مؤسسات الدولة وتطبيع الحياة العامة، ويعود المواطنون تدريجياً من مناطق النزوح والهجرة إلى المدن والمناطق التي استعاد فيها الأمن حضوره.
وهنا يلتقي المساران: استعادة الدولة وبناء الدولة. فحسم التمرد واستعادة سلطة الدولة على أراضيها ومؤسساتها ضرورة لحماية الكيان الوطني، لكن ذلك لا يغني عن بناء توافق سياسي يمنح مرحلة ما بعد الحرب مشروعيتها الوطنية والدستورية. ويكتمل انتصار الدولة عندما تتحول استعادة الأرض والمؤسسات إلى فرصة لإعادة بناء النظام السياسي نفسه على أسس أكثر استقراراً وعدلاً وقدرة على منع إعادة إنتاج أسباب الصراع.
هذه التطورات تعني أن السؤال لم يعد فقط: كيف ننهي الحرب؟ وإنما: أي دولة نريد بعد الحرب؟ ومن أين تستمد هذه الدولة شرعيتها؟
والإجابة لا ينبغي أن تأتي من استدعاء صراع ديسمبر القديم بتقسيماته وتحالفاته ومصطلحاته، ولا من إعادة إنتاج الوثيقة الدستورية وكأنها نص فوق حركة التاريخ. المطلوب أوسع من ذلك: عملية تأسيس سياسية سودانية تستوعب ما قبل ديسمبر وما بعدها، وتجربة الانتقال وإخفاقاتها، والحرب ودروسها، والتحولات التي أحدثتها في المجتمع والدولة.
فالحوار السوداني–السوداني، إذا أُريد له أن يكون مدخلاً حقيقياً لبناء الدولة، ينبغي ألا يكون امتداداً لطاولة سياسية قديمة بأطرافها وشروطها نفسها، وإنما مساحة لإنتاج عقد وطني جديد يحدد طبيعة الدولة، ونظام الحكم، والعلاقة بين المدني والعسكري، ومستقبل السلاح خارج المؤسسات النظامية، وتوزيع السلطة والثروة، وضمان التداول السلمي للحكم، ومعايير المشاركة السياسية، وصولاً إلى دستور دائم يستمد قوته من الإرادة الوطنية وينتهي إلى تفويض شعبي حر.
لقد أصبحت الحرب فاصلاً تاريخياً يصعب القفز فوقه.
ولذلك فإن السودان بعد 15 أبريل 2023م لن يكون، ولا ينبغي أن يكون، مجرد استعادة للسودان قبل 15 أبريل. فالدول التي تدفع ثمناً بهذا الحجم ثم تعود إلى الأسئلة والأدوات والخصومات نفسها تكون قد خسرت مرتين: مرة عندما اندلعت الحرب، ومرة عندما عجزت عن التعلم منها.
ديسمبر جزء من تاريخ السودان، وحرب أبريل أصبحت جزءاً أشد قسوة من هذا التاريخ؛ لكن مستقبل البلاد لا ينبغي أن يُرهن لأي منهما باعتباره تفويضاً أبدياً. فالتاريخ يمنح الشعوب دروسها، لكنه لا ينبغي أن يصادر حق الأجيال والمجتمعات في صناعة حاضرها واختيار مستقبلها.
الشرعية التي يحتاجها السودان اليوم ليست شرعية ثورة مضت، ولا شرعية حرب اندلعت، وإنما شرعية وطن يُعاد تأسيسه؛ شرعية يصنعها السودانيون عبر توافق جديد، وتحميها مؤسسات الدولة، ويثبتها دستور يعبر عن واقع ما بعد الحرب، ويمنحها الشعب في النهاية معناها وقوتها واستمرارها.
وعندها يمكن للسودان أن يخرج من هذه الحرب لا ليستعيد الماضي، ولا ليعيد إنتاج الصراع في صورة جديدة، وإنما ليؤسس دولة تتعلم من تاريخها، وتعيد السياسة إلى المجتمع، والشرعية إلى الشعب، والسلاح إلى مؤسسات الدولة، والدولة إلى جميع السودانيين.
الأربعاء، 2 سبتمبر 2026م



