
نائب رئيس تحرير ” الأسبوع ” المصرية
تكشف التجربة السودانية منذ أبريل 2023م عن حقيقة مهمة، وهي أن الحرب ألحقت أضرارًا هائلة بالتعليم لكنها لم تنجح في القضاء على المبادرات المجتمعية والرغبة في التعلم.
فالفصول التي أقيمت في المساحات المفتوحة، ومساحات التعلم الآمنة، والمدارس التي أعيد تأهيلها، وبرامج تدريب المعلمين، والمبادرات الرقمية، شكلت معاً شبكة واسعة من الحلول التي ساعدت على إبقاء التعليم حاضرًا في حياة الأطفال، كما أن التعاون بين المجتمع السوداني والمنظمات الدولية والجهات المانحة أظهر قدرة فائقة لأبناء هذا الشعب على إعادة البناء في مواجهة الخراب والدمار وصنع الحياة من قلب الموت والهلع والخوف.
مجتمع سوداني صامد
أبهر المجتمع السوداني العالم بقدرته على الصمود في قلب ساحات الحرب وتواصل أصوات المدافع وأزيز الطائرات، حيث لم ينتظر المعلمون وأولياء الأمور والشباب اكتمال الحلول الرسمية، بل بدؤوا في إنشاء فصول تعليمية مؤقتة داخل الأحياء ومراكز النزوح والساحات العامة والمساجد والأندية ومقار الطرق الصوفية والمسيد.
وفي بعض المناطق، استغل المتطوعون أبسط الإمكانات المتاحة لتعليم الأطفال القراءة والكتابة والحساب، وتحولت هذه المبادرات إلى مساحات تحفظ للأطفال علاقتهم بمدارسهم والمعلمين والتعليم، وتمنح الأسر النازحة شعورًا بأن الحياة والتعلم يمكن أن يستمرا رغم الحرب، كما ساهمت غرف الطوارئ والمبادرات الشبابية في تنظيم جهود تطوعية جمعت المعلمين والأسر والمتطوعين حول هدف واحد يتمثل في منع تحول توقف الدراسة إلى انقطاع دائم عن التعليم.
توفير الأمن للتعليم
ومع استمرار النزوح وتضرر المدارس، أصبحت مساحات التعلم الآمنة واحدة من أهم الأدوات التي ساعدت الأطفال على العودة إلى الدراسة، وعملت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) بالتعاون مع شركائها على توفير بيئات تعليمية بديلة للأطفال الذين فقدوا إمكانية الوصول إلى المدارس التقليدية.
ولم تقتصر هذه المساحات على تقديم الدروس، بل وفرت أيضاً المواد التعليمية والدعم النفسي والاجتماعي، بما ساعد الأطفال على استعادة قدر من الاستقرار بعد تجارب النزوح والعنف، وفي ولايتي الجزيرة وسنار استفاد أكثر من 4 آلاف طفل وطفلة متأثرين بالنزاع من فرص الوصول إلى التعليم عبر هذه المساحات، وهو ما يعكس قدرة الحلول المرنة على الوصول إلى الأطفال حتى في ظل ظروف أمنية وإنسانية بالغة الصعوبة.
83 ألف مستفيد في 5 ولايات
وامتدت الاستجابة الدولية إلى برامج أكثر اتساعاً لإعادة بناء فرص التعليم، ومن أبرزها الدعم الذي قدمته «يونيسف» بالشراكة مع اليابان، من خلال تمويل بلغ 5 ملايين دولار لدعم العملية التعليمية في 5 ولايات سودانية، واستهدف البرنامج أكثر من 83 ألف طفل متضرر من الحرب، إلى جانب العمل على إعادة تأهيل المدارس وتدريب المعلمين وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي.
وتكشف هذه المبادرة عن تحول مهم في طريقة التعامل مع الأزمة، إذ لم يعد الهدف مجرد توفير درس مؤقت للطفل، بل إعادة بناء البيئة التي تسمح باستمرار التعليم، بدءاً من المدرسة والمعلم وصولاً إلى الدعم النفسي الذي يحتاجه الأطفال بعد تعرضهم لآثار الحرب والنزوح.
تنمية الصمود السوداني
وفي مايو من هذا العام، دخلت الجهود التعليمية مرحلة أكثر تنظيماً مع برنامج بناء القدرة على الصمود لتحسين التنمية والنمو في التعليم في السودان، المدعوم من الشراكة العالمية للتعليم، ويستهدف البرنامج إعادة دمج أكثر من 328 ألف طفل متضرر من الحرب في العملية التعليمية، إلى جانب إعادة فتح وتأهيل نحو 850 مدرسة في 7 ولايات، وإنشاء ما يقرب من 1800 مساحة تعلم آمنة وبديلة للأطفال الذين لا يستطيعون الوصول إلى المدارس التقليدية.
كما يستهدف تدريب ودعم أكثر من 9 آلاف معلم ومعلمة لتقديم برامج التعليم الاستدراكي ومساعدة الطلاب على تعويض جزء من الفاقد التعليمي الذي تراكم خلال سنوات الحرب، ويمنح هذا البرنامج الأمل في الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى بناء قدرة أكثر استدامة للنظام التعليمي السوداني.
التعليم الرقمي يفتح أبواب الأمل
وساعدت الحلول الرقمية أيضاً في توسيع فرص الوصول إلى التعليم بالنسبة للأطفال الذين يعيشون في مناطق يصعب فيها إعادة تشغيل المدارس، وبدأت مبادرات تعليمية وإنسانية في الجمع بين التعليم الحضوري والتعليم عن بُعد، مع توفير خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي.
ورغم العقبات المرتبطة بالكهرباء والإنترنت والأجهزة، فإن الاعتماد على التكنولوجيا يمثل فرصة مهمة لتقليل الفجوة التعليمية وربط الأطفال بالمناهج والمعلمين، خصوصاً في المناطق التي تعاني من النزوح أو تضرر البنية التحتية، ويؤكد ذلك أن الأزمة دفعت المجتمع والمؤسسات الداعمة إلى البحث عن حلول غير تقليدية بدلاً من انتظار عودة الظروف إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
ويمثل المعلمون أحد أهم عناصر الصمود التعليمي في السودان، فقد واصل كثير منهم أداء دورهم رغم النزوح وتراجع الموارد وصعوبة الظروف الاقتصادية، وشارك المعلمون المتطوعون في تشغيل الفصول المؤقتة ومساحات التعلم، كما تستهدف البرامج الدولية تدريب آلاف المعلمين على أساليب التعليم الاستدراكي، وهو أمر بالغ الأهمية لتعويض الأطفال عن سنوات الدراسة التي فقدوها.
ويعني دعم المعلم أن الاستجابة لا تنظر إلى الطفل باعتباره متلقياً للمساعدة فقط، وإنما تنظر إلى المدرسة باعتبارها منظومة متكاملة تحتاج إلى معلم مؤهل وبيئة آمنة ومناهج ومواد تعليمية حتى تستعيد قدرتها على العمل.
ويبقى أن إصرار المجتمع السوداني على مواجهة أزمة التعليم التي أنتجتها الحرب المدمرة تشكل نموذجًا أبهر كل المراقبين الذين شاهدوا عمليات النزوح والهلع ودمار المدارس واحتلالها من قبل المتمردين والخوف الذي أصاب الأطفال فجعل من بينهم المشرد والتائه.
لكن يبدو أن إحدى مفردات التحدي هذا التكامل المجتمعي والأسري بين كل أفراد المجتمع السوداني لمواجهة تلك الأزمة، بالرغم من قلة الموارد وغياب عدد كبير من المعلمين وضعف المساهمة الدولية في علاج الأزمة، فإن التجارب على الأرض تقول: إن المجتمعات يجب ألا تنجح في الميادين العسكرية فقط، ولكنها بالضرورة يجب أن تتسلح بالمقاومة والصمود ضد كل الآثار السيئة للحرب وعلى رأسها محاولات تخريب التعليم .






