الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

المدفوعات الرقمية… الحوكمة أولا.

د. محمد عبدالرحيم يسن



digital.start23@gmail.com

شهدت وسائط التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية نقاشا واسعا حول منظومة المدفوعات الرقمية في السودان، بعد قرارات منح وحجب الترخيص عن شركة عسجد، تناول النقاش المحول القومي، والمحولات الخاصة، وتجارب عدد من الدول، والاتجاهات العالمية في بناء البنية التحتية المالية الرقمية، وقد عكس الحوار اهتماما بقضية تمثل أحد أهم مرتكزات الاقتصاد الحديث.
لفت الانتباه المستوى العلمي الذي اتسم به كثير من الآراء، والحرص على الوصول إلى أفضل نموذج يخدم السودان وفي المقابل، اتجهت بعض المداخلات إلى مناقشة الأشخاص أكثر من مناقشة الأفكار، وهو ما لا يخدم قضية بهذا الحجم.
ومن خلال ما دار من حوار واضح ان هنالك ضبابية في الرؤى ، وشح في المعلومات المنشورة من الجهات المنظمة، ولا يملك الراي العام السوداني، أو أي مستثمر في المجال المعلومات الكافية عن نظم الدفع في السودان، فالقضية ليست اختيار محول قومي أو محول خاص، وليست المفاضلة بين تجربة الهند أو البرازيل أو إثيوبيا، وإنما تكمن في بناء منظومة وطنية متكاملة للمدفوعات الرقمية، تقوم على حوكمة واضحة، وتشريعات حديثة، وأدوار محددة لكل جهة، بما يحقق الاستقرار المالي، ويدعم الاقتصاد الرقمي، ويواكب التطور العالمي.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن نجاح منظومات المدفوعات يبدأ من وجود إطار حوكمة ، يحدد من يضع السياسات، ومن ينظم السوق، ومن يشغل البنية التحتية، ومن يقدم الخدمات، ومن يراقب الأمن السيبراني، وكيف تدار المخاطر، وآليات فض النزاعات، وحماية بيانات العملاء، وضمان استمرارية الخدمة في الظروف الطبيعية والاستثنائية.
وتعد التشريعات الحديثة حجر الأساس في هذا البناء، فالقوانين واللوائح المنظمة للمدفوعات الرقمية، والتوقيع الإلكتروني، والهوية الرقمية، وحماية البيانات الشخصية، ومكافحة الجرائم الإلكترونية، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، أصبحت تشكل منظومة واحدة لا يمكن فصل عناصرها عن بعضها. فكلما كانت البيئة التشريعية واضحة ومستقرة، زادت ثقة المستثمرين، وتسارع الابتكار، واتسعت دائرة الشمول المالي. ويأتي الأمن السيبراني في قلب هذه المنظومة. فالمدفوعات الرقمية أصبحت من أكثر القطاعات استهدافا للهجمات الإلكترونية، الأمر الذي يتطلب بناء منظومة وطنية متكاملة لإدارة المخاطر، تشمل مراكز استجابة للطوارئ السيبرانية، وآليات تبادل المعلومات بين المؤسسات المالية، ومتطلبات موحدة لاختبارات الاختراق، وإدارة الهوية والصلاحيات، واستمرارية الأعمال، والتعافي من الكوارث، بما يضمن استمرار الخدمات حتى في الظروف الاستثنائية.
ويظل بنك السودان المركزي حجر الزاوية في هذه المنظومة، باعتباره الجهة المسؤولة عن رسم السياسات، وإصدار اللوائح، والرقابة على الالتزام بها، وضمان سلامة واستقرار النظام المالي. ومن المهم أن يركز البنك على دوره التنظيمي والرقابي، وأن ينشر بصورة دورية الأطر التنظيمية، والمعايير الفنية، ومتطلبات الترخيص، وسياسات التشغيل، حتى تصبح مرجعا موحدا لجميع المشاركين في السوق، وتحقق أعلى درجات الشفافية.
كما أصبح من الضروري توضيح الأدوار المؤسسية لكل جهة مشاركة في المنظومة، فشركة الخدمات المصرفية الإلكترونية المملوكة للبنك المركزي على سبيل المثال ينبغي أن يكون دورها محددا بوضوح، بما يزيل أي لبس بين مسؤولياتها التشغيلية وأي أدوار أخرى، والبنوك يقع عليها تطوير الخدمات والمنتجات المالية، بينما تقود شركات التقنية المالية الابتكار، وتطوير التطبيقات، والوصول إلى شرائح جديدة من المستخدمين، أما شركات الاتصالات، فتظل شريكا رئيسيا في توفير البنية التحتية، وتوسيع نطاق الخدمات، خاصة في المناطق الأقل حظا من التغطية.
ولا يقل دور الجهات الحكومية الأخرى أهمية، فوزارة التحول الرقمي والاتصالات، والجهات العدلية، والهيئة المختصة بالأمن السيبراني، وهيئات حماية المستهلك، جميعها تمثل أطرافا أساسية في نجاح المنظومة. فالمدفوعات الرقمية مشروع وطني يرتبط بالاقتصاد، والأمن، والاستثمار، والخدمات الحكومية، والتجارة الإلكترونية.
لقد أوجدت الحرب تحديات كبيرة أمام الاقتصاد السوداني، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب لإعادة البناء على أسس حديثة. ويمكن لمنظومة مدفوعات رقمية محكومة بصورة جيدة أن تسهم في توسيع الشمول المالي، وزيادة الإيرادات العامة، وتحسين كفاءة التحصيل الحكومي، والحد من الاقتصاد غير الرسمي، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الثقة في النظام المالي.
ويبقى الأمل أن يقود هذا الحوار إلى إعداد استراتيجية وطنية شاملة للمدفوعات الرقمية، تشارك في إعدادها جميع الجهات ذات العلاقة، وتحدد الرؤية، والأهداف، والأدوار، ومراحل التنفيذ، ومؤشرات القياس، بحيث تصبح المدفوعات الرقمية أحد أهم محركات التعافي الاقتصادي بعد الحرب، وأحد أعمدة التحول الرقمي في السودان، وقاعدة راسخة لاستقرار مالي يواكب متطلبات المستقبل،
نكرر الدعوة لقيام المجلس الاعلى للمدفوعات الرقمية في السودان.

اترك رد

error: Content is protected !!