الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية تجاه السودان:من قصف مصنع الشفاء إلى اتهامات السلاح الكيميائي…هل تغيرت الأدوات أم بقيت الفلسفة السياسية نفسها؟

ليست العلاقات الدولية مجرد تفاعل مع الأحداث الآنية، وإنما تحكمها في كثير من الأحيان ما يمكن تسميته بـ”الذاكرة الاستراتيجية”، أي تراكم التصورات والافتراضات والمؤسسات والسياسات التي تستمر في التأثير على صناعة القرار حتى مع تغير الإدارات والحكومات. ومن هذا المنظور، يطرح التصعيد الأمريكي الأخير تجاه السودان، ممثلاً في اتهامات استخدام أسلحة كيميائية وما ترتب عليها من عقوبات، سؤالاً مشروعاً يتجاوز الحدث نفسه: هل يمثل ذلك تحولاً جديداً في السياسة الأمريكية، أم أنه امتداد لفلسفة سياسية أقدم تعود جذورها إلى نهاية تسعينيات القرن الماضي؟
هذا السؤال يستدعي بالضرورة استحضار حادثة قصف مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم عام 1998، ليس باعتبارها مجرد واقعة تاريخية، وإنما بوصفها إحدى أهم المحطات التي شكلت الوعي السوداني تجاه السياسة الأمريكية.
مصنع الشفاء… عندما سبق القرار الأدلةفي العشرين من أغسطس 1998، أطلقت الولايات المتحدة عشرات الصواريخ المجنحة على مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم، بعد أيام من تفجير سفارتيها في نيروبي ودار السلام. وبررت واشنطن العملية آنذاك بأن المصنع مرتبط بإنتاج مواد تدخل في تصنيع الأسلحة الكيميائية، وبوجود صلات مزعومة بتنظيم القاعدة وقتها.
لكن السنوات اللاحقة شهدت تراجعاً كبيراً في قوة تلك الرواية. فلم تقدم الولايات المتحدة أدلة قاطعة للرأي العام تثبت تلك الاتهامات، كما شككت تقارير صحفية وأكاديمية ومسؤولون سابقون في سلامة المعلومات الاستخباراتية التي استند إليها القرار. وبقيت الواقعة واحدة من أكثر العمليات العسكرية الأمريكية إثارة للجدل من حيث الأساس الاستخباراتي والقانوني.
أما بالنسبة للسودان، فقد كان الأثر أكثر عمقاً؛ إذ لم يكن المصنع منشأة عسكرية، بل كان يمثل نسبة معتبرة من إنتاج الأدوية الأساسية، الأمر الذي انعكس على القطاع الصحي والمرضى، وأصبح الحادث رمزاً لفجوة الثقة بين الخرطوم وواشنطن. بل كان تدميراً مبكرا لاي تفكير وطني ازاء التصنيع الدوائي وتوطينه.
بعد ربع قرن… اتهامات جديدة في سياق مختلف
بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً، تعود قضية الأسلحة الكيميائية إلى واجهة العلاقات السودانية الأمريكية، ولكن في سياق مختلف تماماً. فالسودان يعيش منذ أبريل 2023 حرباً داخلية واسعةمفروضة على البلاد، وانهياراً اقتصادياً وإنسانياً غير مسبوق، بينما تتبادل الأطراف الراعية للحرب الأدلة على الاتهامات بشأن الانتهاكات التي يقوم بها التمرد.
وفي هذا المناخ، أعلنت الولايات المتحدة اتهامات تتعلق باستخدام أسلحة كيميائية، وأتبعتها بإجراءات عقابية، في حين رفضت الحكومة السودانية تلك الاتهامات بصورة قاطعة، وأكدت في بياناتها الرسمية أنها تفتقر إلى الأدلة الكافية والأساس القانوني، مطالبة بتحقيقات مستقلة ومحايدة.
ومن الناحية القانونية، فإن مثل هذه الاتهامات تكتسب حساسية استثنائية، لأن اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية تقوم على منظومة تحقق فني متخصصة تقودها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما يجعل إثبات المسؤولية مسألة قانونية وفنية معقدة، لا مجرد إعلان سياسي.
هل تغيرت الأدوات؟
إذا كان قصف مصنع الشفاء يمثل استخدام القوة العسكرية المباشرة، فإن المشهد الحالي يعكس انتقالاً واضحاً نحو أدوات أكثر تعقيداً وأقل تكلفة سياسياً.
فالولايات المتحدة باتت تعتمد بصورة أكبر على منظومات العقوبات الاقتصادية، والقيود الدبلوماسية، والتشريعات الوطنية، والضغط متعدد الأطراف، وتوظيف الخطاب الحقوقي والإنساني ضمن أدوات إدارة الأزمات.
هذا التحول لا يعني بالضرورة تغير الأهداف الاستراتيجية، بقدر ما يعكس تطور وسائل تحقيقها في عالم أصبحت فيه التدخلات العسكرية المباشرة أكثر كلفة سياسياً واقتصادياً.
… أم أن الفلسفة السياسية هي ذاتها؟
رغم اختلاف الوسائل، يلاحظ عدد من الباحثين أن ثمة ثباتاً نسبياً في بعض المرتكزات التي حكمت السياسة الأمريكية تجاه السودان عبر العقود، من بينها:
• التعامل مع السودان بوصفه ملفاً أمنياً أكثر من كونه شريكاً سياسياً.
• أولوية اعتبارات مكافحة الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل على حساب بناء شراكات استراتيجية مستقرة.والتي قدم فيها السودان قدرته على الشراكة الامنية.
• توظيف العقوبات والضغوط كأداة رئيسية لتغيير السلوك السياسي.
• ارتباط السياسة الأمريكية تجاه السودان، في كثير من الأحيان، بتوازنات إقليمية ودولية أوسع تتجاوز الداخل السوداني نفسه.
ومن هذه الزاوية، فإن المقارنة بين عامي 1998 و2026 لا تعني التطابق الكامل، وإنما تشير إلى استمرار بعض الأنماط المؤسسية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، بدات التوجهات رغم تطاول الحقبة.
البيئة الإقليمية الجديدة
غير أن المقارنة بين المرحلتين تكشف أيضاً اختلافات جوهرية. فالسودان في نهاية التسعينيات كان دولة موحدة ذات حكومة مركزية مستقرة نسبياً، بينما يعيش اليوم حرباً بالوكالة معقدة تتداخل فيها الأبعاد المحلية وومن بعض الجوار والإقليمية والدولية.
كما أن البيئة الجيوسياسية تغيرت بصورة كبيرة؛ فالصين وروسيا أصبحتا أكثر حضوراً في أفريقيا، وتنامى نفوذ القوى الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وأصبحت المنافسة على الموارد والممرات البحرية جزءاً أساسياً من حسابات القوى الكبرى.
لذلك، فإن أي سياسة أمريكية تجاه السودان اليوم لا يمكن فصلها عن المنافسة الدولية على النفوذ في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، ولا عن حسابات الأمن الإقليمي والهجرة والطاقة والمعادن الاستراتيجية، وحرب النفوذ والإرادات في المنطقة.
بين القانون والسياسة
التجربة التاريخية تشير إلى أن الاتهامات المرتبطة بأسلحة الدمار الشامل كثيراً ما تقع عند نقطة التماس بين القانون والسياسة.
فالقانون الدولي يقتضي أدلة قابلة للتحقق وإجراءات تحقيق مستقلة، بينما تتحرك السياسة الخارجية للدول أحياناً وفق تقديرات استخباراتية أو اعتبارات استراتيجية لا تخضع دائماً للمعايير القضائية ذاتها ولا الأخلاقية الموضوعية.
ومن هنا، فإن المحافظة على مصداقية النظام الدولي تقتضي أن تظل الاتهامات من هذا النوع خاضعة للآليات الفنية والقانونية الدولية، بعيداً عن التسييس أو الانتقائية والكيد.
بين مصنع الشفاء وملفات العراق وسوريا… هل تغيرت المعايير أم تغيرت السياقات؟
ولا يمكن تناول الاتهامات الأمريكية الأخيرة بمعزل عن الإطار القانوني الدولي الذي يحكم قضايا الأسلحة الكيميائية، والمتمثل في اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية لعام 1993، وآليات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، التي أُنشئت لضمان تنفيذ الاتفاقية والتحقق من الالتزام بها من خلال إجراءات فنية وقانونية دقيقة، تشمل عمليات التفتيش، وجمع العينات، والتحليل المختبري، وإتاحة الفرصة للدولة المعنية لتقديم دفوعها والتعاون مع المنظمة وفق قواعد قانونية محددة.
وتبرز أهمية هذا الإطار عند إجراء مقارنة بين ثلاث محطات شكلت علامات فارقة في السياسة الدولية تجاه مزاعم أسلحة الدمار الشامل: مصنع الشفاء في السودان عام 1998، والعراق عام 2003، وسوريا منذ عام 2013. فلكل حالة ظروفها القانونية والسياسية المختلفة، إلا أن القاسم المشترك بينها يتمثل في أن الاتهامات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل لا تُحدث آثاراً أمنية فحسب، وإنما تعيد تشكيل العلاقات الدولية، وتؤثر في شرعية استخدام القوة، وفي مستقبل الدول المستهدفة سياسياً واقتصادياً.
وفي الحالة السودانية، ظل الجدل قائماً حول مدى كفاية الأدلة التي استندت إليها الولايات المتحدة في استهداف مصنع الشفاء، خاصة بعد أن أثارت تقارير وتحليلات لاحقة تساؤلات واسعة بشأن سلامة الأساس الاستخباراتي الذي بُني عليه القرار، دون أن تنتهي القضية إلى تحقيق دولي مستقل يحسم الجدل بصورة نهائية. أما في العراق، فقد أثبتت الوقائع اللاحقة عدم العثور على مخزون من أسلحة الدمار الشامل رغم أن تلك المزاعم كانت من أبرز المبررات التي استند إليها الغزو عام 2003، لتصبح القضية لاحقاً مثالاً على المخاطر المترتبة على توظيف المعلومات الاستخباراتية في صناعة القرار السياسي. وفي المقابل، شهد الملف السوري انخراطاً مباشراً لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وبعثات تحقيق دولية، مع استمرار الجدل القانوني والسياسي حول بعض نتائج التحقيقات وتفسيرها وتوظيفها في الصراع الدولي.
ومن ثم، فإن أي اتهام جديد يتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية، أياً كانت الجهة الموجه إليها، يكتسب مشروعيته وقوته القانونية بقدر ما يستند إلى تحقيقات مستقلة، وإجراءات تحقق شفافة، وأدلة فنية قابلة للمراجعة وفق أحكام القانون الدولي، بعيداً عن الاستنتاجات السياسية المسبقة أو الحسابات الجيوسياسية. فالمصداقية في مثل هذه القضايا لا تُبنى على ثقل الدولة التي تطلق الاتهام، وإنما على قوة الدليل، واستقلال آليات التحقق، واحترام الإجراءات القانونية الدولية.
خاتمة
إن الربط بين مصنع الشفاء عام 1998 واتهامات الأسلحة الكيميائية اليوم لا يعني بالضرورة أن التاريخ يعيد نفسه، فلكل مرحلة ظروفها وسياقاتها المختلفة. لكنه يفتح الباب أمام سؤال استراتيجي أعمق: هل تغيرت بالفعل نظرة واشنطن إلى السودان، أم أن ما تبدل هو الوسائل فقط بينما بقيت فلسفة إدارة الملف السوداني على حالها؟
الإجابة النهائية ربما لن يحسمها الجدل السياسي، بل ستحددها طبيعة الأدلة، وشفافية التحقيقات، ومدى التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي. غير أن المؤكد أن بناء علاقة مستقرة بين السودان والولايات المتحدة لن يتحقق عبر دوائر الاتهام المتبادلة والعقوبات وحدها، وإنما عبر حوار قائم على الاحترام المتبادل، والشفافية، والاعتراف بأن استقرار السودان لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.



