الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

إحاطة السودان أمام مجلس الأمن: بين معادلات الحرب والكارثة الإنسانية ومسار العدالة… كيف تُقرأ الرسائل وكيف يكون التعاطي؟

السفير د. معاوية التوم

تأتي إحاطة مجلس الأمن حول السودان في لحظة مفصلية تتجاوز حدود الأزمة العسكرية والإنسانية المباشرة، إذ تدخل الحرب عامها الرابع وسط مشهد أكثر تعقيدًا تتقاطع فيه ثلاثة مسارات متوازية: مسار عسكري لم يُفضِ حتى الآن إلى حسم نهائي للصراع، ومسار إنساني يشهد واحدة ضمن أكبر الأزمات في العالم من حيث النزوح والانهيار في الخدمات الأساسية، ومسار قانوني وجنائي يتصاعد فيه الجدل حول المسؤولية والمساءلة عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة خلال الحرب.

وقد اكتسبت الإحاطة أهمية إضافية مع عودة ملف العدالة الدولية إلى صدارة النقاش، من خلال مداخلات المحكمة الجنائية الدولية بشأن التحقيقات الجارية، إلى جانب إثارة اتهامات أمريكية مرتبطة باستخدام أسلحة كيميائية، وهي اتهامات ذات طبيعة بالغة الخطورة تستوجب التعاطي معها وفق معايير الإثبات والتحقيق المستقل، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الانتقائية في التعامل مع انتهاكات القانون الدولي.

ومن هنا فإن قراءة إحاطة مجلس الأمن لا ينبغي أن تقتصر على ما ورد فيها من توصيف للأوضاع الميدانية والإنسانية، بل يجب النظر إليها باعتبارها جزءًا من معركة أوسع حول مستقبل الدولة السودانية، وحدود السيادة الوطنية، وشكل الترتيبات السياسية والأمنية التي ستتشكل بعد انتهاء الحرب. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في إنهاء القتال، وإنما في ضمان خروج السودان بدولة أكثر تماسكًا ومؤسسات أكثر قدرة على فرض سيادة القانون، وتحقيق العدالة، ومنع تكرار دورة الصراع والإنهاك وحالة اللا استقرار.

أولاً: البعد العسكري… من إدارة الصراع إلى سؤال مستقبل الدولة

تكشف الإحاطة أن المجتمع الدولي بات أكثر إدراكاً بأن الأزمة السودانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متحاربة، وإنما أصبحت أزمة تهدد بنية الدولة نفسها.

فبعد سنوات من القتال، لم يعد السؤال الأساسي هو فقط: من يسيطر على هذه المنطقة أو تلك؟ بل أصبح السؤال الأعمق:

ما شكل الدولة السودانية التي ستخرج من هذه الحرب؟ ومن يمتلك الحق في إدارة مؤسساتها الأمنية والعسكرية؟

لقد أثبتت التطورات الميدانية أن الحلول الجزئية أو الترتيبات المؤقتة لوقف إطلاق النار لم تنجح في إنهاء الحرب، لأنها لم تعالج جوهر الأزمة المرتبط بوجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة، وباختلاف الرؤى حول طبيعة الدولة ومؤسساتها.

ومن هنا فإن أي عملية سياسية جادة لا يمكن أن تتجاهل مبدأ أساسياً، وهو أن السلام المستدام يحتاج إلى دولة واحدة، ومؤسسات أمنية وعسكرية موحدة، وإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش داخل الدولة واو وجه لحكم موازي.وفي هذا السياق، فإن التعاطي مع البعد العسكري لا ينبغي أن يكون من زاوية تحقيق توازن بين أطراف مسلحة فقط، بل من منظور إعادة تأسيس الدولة ومنع استمرار نموذج الميليشيات كعامل دائم لعدم الاستقرار.

ثانياً: البعد الإنساني… عندما تتحول الحرب إلى أزمة بقاء اجتماعي

أما الجانب الإنساني فقد أصبح أحد أكثر أوجه الأزمة السودانية إلحاحاً وخطورة.

فالحرب لم تقتصر آثارها على ساحات القتال، بل امتدت إلى المدن والقرى والمخيمات، حيث أدت إلى موجات نزوح ضخمة، وانهيار قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وتفاقم أوضاع ملايين المدنيين.

لكن التعامل مع الملف الإنساني يحتاج إلى رؤية تتجاوز تقديم المساعدات الطارئة فقط.

فالاستجابة الإنسانية الحقيقية يجب أن تقوم على ثلاثة مبادئ:

أولاً: حماية المدنيين باعتبارها مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تقبل المساومة.

ثانياً: ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بعيداً عن الاستغلال السياسي أو العسكري.

ثالثاً: ربط العمل الإنساني بمشروع التعافي وإعادة بناء المؤسسات، لأن استمرار الحرب يعني استمرار إنتاج الكارثة.

فالإنسانية ليست بديلاً عن الحل السياسي، لكنها شرط أساسي لتهيئة البيئة التي تسمح بالوصول إليه.

ثالثاً: المسار الجنائي… ضرورة العدالة وتحدي الانتقائية

يحضر الملف الجنائي بقوة في النقاش الدولي حول السودان، خاصة مع استمرار الحديث عن الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا سيما في دارفور وكردفان ومناطق أخرى طالتها يد التمرد.

ولا شك أن تحقيق العدالة يمثل ركناً أساسياً في أي عملية سلام حقيقية، لأن تجاهل الجرائم أو الإفلات من العقاب يؤدي إلى إعادة إنتاج العنف.لكن العدالة لكي تكون مقنعة ومستدامة يجب أن تستند إلى مبدأ واضح:

لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا شمول.

أي أن تكون المساءلة قائمة على الحقائق والأدلة، وأن تشمل كل من ارتكب انتهاكات بحق المدنيين، أياً كان موقعه أو انتماؤه أو صفته.كما أن تعزيز القضاء الوطني السوداني يجب أن يكون جزءاً من أي مقاربة مستقبلية، باعتبار أن العدالة الوطنية هي الأكثر ارتباطاً بالضحايا والمجتمع، بينما تأتي الآليات الدولية كدعم ومساندة للمؤسسات الوطنية للقيام بدورها طالما أنها موجودا وراغبة وقادرة على ذلك.

رابعاً: البعد الدولي والإقليمي… السودان كساحة اختبار للنظام الدولي

تكشف الإحاطة أيضاً عن تحدٍ أكبر يتعلق بقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة التأثير الفعلي.

فخلال الفترة الماضية صدرت مواقف وقرارات دولية عديدة، إلا أن استمرار الحرب يطرح سؤالاً جوهرياً:

هل يمتلك المجتمع الدولي الإرادة والأدوات اللازمة لفرض احترام ما يدعو إليه؟

فالأزمة السودانية أصبحت مرتبطة بتداخلات إقليمية ودولية، وبمصالح متنافسة تجعل من السودان ساحة لصراع النفوذ، وهو ما يزيد من تعقيد الوصول إلى تسوية.

ومن هنا فإن أي دور دولي فعال يجب أن يتعامل مع جذور الأزمة، بما في ذلك:

• وقف تدفق السلاح إلى أطراف النزاع.

• تجفيف مصادر تمويل الحرب.

• دعم مسار سياسي لا يقوم على شرعنة القوى المسلحة خارج الدولة.

• الحفاظ على وحدة السودان واستقراره الإقليمي.

خامساً: كيف ينبغي للسودان أن يتعامل مع الإحاطة؟

التعاطي مع إحاطة مجلس الأمن يحتاج إلى رؤية متوازنة تجمع بين الانفتاح الدبلوماسي وحماية المصالح الوطنية وسيادة البلاد.

1. تقديم الرواية السودانية على أساس قانوني وسياسي

لم يعد كافياً الاكتفاء بردود الفعل، بل المطلوب بناء خطاب دولي متماسك يستند إلى الوقائع والأدلة، ويشرح جذور الأزمة وتداعياتها، بعيداً عن التنافس الإعلامي.

2. التعامل مع المجتمع الدولي كشريك لا كوصي

فالسودان يحتاج إلى التعاون مع المنظومة الدولية، لكن على أساس احترام السيادة الوطنية وعدم تحويل الأزمة الإنسانية أو ملف العدالة إلى أدوات ضغط سياسي انتقائي.

3. جعل حماية المدنيين أولوية وطنية

فنجاح أي خطاب سياسي أو دبلوماسي يرتبط بمدى القدرة على تخفيف معاناة المواطنين، ودعم عودة الخدمات الأساسية، وحماية النسيج الاجتماعي.

4. بناء مسار عدالة وطنية شاملة

فالعدالة ليست فقط محاكمات، وإنما تأسيس لمرحلة جديدة تمنع تكرار الجرائم وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.

٥.معركة ما بعد الحرب تبدأ من فهم طبيعة الحرب

إن معركة ما بعد الحرب لا تبدأ بإعادة الإعمار، بل بفهم طبيعة الحرب وأهدافها وآثارها؛ لأن تشخيص الصراع هو المدخل الصحيح لبناء سلام مستدام ومنع تكرار أسباب النزاع.

الخاتمة

إن إحاطة مجلس الأمن حول السودان لم تعد مجرد استعراض للتطورات العسكرية أو الإنسانية، بل أصبحت انعكاسًا لمعركة موازية تدور على المستويين القانوني والسياسي والدبلوماسي. فإصرار المحكمة الجنائية الدولية على توسيع دائرة المساءلة عن الجرائم المرتكبة يؤكد أن ملف العدالة بات أحد المحددات الرئيسية لأي تسوية مستقبلية، وأن الانتهاكات الجسيمة لن تظل بمنأى عن الملاحقة، سواء أمام القضاء الوطني أو الآليات الدولية دون تسييس او انتقائية.

وفي المقابل، فإن إثارة الولايات المتحدة مجددًا لاتهامات تتعلق باستخدام أسلحة كيميائية، من دون الإعلان عن أدلة قاطعة أو نتائج تحقيقات مستقلة، يضيف بعدًا سياسيًا وقانونيًا بالغ الحساسية إلى المشهد. فمثل هذه الاتهامات، بحكم خطورتها، لا يمكن أن تستند إلى التقديرات أو المواقف السياسية الجزافية كما كانت تجربة مصنع الشفاء، وإنما إلى معايير الإثبات التي تقرها الاتفاقيات الدولية والآليات الفنية المختصة، وإلا فإنها تتحول إلى عنصر جديد في معركة السرديات الدولية أكثر من كونها أداة لتحقيق العدالة.

وفي المحصلة، فإن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بنتائج العمليات العسكرية، وإنما بقدرته على إدارة معركة الشرعية القانونية والسيادة الوطنية، مع الالتزام بالمساءلة وعدم الإفلات من العقاب. فالسؤال الذي يواجه السودان اليوم لم يعد من يسيطر على الأرض فحسب، بل كيف تُستعاد الدولة بمؤسساتها، وكيف تُصان سيادتها دون التفريط في حق الضحايا في العدالة، ودون السماح بتحويل المنابر الدولية إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية. فالمعادلة الحقيقية تكمن في بناء دولة قوية، ذات مؤسسات راسخة، تحتكر استخدام القوة وفق القانون، وتفرض سيادة العدالة، بدلاً من الانزلاق إلى نموذج الدولة المنهكة التي تتعايش مع تعدد مراكز القوة وتنازع الشرعيات.

والإجابة ستتوقف على قدرة السودانيين والمجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها:

إنهاء منطق الميليشيا، بناء مؤسسات الدولة، تحقيق عدالة شاملة، وإطلاق مشروع وطني يعيد للسودان أمنه واستقراره ودوره الإقليمي.

اترك رد

error: Content is protected !!