السودان ورؤية المملكة العربية السعودية 2030 (من الجغرافيا إلى الشراكة الاستراتيجية) (1-2)

تشهد العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين تحولاً عميقاً في مفهوم القوة ومصادر النفوذ. فلم تعد الثروات الطبيعية أو القدرات العسكرية وحدها كافية لضمان المكانة، وإنما غدت الرؤية الوطنية، وحسن استثمار الموقع الجغرافي، وبناء الشراكات الاستراتيجية، هي الأساس الذي تُبنى عليه قوة الدول وقدرتها على التأثير وصناعة المستقبل.
فالعالم يتجه اليوم إلى مرحلة أصبحت فيها القيمة الاستراتيجية للدول تُبنى على قدرتها على إنتاج المصالح وصناعة الفرص، لا على حجم مواردها وحدها. وفي ظل هذه التحولات، تتراجع العلاقات التقليدية القائمة على المجاملات السياسية، لتحل محلها شراكات تقوم على المصالح المشتركة، وتكامل القدرات، وصناعة القيمة، باعتبارها الأساس الحقيقي لتعزيز النفوذ وتحقيق الاستقرار وبناء مستقبل أكثر استدامة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التحول الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية منذ إطلاق رؤية المملكة 2030، بوصفها مشروعاً سعودياً وطنياً شاملاً لإعادة بناء الاقتصاد، وتطوير مؤسسات الدولة، وتعزيز مكانة المملكة كقوة اقتصادية واستثمارية وسياسية ذات تأثير عالمي. غير أن القراءة المتأنية لهذه الرؤية تكشف أنها ليست مشروعاً اقتصادياً داخلياً فحسب، وإنما مشروع استراتيجي يعيد تعريف المجال الحيوي للمملكة، ويجعل استقرار محيطها الإقليمي جزءاً لا يتجزأ من نجاحها.
فالرؤية، في جوهرها، لا تعيد تشكيل الاقتصاد السعودي فحسب، بل تعيد أيضاً رسم شبكة المصالح الإقليمية التي يقوم عليها أمن المملكة وازدهارها خلال العقود المقبلة.
وفي قلب هذا المجال الحيوي يبرز السودان، ليس باعتباره دولة عربية شقيقة أو جاراً على الساحل المقابل للبحر الأحمر فحسب، وإنما باعتباره أحد أهم المفاتيح الجيوسياسية والاقتصادية التي تتقاطع عندها مصالح المملكة مع أفريقيا والعالم العربي والبحر الأحمر. ومن هنا، فإن فهم مستقبل العلاقات السودانية السعودية لم يعد ممكناً من خلال المفاهيم التقليدية للعلاقات الثنائية، وإنما من خلال قراءة استراتيجية تضع رؤية المملكة 2030 في سياقها الإقليمي، وتبحث في المكان الذي يحتله السودان داخل هذا السياق.
لقد مثّلت رؤية المملكة 2030 نقطة تحول في الفكر التنموي السعودي، لأنها لم تنطلق من معالجة تحديات اقتصادية آنية، وإنما من إعادة صياغة نموذج الدولة السعودية لعقود قادمة. فقد استهدفت تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط، وتطوير الصناعة والتعدين، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، وبناء قطاع سياحي عالمي، وتحويل المملكة إلى مركز لوجستي يربط بين القارات الثلاث، مع الاستثمار في الإنسان والتقنية والابتكار باعتبارها ركائز التنمية المستدامة.
وخلال سنوات قليلة، انعكست هذه الرؤية على مختلف جوانب الدولة، فشهدت المملكة نمواً متسارعاً في الاستثمارات، وتوسعاً في المشروعات العملاقة، وتطوراً في البنية التحتية، وإصلاحات اقتصادية وتشريعية واسعة، كما أصبحت لاعباً رئيسياً في ملفات الطاقة، والاستثمار، والتقنية، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد الرقمي، وهو ما عزز حضورها الإقليمي والدولي بصورة غير مسبوقة.
غير أن مثل هذا التحول الضخم لا يمكن أن ينجح إذا ظل محصوراً داخل الحدود الوطنية. فالمراكز اللوجستية العالمية، والموانئ، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية، ومشروعات البحر الأحمر، لا تعمل في فراغ جغرافي، وإنما تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة، وشبكة من الشراكات الاقتصادية، ومحيط آمن يضمن استدامة النمو ويحد من المخاطر. ومن هنا انتقلت المملكة من مرحلة إدارة علاقاتها مع الجوار إلى مرحلة بناء مجال اقتصادي واستراتيجي متكامل، يقوم على المصالح المشتركة، ويجعل استقرار الإقليم جزءاً من نجاح المشروع الوطني السعودي.
ويكفي النظر إلى مشروع نيوم ليتضح هذا الترابط. فهذا المشروع العملاق لا يمثل مدينة جديدة فحسب، بل رؤية لإعادة تشكيل الاقتصاد في شمال غرب المملكة ليصبح مركزاً عالمياً للتقنية، والخدمات اللوجستية، والصناعات المتقدمة، والسياحة المستدامة. ونجاح مشروع بهذا الحجم لا ينفصل عن استقرار البيئة المحيطة به، وفي مقدمتها البحر الأحمر والساحل الغربي المقابل، حيث يشكل السودان أحد أهم عناصر هذه المعادلة الجيوسياسية.
وفي هذا الإطار، يكتسب البحر الأحمر أهمية استثنائية. فالبحر الأحمر يتعدى كونه مجرد ممر مائي تعبره السفن، ليصبح أحد أهم المحاور الجيوسياسية في العالم، تتقاطع عنده التجارة العالمية، وأمن الطاقة، والكابلات البحرية، والمشروعات اللوجستية، والمنافسة بين القوى الكبرى. ولذلك، فإن أمن البحر الأحمر لم يعد شأناً بحرياً فحسب، بل أصبح قضية ترتبط بالأمن القومي والاقتصادي للدول المطلة عليه، كما ترتبط باستقرار الاقتصاد العالمي بأسره.
ولا غرابة، إذن، أن تتزايد أهمية البحر الأحمر في الحسابات الاستراتيجية الدولية. فالولايات المتحدة تنظر إليه بوصفه ممراً حيوياً للتجارة والطاقة وحركة الأساطيل، بينما توسع الصين حضورها عبر استثماراتها وموانئها ومبادرة الحزام والطريق. كما تسعى قوى أخرى، مثل روسيا وتركيا ودول أوروبية وآسيوية، إلى تعزيز وجودها السياسي أو الاقتصادي أو العسكري في هذا الفضاء الحيوي، في حين تظل منطقة القرن الأفريقي إحدى أكثر مناطق العالم تأثراً بهذه التنافسات، بحكم موقعها عند ملتقى البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
وتزداد أهمية السودان في هذا السياق لأنه يقع عند نقطة تقاطع بين المبادرات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره أحد أهم مسارات التجارة العالمية، الأمر الذي يزيد من القيمة الجيوسياسية للسودان في حسابات القوى الدولية والإقليمية.
وفي ظل هذا المشهد، لا يمكن للمملكة العربية السعودية أن تنظر إلى الساحل الغربي للبحر الأحمر باعتبارها مجرد مساحة جغرافية مقابلة لسواحلها، بل بوصفها امتداداً مباشراً لأمنها القومي. فكل اضطراب أمني، أو انهيار مؤسسي، أو انتشار للجماعات المسلحة، أو تصاعد لأنشطة التهريب والقرصنة والهجرة غير النظامية، ينعكس بصورة مباشرة على أمن الملاحة، وسلامة الاستثمارات، واستقرار المشروعات التنموية التي تراهن عليها المملكة في ساحلها الغربي.
وهنا تتضح المكانة الخاصة للسودان. فهو يمتلك أحد أهم السواحل الممتدة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، بما يوفر له موقعاً استراتيجياً مؤثراً في معادلات الأمن البحري والتجارة الدولية، ويشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، كما يشكل نقطة التقاء بين المشرق العربي والقرن الأفريقي وعمق القارة السمراء. ولا تقتصر أهميته على موقعه البحري، بل تمتد إلى كونه الدولة التي تربط بين شمال أفريقيا وشرقها ووسطها، بما يمنحه قدرة فريدة على أن يكون مركزاً للتجارة، والنقل، والاستثمار، والربط الإقليمي إذا ما استقرت أوضاعه وأُحسن استثمار موارده.
كما يعكس مشروع البحر الأحمر السعودي بوضوح حجم الرهان الذي تضعه المملكة على هذا الفضاء البحري، باعتباره أحد أهم محاور التنمية والسياحة والاستثمار العالمي. فكل استثمار بمليارات الدولارات على ساحل البحر الأحمر يجعل أمن هذا الممر واستقرار الدول المشاطئة له جزءاً من معادلة نجاح المشروع نفسه.
ومن زاوية أخرى، فإن السودان يمثل بالنسبة للمملكة بوابة طبيعية نحو أفريقيا. فالقارة الأفريقية أصبحت واحدة من أسرع مناطق العالم نمواً من حيث السكان والأسواق والفرص الاستثمارية، كما تشهد تنافساً متزايداً بين القوى الدولية على مواردها وأسواقها وممراتها. ولذلك، فإن وجود شريك مستقر وفاعل على الساحل العربي للبحر الأحمر يمنح المملكة فرصة لتعزيز حضورها الاقتصادي في أفريقيا، وتوسيع استثماراتها، وبناء شبكات لوجستية وتجارية أكثر كفاءة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030.
ولا تقتصر أهمية السودان على موقعه الجغرافي أو انتمائه الأفريقي، بل تنبع أيضاً من اجتماع عناصر استراتيجية قلّ أن تجتمع في دولة واحدة. فهو يطل على البحر الأحمر، ويرتبط بعمق أفريقي واسع، ويمتلك موارد زراعية ومعدنية كبيرة، ويقع عند ملتقى عدد من الممرات التجارية الإقليمية، كما يمثل حلقة وصل بين المشرق العربي وشرق ووسط أفريقيا. وهذه المزايا مجتمعة تجعل السودان شريكاً يصعب استبداله في أي رؤية تستهدف بناء فضاء اقتصادي متكامل يربط الخليج بالبحر الأحمر والقارة الأفريقية. ولذلك فإن قيمته بالنسبة للمملكة ليست قيمة ظرفية فرضتها الأحداث، وإنما قيمة استراتيجية مرشحة للتزايد مع استمرار التحولات الإقليمية والدولية.
ومن هنا، فإن العلاقة بين السودان والمملكة يجب ألا تُقرأ بمنظار المساعدات أو الدعم المالي فقط، وإنما بمنظار المصالح الاستراتيجية المشتركة. فاستقرار السودان يعزز أمن البحر الأحمر، ويدعم حركة التجارة، ويوفر بيئة أفضل للاستثمار، ويفتح آفاقاً أوسع للتكامل مع أفريقيا. وفي المقابل، فإن نجاح المملكة في تنفيذ رؤيتها الاقتصادية يخلق فرصاً كبيرة أمام السودان للاندماج في مشاريع إقليمية كبرى، والاستفادة من الخبرات والاستثمارات والشراكات التي تقودها المملكة.
كما أن الأمن القومي للبلدين أصبح أكثر ترابطاً من أي وقت مضى. فالتحديات التي تواجه البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، والإرهاب، والجريمة المنظمة، وتهريب السلاح، والهجرة غير النظامية، لا تعترف بالحدود السياسية، ولا يمكن التعامل معها بمنطق الدولة المنفردة. ومن ثم، فإن بناء منظومة تعاون أمني واستراتيجي بين السودان والمملكة لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة التحديات المشتركة.
ولعل إنشاء مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن يعكس إدراك المملكة المبكر بأن أمن هذا الممر لا يمكن أن يتحقق بجهود منفردة، وإنما من خلال إطار إقليمي يجمع الدول المشاطئة، ويعزز التعاون في مجالات الأمن البحري، وحماية الملاحة، والاستثمار، والتنمية، بما يجعل البحر الأحمر فضاءً للتعاون بدلاً من أن يكون ساحة للتنافس والصراع.
وتقودنا هذه الحقائق إلى نتيجة استراتيجية بالغة الأهمية، وهي أن الجغرافيا، على أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة الشراكات الاستراتيجية. فالموقع يفتح الفرص، لكنه لا يحولها إلى واقع إلا إذا اقترن برؤية اقتصادية، واستثمارات نوعية، ومؤسسات قادرة، وإرادة سياسية تدرك أن المستقبل تصنعه المصالح المتبادلة أكثر مما تصنعه الشعارات.
ومن هنا، فإن الحديث عن موقع السودان في رؤية المملكة 2030 لا يكتمل بالوقوف عند الجغرافيا أو الأمن وحدهما، وإنما يمتد إلى ملفات لا تقل أهمية، مثل الأمن الغذائي، والاستثمار الزراعي، والاقتصاد الأزرق، والطاقة، والمعادن الاستراتيجية، وسلاسل الإمداد، وإعادة إعمار السودان، والدور الذي يمكن أن تؤديه المملكة في بناء السلام، وكيف يمكن أن تتحول العلاقة بين البلدين من مفهوم المساندة التقليدية إلى شراكة استراتيجية تصنع التنمية والاستقرار في آنٍ واحد.
وذلك ما سنتناوله في الجزء الثاني بإذن الله.



