الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

بين الإدانة والعفو… القضاء الوطني بوابة السلام لا معبر الإفلات من العقاب!؟

السفير د. معاوية التوم

لم يكن الحكم الصادر عن إحدى المحاكم السودانية ببورتسودان، بإدانة المتهم- محمد حمدان دقلو (حميدتي) وعدد من المتهمين في قضية اغتيال والي غرب دارفور الشهيد خميس عبد الله أبكر مجرد نهاية لإجراءات جنائية استغرقت وقتًا طويلًا، وإنما يمثل علامة رمزية فارقة في مسار أكثر تعقيدًا يتجاوز القضية ذاتها إلى مستقبل الدولة السودانية، ودولة المؤسسات، ومستقبل العدالة، وحدود التسويات السياسية بعد انتهاء الحرب.

ففي ظل حرب دخلت عامها الرابع، وخلّفت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ السودان الحديث، يكتسب كل حكم قضائي وطني يصدر في الجرائم المرتبطة بالحرب قيمة تتجاوز أطراف الدعوى، ليصبح رسالة بأن الدولة، رغم ظروفها الاستثنائية، ما تزال تتمسك بمبدأ سيادة القانون، وأن القضاء الوطني لم يفقد ولايته في مساءلة المتهمين بارتكاب الجرائم، وإصدار الأحكام بشأنها، ولن تكون هنالك مساحة للهروب أو إسقاط التهم بالتقادم، طالما أن أولياء الدم من الضحايا يطرقون بوابة القضاء.

أولاً: القضاء الوطني… استعادة هيبة الدولة

تتعرض الدول أثناء الحروب لاختبارات قاسية، ليس فقط في قدرتها العسكرية، وإنما في قدرتها على الحفاظ على مؤسساتها الدستورية والقانونية، بكامل منظومتها. فالدولة التي تتخلى عن القضاء أثناء الحرب، تجد نفسها بعد الحرب أمام فراغ قانوني يصعب ملؤه.

ومن هذه الزاوية، فإن استمرار المحاكم السودانية بكل التاريخ والرصيد المشرف للقضاء في السودان ، وحرصها في النظر للقضايا المرتبطة بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة يمثل مؤشرًا على أن مؤسسات العدالة ما زالت تؤدي دورها، وأن الدولة لا تريد أن يكون السلاح بديلاً للقانون، ولا الانتقام بديلاً للمحاكمة، ولا العفو العام يتجاوز القضاء.

صحيح أن العدالة المتأخرة ليست العدالة المثلى، لكنها تبقى أفضل من غياب العدالة، لأن تأخر الحكم لا يلغي قيمته القانونية، ولا يسقط حق الضحايا في الإنصاف، خاصة في الظرف الإنساني الاستثنائي الذي تعيشه البلاد.

ثانياً: لا سلام بلا مساءلة

أثبتت تجارب رواندا وسيراليون والبوسنة وكولومبيا وغيرها أن السلام الذي يتجاوز العدالة يكون سلامًا هشًا ومبتسراً إن لم يكن فاقدا للقيمة، سرعان ما يعيد إنتاج أسباب الحرب وظلاماتها، ومشهد الضحايا والمدنيين.فالعدالة ليست عقبة أمام السلام، وإنما هي الضمانة الأخلاقية والقانونية لاستدامته. ولذلك فإن الحديث عن وقف الحرب وإعادة بناء الدولة ينبغي أن يسير بالتوازي مع بناء منظومة للمساءلة، تضمن حقوق الضحايا، وتحول دون تكرار الجرائم.ومسرح الحرب والجريمة في تمدد واتساع.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات الخارجة من النزاعات والحروب هو أن يشعر الضحايا بأن دماءهم أصبحت رخيصة وبندًا قابلًا للمساومة على طاولة السياسة وأدعياء البطولات.

ثالثاً: العفو العام… بين السياسة والقانون

لا خلاف على أن العفو العام ظل عبر التاريخ إحدى أدوات إنهاء النزاعات الداخلية، غير أن القانون الدولي والتجارب المقارنة رسّخا مبدأً بالغ الأهمية، وهو أن العفو لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء المسؤولية عن الجرائم الجسيمة والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني.

فالعفو السياسي قد يكون مشروعًا في الجرائم ذات الطبيعة السياسية أو المرتبطة بالمشاركة في النزاع، لكنه لا ينبغي أن يمتد إلى جرائم القتل الجماعي، والاغتيالات، والاغتصاب والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، والنهب والتدمير الممنهج ،وجرائم الحرب، لأنها لا تمس الضحايا وحدهم، وإنما تمس الضمير الإنساني بأسره.

ومن هنا يصبح القضاء الوطني هو الفيصل، لا غرف التفاوض، في تحديد من يجوز أن يستفيد من أي عفو، ومن لا يجوز أن يشمله بحكم جسامة الجريمة المنسوبة إليه، وعظم تبعاتها على أسر الضحايا والمجتمع .

رابعاً: لا تُشرعن الجريمة باسم التسوية

من أخطر الأخطاء التي وقعت فيها بعض الدول الخارجة من النزاعات أنها منحت مرتكبي الانتهاكات المثبتة والحرائم الكبرى، مواقع سياسية أو أمنية قبل استكمال مسار العدالة، فكانت النتيجة أن تحولت السلطة إلى غطاء للإفلات من العقاب.

إن الدولة التي تطمح إلى بناء جمهورية قيمية ديمقراطية راسخة، لا يمكن أن تمنح الشرعية السياسية لمن أثبت القضاء مسؤوليته الجنائية، أو لمن لا تزال بحقه دعاوى تتعلق بجرائم جسيمة، أو تلاحقه التهم بشواهدها وأدلتها.فالسلطة ليست مكافأة، وإنما مسؤولية أخلاقية وقانونية، ومن يتولى قيادة الدولة يجب أن يكون نموذجًا لاحترام القانون، لا مستفيدًا من تعطيله.

خامساً: العدالة الوطنية قبل العدالة الدولية

كثيرًا ما يُطرح سؤال المحكمة الجنائية الدولية كلما برزت قضية تتعلق بجرائم الحرب في السودان، غير أن الأصل في القانون الدولي هو مبدأ التكامل، الذي يمنح القضاء الوطني الأولوية متى كان فاعلاً وقادرًا ومستقلًا وجادًا في مباشرة اختصاصه وفقاً لولايته القانونية.

ولذلك فإن تعزيز القضاء السوداني، وتوفير الضمانات اللازمة لاستقلاله، والإسراع في الفصل في الجرائم الكبرى، يمثل أفضل دفاع عن السيادة الوطنية، لأن الدولة التي تحاسب مجرميها بنفسها، لا تترك فراغًا يملؤه الآخرون.إن السيادة ليست شعارًا سياسيًا، وإنما قدرة مؤسسات الدولة على إنفاذ القانون دون تمييز أو انتقائية، هو الضمانة لصيانة الحقوق وبسط المساءلة ومنع الافلات من العقاب.

أخيراً… العدالة طريق السلام

سيأتي يوم تتوقف فيه الحرب، وتبدأ مفاوضات إعادة بناء السودان، وسيُطرح حينها سؤال العفو والمصالحة بقوة.

غير أن التجربة السودانية ينبغي ألا تعيد إنتاج أخطاء الماضي، عندما كانت التسويات السياسية تسبق العدالة، فتؤجل الأزمة ولا تعالجها.

إن العفو الذي يتجاوز القضاء يفتح الباب أمام دورة جديدة من العنف والانتقام والفوضى، بينما العفو الذي يمر عبر منصة العدالة يعزز الثقة في الدولة، ويعيد الاعتبار للضحايا، ويؤسس لمصالحة وطنية حقيقية، ترتكز الي سوح العدالة والحقوق.

ولهذا فإن الحكم الصادر في قضية اغتيال الشهيد الوالي، خميس أبكر ، بكل ما أحاط بهذه الجريمة النكراء من ملابسات وبشاعة، ينبغي ألا يُقرأ باعتباره نهاية دعوى جنائية فحسب، وإنما باعتباره بداية نقاش وطني أوسع حول مستقبل العدالة في السودان، وعروة القضاء وسلطانه.فالدول تُبنى بالقانون، والسلام يُحمى بالعدالة، ولا مستقبل لدولة تُساوي بين الضحية والجاني، أو تجعل السياسة أعلى من القضاء على أي نحو وكيف !؟.

إن القضاء الوطني يجب أن يبقى البوابة الحصينة التي تعبر منها كل تسوية، والميزان الذي تُوزن به المسؤوليات، والحصن الراسخ الذي يحول دون أن تتحول المصالحة إلى اسم آخر للإفلات من العقاب،وتقنين وشرعنة الجريمة دون رادع او سلطان للقضاء ورد الحقوق. بل لابد للدولة من توجه استشرافي يعلي من ركيزة القانون والقضاء وركيزته المستقلة دونما مساس “فالعدالة الانتقالية في السودان… من المحاكمات إلى المصالحة الوطنية”، ينبغي ان تكون شعار المرحلة القادمة، ،تتناول كيفية المواءمة بين سيادة القانون، والعدالة الانتقالية، والعفو المشروط، وجبر الضرر، بما يجعل كل مطلوبات دولة القانون والعدالة، وسياج حصنها الذي سيؤمن البلاد من شرور القتلة وأرباب المشروعات الاجرامية التي لا تابه بالقانون او القضاء في الوصول الي مآربها ، وهذا خطر داهم على الدولة ومواطنيها ينبغي محاصرته. ولعل مخرجات هذه المحاكمة ونفاذها هي بصيص أمل لعودة الحق والعدل وسلطان القانون وسلامة القضاء الوطني الذي ننشده بكل درجاته ومستوياته، يتوجب علينا أن نعض عليه بالنواجز..

اترك رد

error: Content is protected !!