
ودَّع العالم اليوم رجلاً كان وازن الأثر ، ،ضخم الوقع على أحداثه، منذ توليه السلطة في دولة قطر في يونيو من العام ١٩٩٥ م ،فقد أعلن الديوان الأميري بدولة قطر وفاة امير البلاد السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ..لم يعش الأمير الشيخ حمد على هامش الأحداث بل هو صانعها ،كان أكثر مجايليه تأثيراً في العالم والإقليم .
أما في بلاده قطر ، فقد طوَّع الجغرافية والديمغرافية لارادته . فاستعوض بصغر المساحة ،كبر الرؤية ،وبقلة السكان تعميق القدرات ..فأعاد صياغة وتعريف مفهوم القوة من كونها مساحة الأرض،وعظم نفير الجيوش إلى القوة الناعمة التي اعتمدت على اقتصاد ينمو بوتيرة متسارعة إثر التوسع في استثمارات الغاز الطبيعي المسال، ومجالات اخرى عديدة .وتطوير مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية..فتحولت الثروة إلى رافعة للتنمية الشاملة ،يتشكل بها العمران ،ويسعد بها الانسان .اذ امتدّت الطرق ،وتوسعت الموانيء ،وتطورت المطارات ،وارتفعت صروح الصحة والتعليم.. حتى أصبحت قطر قصةً تُروى في حسن توظيف الثروة، وفي تحويل الإمكانات إلى قوة، والوفرة إلى استدامة.
وصحب ذلك انتهاج سياسة خارجية نشطة قوامها ،الشراكات الاقتصادية،والوساطات الدبلوماسية التي تسعى حثيثاً لإطفاء التوتر وإصلاح ذات البين ،بين الدول والشعوب ،وقد كان الدور القطري مشهوداً في ملفات عديدة، في لبنان والسودان ،وافغانستان،وتشاد واليمن وفلسطين ..وغيرها وغيرها . وكانت سياسة خارجية اتسمت بالاستقلال ،والقدرة على الإمساك بالتباينات بل المتناقضات كما حالة علاقتها بايران واميركا . وقد رسخت هذه الأدوار صورة قطر وسيطاً موثوقاً ومطلوباً لحل النزاعات ،وتلطيف التوترات . فأصبحت الدوحة ملتقى المتخاصمين، ومحطةً يأمل عندها المتنازعون أن يجدوا سبيلًا إلى السلام، وغدا اسم قطر حاضرًا في الملفات الكبرى، لا بضجيج القوة، بل بحكمة المبادرة وحسن التدبير.
ومن أعظم آثار فكره الإعلامي ،وأدوات قوى بلاده الناعمة قناة الجزيرة ..التي كانت علامة فارقة في الإعلام العربي،يؤرخ بها للتحولات الضخمة في وعي الإنسان العربي، فقد كان تأسيسها خطوة أكبر من مشروع إعلامي إلى مشروع قومي توعوي ضخم ،اصبح صوت العرب يصل عبرها إلى الآخر ،حيث كسرت احتكار الرواية،وتمددت مساحة النقاش ، واتسعت دوائر الحرية .. وفتحت المجال لمساءلة الواقع ..ونقلت للعرب العالم،واصبحت جسراً بين الشرق والغرب،وبين الخبر والمعني .ولم يكن مشروع الجزيرة كغيره،إذ ارتفعت كلفته السياسية بحيث استعصت على أن تُحتمل ،ولكن قطر واجهت هذه الكلفة وأوفت بها في صبرٍ وإباء .
أسس الأمير الشيخ حمد مشروعه الاقتصادي والسياسي على دعائم قوية من التماسك الاجتماعي من خلال ادارة حكيمة للتوازن الداخلي وتموضع الإنجاز لا الوعود ،وتعزيز الثقة في مؤسسات دولة الرفاه التي وضعت دخل الفرد القطري الاول في العالم . ما عزّز الاستقرار والولاء السياسي قاعدةً لنهضة تعتبر نموذجاً بكل مقاييس القوة والاستدامة ..وكل ذلك في موازنة دقيقة بين الأصالة والتحديث ،اذ بالرغم من الانفتاح القطري الكبير على العالم ظلت قطر موطناً لهوية يتصدرها الالتزام الديني واحترام التقاليد العربية الأصيلة.
و من أكثر صفحات سيرته وضاءة انه لم يجعل السلطة طريقاً للخلود ،فارقها وهو في قمة عطائه انطلاقاً من قناعة انّ الدول العظيمة لا تقوم على بقاء الرجال ،بل على دوام وقوة المؤسسات ،وأن تداول المسؤوليات الوطنية بين الأجيال هو ما يبقي حيوية الوطن دافقة ،وطاقته ناضحة بالفاعلية والتقدم .غير أنّ الأمير الراحل قد خصّ السودان بمواقف نبيلة ستظل حيةً في الذاكرة الوطنية لشعبه ،لم ينظر إليه ببعد المسافات ،ولا بتواتر الأزمات ،بل بعين الاخوة ،رآه وطناً ثقيل الوزن ،أصيل الثقافة ،قوي الحضور ،فكان دعمه للسودان أكثر من موقف عابر تمليه لغة الدبلوماسية ،ومنطق علاقات الدول،بل لكونه بؤرة إشعاع حضاري ،عربي وإسلامي ،لم يكن يراه هامشاً في معادلة المنطقة ، بل احد أركانها وحجر ثبات جغرافيتها السياسية ،.
ولن ينس السودان وشعبه رسائل الاحترام والتقدير والوفاء ،فقد كان الأمير الشيخ حمد رحمه الله،يرى في بلادنا ما يرى الكبار من طاقة كامنة ودور منتظر ..وحين اشتعل حريق دارفور في السنوات الاولى للألفية ، واستعرت نيرانه ،تهجَّس الشيخ حمد منه واهتم به وحمل همَّ الإقليم إلى ساحات الفعل ، ففتح للفرقاء أبواب الدوحة، وجعل منها منبرًا للحوار لا ساحةً للخصومة. ولسنواتٍ ظلَّت العاصمة القطرية تستضيف المتنازعين، باحثةً عن كلمةٍ تطفئ لهيب البنادق وتعيد للأرض سكينتها.
وقد أثمرت مساعيه اتفاقية الدوحة في يوليو 2011م التي أعادت شيئًا من الأمل، وإن تعثرت محاولات أخرى أمام تعقيدات السياسة وتشابك المصالح. لكنه لم يجعل نجاح الوساطة رهينًا بتوقيع الاتفاقات وحدها؛ فما إن قطع وعدًا لأهل دارفور حتى أوفى به. فأُنشئت مؤسساتُ التنمية، وأُطلقت مشروعاتُ إعادة الإعمار، ومُدَّت جسورُ العودة للنازحين إلى قراهم، لتغدو الدوحة شاهدًا على أن السلام لا يكتمل بالحبر الذي يُوقَّع به، وإنما بما يُبنى على الأرض من مدارس ومستشفيات وقرى، وبما يعود إلى الناس من أمنٍ وكرامةٍ وأمل.
ولم تكن قطر بعيدةً عن السودان يومًا، بل كانت له يدًا بيضاء لا تنقطع، ونبعًا من الخير لا يَغور. فقد كان مكتبُ منظمة الدعوة الإسلامية في الدوحة أهمَّ مكاتبها في العالم، وأوسعَها أثرًا، وأغزرَها عطاءً، حتى غدا شاهدًا على عمق الصلة بين البلدين، وعلى ما حملته قطر من همِّ السودان في السلم والشدّة. وظلت أيادي الخير القطرية تتدفق على السودان، لا سيما في سنوات الحرب، حين اشتد البلاء وازداد الجرح اتساعًا، فكانت المساعدات تسبق النداء، وتأتي كالغيث إلى أرضٍ أنهكها العطش،. وهكذا بقي اسم قطر مقرونًا في الذاكرة السودانية بالعون والمواساة، وبالسعي إلى تضميد الجراح، وإسناد الإنسان حين تضيق به السبل وتخذله الأيام.، وقد أوفى سمو الأمير الشيخ تميم لما وَرِث من سلفه الكبير ،فهو يَجِدُ السير في ذات الاتجاه،إذ يسهر لسهر السودانيين في ليلهم المتطاول بالرهق .
رحل الشيخ حمد،ويبقى الوطن الذي بناه يطوي حزنه على فخرٍ واعتزاز..بكل طريق شُيِّد ،وجامعة أسست،ومؤسسة ازدهرت ،ومكانة اكتسبتها دولة بين الأمم،وتظل سيرة الشيخ صفحات مضيئة في قصة دولة صنعت بصفاء الرؤية والعمل الصالح الذي يبقى بعد غياب فاعله.
وبحسه المستقبلي نقل الأمانة منذ حين إلى ايدٍ أمينة ،تربت في كنفه ،وتدربت بين يديه ، فكانت لحظة إكتمال وامتداد ،انتقلت الراية من يدٍ صاغت ،إلى يد ولدت في ظلها ،وتسلحت بوعيها ،..صانت الإنجاز واضافت اليه رؤاها واجتهادها ..ومضت إلى آفاق جديدة ،لتبقى قطر الرابح الأكبر من هذا التعاقب الرشيد .رحم الله الشيخ حمد ،وأجزل ثوابه ،وألحقه بالصالحين..
والعزاء لقطر دولةً وأميراً وشعبا.






